خاص بآفاق البيئة والتنمية
| لقد فقد سكان الريف من أبناء الفلاحين المعرفة الزراعية وأسس الحياة الفلاحية. فقدوا البذور البلدية والعلاقة بالأرض لأنهم ما عادوا يعرفونها؛ فكيف لمن لا يعرف الأرض أن يدافع عنها؟ بات أهل الريف بأمس الحاجة للعودة إلى الجذور، لتعلم الفلاحة، وليس أية فلاحة، بل تلك التي تعتمد على موارد الطبيعة والموارد المحلية، بأسس علمية عميقة. هذا ما يعالجه المقال التالي. |
 |
| احتضان المياه في التربة |
قَفزتُ في الماء كمفترسٍ وجد فريسته، كانت تسبح في الماء برأسها الأسود، ممشوقة القوام، بجسدٍ بني رفيع تتلوى في الماء بجمالها الفاتن في يوم ربيعي دافئ. أمسكت بها من رقبتها الرقيقة، في مكان يُمَكِنُني من السيطرة عليها، فاستسلمت لقدرها. كانت صغيرة الحجم نسبياً، وفي ذاك العمر وتلك الحقبة من زمن مضى، لم نكن نعلم بشكل قطعي أيٌ منها سام، وأيها قليلة السمية. كل ما عرفناه أن هناك أفاعي برأس مثلث الشكل تكون سامة وكذلك تلك القصيرة الرقطاء، وأم القرون، شديدة السمية. كنت في تلك المرحلة شديد التعلق بالأفاعي مغرماً بصيدها والإمساك بها.
تلك الأيام كانت موسم جمع بيض "الشنانير" - الحجل، الذي كانت تمتليء به الجبال كما الغزلان والأرانب البرية، في مشهد كان يبعث السرور في النفس، لكنه اليوم أصبح نادراً، وقد يمضي يوم كامل وأنت في الأرض فلا ترى ولا تسمع صوت شنار واحد. أما الأرنب البري والغزال فقد اختفيا من معظم جبالنا والسهول، فمن جهة غَزَتنا "سموم الأعشاب"/المبيدات العشبية التي أضرت بالتنوع الحيوي بكل أشكاله، ومن جهة أخرى، الصيد الجائر. لكن، ربما قلة الحبوب في الحقول أجبرت الحجل على الرحيل لأماكن أخرى بحثاً عن بقايا قمح وشعير وعدس كانت تتبقى في الحقل بعد الحصاد. ولا ننسى دور الخنازير البرية التي غزت بيئتنا في العقود الأربعة الأخيرة، والثعالب التي انتشرت بشكل واسع وكلها تتغذى على بيض الشنار.
في تلك الأيام كنا نسير في الجبال، ولا نجوع، فالخيرات تملأ الجبال، كنا نأكل الفول الأخضر والبازيلاء، والعدس، والحمص من الأرض حيث نجده، حتى سنابل القمح والشعير الخضراء كنا نتقن "فصفصتها" وأكل الحبوب الغضة الطرية. وكلما ارتفعت الحرارة واقترب الصيف زادت الخيرات، نغزو على أشجار التين والعنب، نأكل البندورة البلدية، والفقوس وحتى قرون البامية نأكلها خضراء فلا نجوع. وحين يطوي الصيف صفحاته نجد ثمار الزعرور وقرون الخروب. كنا نعرف "السيسعة والصيبعة، ونجد في الربيع الحلبة البرية والخس البري والذِبَّحْ.
بقيت ممسكاً بالأفعى ورجعت بها للبيت. قمت بخياطة فمها كي لا تلسع، واليوم أدرك أنها لم تكن من النوع السام، ثم ألصقتها على ورقة "الليرة" التي ادخرتها للتبرع بها صباح اليوم التالي، لشراء ستائر لغرفة الصف في المدرسة، لأن الشمس كانت تشكل إزعاجاً شديداً لنا خلال الحصص المدرسية.

الفلاحة الفلسطينية البيئية وإنتاج الكثير المتنوع من المساحات الصغيرة
في الصباح وضعت "الليرة" في جيب قميصي ومضيت للمدرسة، وحين جاء المعلم "محمد خضر"، الذي شجعنا على التبرع لشراء الستائر، وضعت ورقة الليرة في يده، وفجأة أدرك أن الليرة ثقيلة، ورأى الأفعى الملصقة عليها، ومن شدة المفاجأة ألقى بالليرة في الجو وصرخ: سعد، شو هذا يا …"؟ أمرني أن أنزع الأفعى الصغيرة عن الليرة والخروج من غرفة الصف وقتلها.
اليوم أصبحنا نعرف أنواع الأفاعي المختلفة، التي تملأ بيئتنا، وإذا سرنا في الجبال وعبرنا الحقول، لا نجد لا سنبلة قمح ولا قرن فول، لا عنقود عنب ولا حبة تين، حتى الزعرور البري أصبح نادراً والخروب جرى قطعه للحطب. كنا نعبر الحقول والجبال، إما بحثاً عن بيض الشنار أو لرعي الأغنام، ونلتقي الفلاحين في حقولهم، واحدٌ يبني "سنسلة"، وآخر يقلم أشجاره وثالثٌ يزرع أو يقلع، يحرث أو يحصد، فنلقي عليهم تحية الفلاحين: "صَحْ اِبدانهم". الحقول تعج بأصحابها، يروونها بعرقهم ويغذونها بالحب. كانت الأرض بلا تقسيمات ولا خيبات، لا ألفٌ ولا باءٌ ولا جيم. أما اليوم تسير فلا تكاد ترى أحداً، اذا استثنينا فترة قطف الزيتون وبعض أيام الربيع، حيث يخرج الناس للتنزه والاستمتاع بأجواء فصل الربيع وأزهاره.

التراث الزراعي الفلسطيني البلدي
العقيدة الوطنية الإنتاجية
مررنا هذا العام بفصل صيفٍ ساخنٍ طقساً وسياسة، وما زال خريف هذه الأيام حاراً وصعباً؛ فلا مناطق "أ" النحيفة المتقلصة والجاري مسخها، تحمي أصحابها وتحفظ زيتونها، ولا منارة رام الله عصية على المحتل، أما جبال فلسطين وهضابها وسهولها فتدوسها أقدام المحتل، وترعى فيها الأغنام والأبقار التي سرقها الغزاة من الفلاحين الفلسطينيين كما سرقوا الأرض والتاريخ والتراث. صِبية مستعمرون، يسيطرون على خُمس مساحة الضفة الغربية، بتسهيل وحماية من جيش الاحتلال، وتتصاعد هجماتهم الدموية على الفلاحين، ما يُنذر بأننا على أبواب شتاءٍ ساخن قادم.
بعد أيام ستنتهي إحتفاليات قطف الزيتون الجميلة وذات المعنى، وتعود السلالم لمخازنها، وتُترك الأرض، أرض الزيتون المقدس، ويستمر نهش الأرض التي باتت قناعات أبناء المستعمِرين الصغار والأطفال منهم، بأنها الجنة التي صنعها اليهود وسرقها واحتلها الفلسطينيون، وأن عليهم تطهيرها واستعادتها من الفلسطينيين! هكذا يجري تعليمهم وبرمجة وعيهم في عمل دؤوب ضمن برامج وخطط جرى إعدادها على مدى عقود من الزمن. وعلى المقلب الآخر يبرز السؤال: بماذا نشغل عقول أطفالنا وشبابنا؟ وما هي العقيدة الوطنية الإنتاجية التي نبرمج عليها الأجيال؟ ما هي خططنا، وكيف نعد أنفسنا لمواجهة هذا التسونامي الاستعماري؟
لعلنا تأخرنا في إعداد خطط قصيرة وبعيدة المدى، لمواجهة المستعمرين، واعتمدنا ردود الأفعال التي تنتهي سريعاً، بعد التسليم بالأمر الواقع الذي تفرضه بساطير الاحتلال وبنادقه. وأحياناً يصبح الوقوف موقف المتفرج هو الوصفة الأسهل للتقهقر والتراجع عن الأرض، وصفة للانتحار والتلاشي.
الأرض هي المحور، ومن الأرض تنبثق معاني البقاء، ومن ذرات ترابها تُبنى الخطط القريبة والبعيدة. فأما القريبة منها، تبدأ بالبقاء في الأرض، والانتقال من الفردانية في العمل، إلى العمل الجمعي والتواجد والدفاع الجماعي عن الأرض. وأولى خطوات ذلك تبدأ بجعل الأرض مُنتجة، قادرة على حمل أعباء صاحبها ومشاركته متطلبات الحياة. ولأن أراضينا المستهدفة، التي يجري قضمها وسرقتها والسيطرة عليها بالقوة، تعتمد أساسا على أنماط الزراعة البعلية المعتمدة على مياه الأمطار، فإن جُل جهدنا، فلاحين وتعاونيات، مؤسسات ووزارات، يجب أن يتركز على هذه الأراضي والدفاع عنها وحمايتها؛ وبالتالي فإن العمل الزراعي والمشاريع يجب أن تتجه لهذا النوع من الزراعة - الزراعة المطرية أو المسماة "الزراعة البعلية"، من خلال العمل الجماعي، لمواجهة المستعمِرين وحماية الأرض أساساً، ولتعظيم نتائج العمل أيضا.

مزرعة فلسطينية نموذجية تمتاز بالتنوع الانتاجي الغذائي السيادي
وكي تبدأ العملية، حيث أننا على أبوب موسم الأمطار، لا بد من توفير البذور البلدية والتقاوي والبصل والثوم للفلاحين الذين يحتاجونها بقوة للزراعة في هذا الوقت. وبالتأكيد، لا يعتبر ذلك مكلفاً بالنسبة للمؤسسات والجمعيات؛ فما يُصرف على ورشة عمل أو مؤتمر هنا أو هناك، أو ما يُصرف على مشروع استعراضي لا يسمن من جوع، يمكن أن يكفي تزويد قرية بكل ما تحتاج من بذور وتقاوي. وما يصرف على دونم واحد في مشاهدات زراعية، تنتهي بانتهاء المشروع، يمكن أن يكفي لعشرات الدونمات التي تحتاج فقط لسياج حماية كي تصبح منتجة. البذور المحلية والبلدية تحديدا، التي يستطيع الفلاح إعادة إنتاجها في كل موسم، ليزرعها في الموسم الذي يليه، هي ركيزة أساسية من ركائز السيادة الغذائية. توفير البذور للفلاحين ضرورة، لتمكينهم من بدء الزراعة واستدامتها في الحقول والبقاء فيها والدفاع عنها.
ولأن نجاح هذه الزراعة يعتمد بدايةً على مقدار ما تحتفظ به التربة من مياه الأمطار، فإن الأولوية تكمن في إرشاد الفلاحين إلى الأساليب البسيطة غير المكلفة لحفظ مياه الأمطار في التربة وجعلها في مركز الاهتمام، تماماً كما هو تعليمهم الأساليب البديلة لما هو متبع وسائد في الزراعة الحالية، والتوجيه نحو الفلاحة المعتمدة على الذات بالموارد ومدخلات الإنتاج المحلية.
إلى جانب ذلك، هناك عشرات الينابيع التي تذهب مياهها هدراً، فتتدفق مياهها إلى الأودية دون فائدة حتى بداية الصيف، حين نحتاجها للري. يمكن الاستفادة من هذه المياه بزيادة السعة التخزينية في الأراضي القريبة من هذه الينابيع. توفير المياه والاستفادة القصوى من مياه الأمطار، بتخزينها المباشر في التربة، وحفظ الرطوبة داخلها لأطول فترة ممكنة، يجب أن يكون أولى الأولويات؛ فالمياه أولاً، ومنها تبدأ حكاية الحفاظ على الأرض وإنتاج الغذاء، لأن الماء هو ما يُمَكِّن الفلاح من الإنتاج، وهو ما يدفع الفلاحين للاهتمام بأرضهم، ومن يهتم بأرضه سيدافع عنها أمام طغاة العصر.
وحيث أن الصيف يمر بلا أمطار، ولأننا نعاني شح المياه صيفا، فإننا إلى جانب الأعمال اللازمة لحفظ المياه في التربة والإبقاء على رطوبتها لأطول فترة ممكنة، نحتاج أيضا لاختيار المحاصيل التي تتناسب مع هذه الظروف، تماماً كما أبدع أسلافنا في التعاطي مع الجفاف، فزرعوا الصبر واللوز، والسمسم والحمص، والخضار البلدية البعلية كالبندورة والبامية، واللوبيا والفقوس والكوسا البلدية، باعتبارها محاصيل صيفية تنمو وتزدهر في ظروف الجفاف الصيفي، بينما الشتاء هو فصل زراعة البصل والثوم والبطاطا والقمح والشعير والفول والبازيلاء.

العمل الجماعي في الأرض
الأرض بحاجة للحب والانتماء
شتاؤنا القادم سيكون ساخناً في المواجهة مع المحتل ومستوطنيه، والأرض بحاجة لمن يجاورها بحب وانتماء، لمن يلامس تربتها التي بات الكثيرون، بقصر نظرهم، يسعون لتغييبها، وآخرون بجهلهم يعملون على تخريبها. وبذلك، كما يقول منير فاشة "أصبحت التربة إما مُخَربة أو مُغيبة"، قاصداً التربة الثقافية، لكن حقيقة الأمر أن تراب بلادنا بات مهدداً بالتخريب والتغييب، التخريب بما نلقي عليه من سموم، والتغييب بما تأتي به بعض الجهات من برامج استعراضية تروج للزراعات المائية التي ترسخ في العقول أن محدودية الأراضي تدعونا لتكثيف الإنتاج، وبأن نقص مياه الأمطار يحتم علينا إدخال الزراعة المائية لتوفير المياه! أليس هذا تضليلٌ مقصود أو غبي أو قصير النظر لإبعاد الناس عن التفكير بالمصدر الكبير والمجاني للمياه- الأمطار؟ أليس هذا حرفٌ للوعي لإبعاد الناس عن الأرض التي تغلي تحتها مواقد المستعمرين؟ إن تكلفة مشروع استعراضي واحد من مشاريع الزراعة المائية بمساحة مئتي متر مربع، يمكن أن تساعد عشرة فلاحين لزراعة خمسين دونماً بالمحاصيل الاستراتيجية الحقيقية التي نحتاجها لنبقى صامدين. إن كل المشاريع المائية الاستعراضية لا يمكنها أن تدفع طفلاً لحب الأرض والانتماء لها ثم الدفاع عنها. ويقول آخرون: لكن ماذا يفعل الناس في المدن؟ لماذا لا يلجأوا للزراعة المائية لزراعة عشر شتلات خس في ماسورة زراعة عمودية؟ فليزرعوا في المدينة على الشرفات ما يشاءون وكيفما يشاءون بما يلبي هواياتهم، لكن هذه لا تحتاج لتدخلات "تنموية" ولا مشاريع "ريادية" من مؤسسات الزراعة والتنمية. من يريد دعم الزراعة ودفع عجلة الإنتاج الزراعي تكون وجهته الأرض وليس "أنابيب مثقوبة" لزراعة مائية. من يريد المساهمة في الحفاظ على الأرض ومواجهة المستعمِرين يوجه برامجه للأرض، للحقول وليس لشرفات المدينة. شرفات المدينة وأسطح بناياتها لا تحتاج لتدخلات "تنموية"، فهي مساحة للهواة، متابعي الفيسبوك واليوتيوب والتِك توك.
لقد فقد سكان الريف من أبناء الفلاحين المعرفة الزراعية وأسس الحياة الفلاحية. فقدوا البذور البلدية والعلاقة بالأرض لأنهم ما عادوا يعرفونها؛ فكيف لمن لا يعرف الأرض أن يدافع عنها؟ بات أهل الريف بأمس الحاجة للعودة إلى الجذور، لتعلم الفلاحة، وليس أية فلاحة، بل تلك التي تعتمد على موارد الطبيعة والموارد المحلية، بأسس علمية عميقة.
بات أهل الريف بحاجة لوسائل جماعية تحمي حقولهم من الحيوانات البرية، وللبذور البلدية وتعلم كيفية إعادة إنتاجها وحفظها، ولتعلم كيفية الاستفادة القصوى من الأرض، كي تصبح مصدراً مجدياً لإنتاج الغذاء وتوليد الدخل. هذا سيكون الإبداع التنموي الحقيقي لمؤسسات التنمية الأهلية والحكومية على حدٍ سواء. وعندئذ سنرجع إلى السير في جبالنا وحقولنا، ونستمتع بقطف الفول الأخضر واللوز، والبازيلاء والفقوس، والتين والعنب، وعمل الفريكة في رفقة الزيتون. أما مشاريع الاستعراض، وبلغة الممول، صاحب برنامج حرف الوعي وتحريف التنمية نحو مشاريع ألـ Show، فلن تصنع من أبناء الفلاحين مدافعين عن الأرض ولن تكون لنا عوناً لعبور شتائنا الساخن مع المستعمِر.

مستوطن واحد يستولي على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية بقطيع من الأبقار