في قلب سهل البقيعة، ثالث السهول في فلسطين من حيث المساحة، والتي تُقدّر بنحو 98 ألف دونم، تمتد شرق بلدة طمون في محافظة طوباس، حيث تفترشها الخضرة على مدّ البصر وتتنفس الأرض عبق التاريخ، إلا أن التربة الفلسطينية أضحت عرضة لجولة جديدة من النهب المنظّم. فقد شرع المستوطنون أخيرًا يسيّجون مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة تجاوزت ألف دونم، تعود ملكيتها لعائلات من بلدة طمون ورثت حقها في الأرض أبًا عن جدّ، وموثقة بأوراق طابو رسمية.
مستوطنون نهبوا أكثر من ألف دونم من الأراضي الخاصة بالفلسطينيين في سهل البقيعه بالأغوار الشمالية وأغلقوها بالأسيجة
في قلب سهل البقيعة، ثالث السهول في فلسطين من حيث المساحة، والتي تُقدّر بنحو 98 ألف دونم، تمتد شرق بلدة طمون في محافظة طوباس، حيث تفترشها الخضرة على مدّ البصر وتتنفس الأرض عبق التاريخ، إلا أن التربة الفلسطينية أضحت عرضة لجولة جديدة من النهب المنظّم.
فقد شرع المستوطنون أخيرًا يسيّجون مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة تجاوزت ألف دونم، تعود ملكيتها لعائلات من بلدة طمون ورثت حقها في الأرض أبًا عن جدّ، وموثقة بأوراق طابو رسمية.
وأمام هذا التمدد الاستيطاني الصامت، أعلنت جمعية "إيخيليا الأغوار"، بالتنسيق مع بلدية طمون وعدد من المؤسسات الحقوقية والبيئية، بدء سلسلة من الإجراءات القانونية والميدانية لوقف هذا الزحف ومساءلة القائمين عليه، في محاولة لحماية ما تبقّى من روح الأغوار وسهولها الندية.
من هذه الأراضي، المقدرة مساحتها بأكثر من ألف دونم، هناك نحو 95 دونمًا كان يزرعها خير الله بني عودة "أبو جهاد" منذ أكثر من عقدين.
يقول هذا المزارع بأسى وهو يتأمل السهل الذي كان حتى وقت قريب مصدر رزقه ومتنفس عائلته: "تحوّلت الأرض بين ليلة وضحاها إلى منطقة مغلقة، محاطة بأسلاك معدنية وممنوع الاقتراب منها."
ويضيف وهو يمرّر يده على التراب الذي لم يعد قادرًا على حرثه:"من بين الألف دونم، هناك ثلاث قطع باسم والدي بمساحة تقارب 95 دونمًا، كنت أزرعها منذ عام 2001 حتى 2023 بالقمح والشعير، فهي أرض خصبة ويحبها المطر، كنا ننظفها من الحجارة، ونسمدّها بالزبل البلدي، ونعيش من خيرها."
ويواصل حديثه: "هذا الموسم لم يكن كسابقيه؛ فالمستوطنون الذين كانوا يرعون أغنامهم في أرضنا دون رادع، عادوا هذه المرة ومعهم سياج معدني أحاطوا به الأرض ومنعوا أصحابها من الاقتراب، وبدأت ملامح الخطر تظهر حين صار المستوطنون يدخلون المنطقة ويرعون أغنامهم داخل الأراضي المزروعة، هذا الموسم لم نعد قادرين على الاقتراب من أراضينا، لأنهم سيّجوها كلها وجعلوها كأنها ملكهم."
مستوطنون أثناء تسييجهم أكثر من ألف دونم من سهل البقيعه في الأغوار الشمالية
كانتالأرضحياةكاملة
يشير أبو جهاد إلى أنه كان يحصد من الأرض كمية تتفاوت من 2000 إلى 3000 بالة قش في الموسم، وكانت الأغنام ترعى فيها نحو شهرين أو ثلاثة، وهي تشكّل مصدر رزق للعائلة، معقبًا بحسرة: "لكن بعد مضايقات المستوطنين والتسييج، خسرنا كل شيء من القش والرعي وحتى الشعور بالأمان."
وحين سُئل عن المشهد في الآونة الأخيرة، أجاب بصوت مبحوح: "كل شيء تغيّر. صار في خوف وتعب كثير، إذا بدنا نحرث الأرض لازم تحضر الشرطة الإسرائيلية ونخاطر بحياتنا، صارت الزراعة هنا مغامرة."
ويضيف: "لم يكتفِ المستوطن بالتسييج، بل انكبَّ على تنفيذ أعمال حفر باستخدام الجرافات لمدة ثلاثة أيام متواصلة، ويبدو أنه يجهز لزرعها أو لإقامة مشروع جديد، نحن نراها تُغتصب أمام أعيننا، ولا أحد يردعه."
ويتابع: "هم يعملون في وضح النهار، ونحن أصحاب الأرض نقف خلف الأسوار بلا حول ولا قوة."
وحسب حديثه، فقد أُبلغت الجهات الرسمية في محافظة طوباس والمجلس القروي في عاطوف والارتباط، مؤكّدًا أن "المزارع الفلسطيني وحده لا يستطيع مواجهة هذا التوحش الاستيطاني".
"صِف لنا مشاعرك وأنت ترى أرضك تُحاصر بالأسلاك؟"، تنهد طويلًا ثم أجاب: "شعور لا يوصف.. هاي أرض تعبنا فيها، زرعناها وسقيناها بعرقنا، والآن نشوفها تُسرق قدام عيوننا.. بتحس حالك عاجز، لا في إيدك عصا ولا في ظهرك ظهر."
ومع كل هذا القهر يحاول أبو جهاد ألا يفقد صبره، مبينًا: "ما بنملك إلا الصبر والثبات، الأرض ما بتنسى أصحابها، وإذا اليوم سيّجوها، بكرة لازم نرجع نزرعها، اللي بيترك أرضه بيخسر حاله قبل ما يخسر ترابه."
بلديةطمون: القضيةفييدالجهاتالرسمية
بدوره، يؤكد سمير بشارات، رئيس بلدية طمون، أن الأراضي المسَيّجة تعود ملكيتها لعشرات العائلات من البلدة، وهي موثقة رسميًا.
ويخبر مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" بقوله: "زوّدنا محافظة طوباس بكل المعلومات القانونية عن الأراضي، بما في ذلك أسماء المالكين وأرقام القطع والأحواض، لتتابع الملف مع الجهات القانونية والرسمية."
ويذكر أن عدد المتضررين من التسييج يتجاوز 50 عائلة، معظمهم من المزارعين ومربي الثروة الحيوانية الذين فقدوا مصدر رزقهم الرئيس، لافتًا إلى أن هذه الأراضي من أخصب مناطق الأغوار، وكانت تُزرع بالقمح والشعير، واليوم أصبحت محرّمة عليهم.
"سهل البقيعة يُعدّ خزانًا غذائيًا لفلسطين، وتُزرع فيه محاصيل القمح والشعير، ويعتمد عليه مربّو الثروة الحيوانية في الرعي والإنتاج" يقول بشارات.
ويعرب عن أسفه لخسارة أكثر من 60 ألف دونم شرق البلدة بين مصادرة ومنع وصول، حيث لم يعد أصحابها قادرين على زراعتها، ما يعني خسارة بيئية وزراعية هائلة، تبعاً لقوله.
ويحذر رئيس البلدية من أن "أراضينا تُحاصر بالتدريج، والمشهد البيئي في الأغوار يختنق يومًا بعد يوم".
عربدة المستوطنين ونهبهم للأراضي الفلسطينية في منطقة البقيعة بالأغوار الشمالية لا يوجد من يردعها
انعكاساتبيئيةوزراعيةخطِرة
من هذه الأرض التي لا ينفك المستوطنون عن نهبها، وُلدت جمعية "إيخيليا الأغوار"، وهي مؤسسة أهلية ناشئة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، صوتًا في وجه الطغيان، لتعمل على توثيق الانتهاكات ومتابعة القضايا قانونيًا، رغم إدراكها أن القانون الإسرائيلي منحاز بطبيعته للمحتل.
ويشدد أيمن غريب ممثل الجمعية على أن الاعتداءات الأخيرة على السهل تأتي ضمن مخطط استيطاني قديم جديد، يستهدف تحويل سهل البقيعة إلى منطقة نفوذ استيطاني مغلقة.
ويروي غريب تفاصيل المواجهة اليومية بين الصبر الفلسطيني والنهب الإسرائيلي: "معركتنا ليست بالسلاح، بل بالوثائق والطابو والكاميرا، وبالإصرار على أن تبقى جذور الفلسطيني في الأرض مهما امتدت أسلاك الاحتلال".
ويختصر المشهد: "ما بعد السابع من أكتوبر 2023، بدأ المستوطنون يعودون إلى المنطقة بقوة، ترافقهم حماية كاملة من جيش الاحتلال، حيث سيّجوا مساحات واسعة كانت تُزرع بالقمح والشعير وتُستخدم مراعيَ للمواشي، ومنعوا المزارعين من الوصول إليها نهائيًا."
ويؤكد أن الجمعية تتابع ملف تسييج أكثر من ألف دونم في سهل البقيعة على المستويين القانوني والميداني، بالتنسيق مع بلدية طمون والمؤسسات الأهلية، واصفًا ما يجري بأنه "مصادرة ناعمة وممنهجة"، لا تُعلن رسميًا لكنها تُفرض بالقوة بواسطة التسييج والتهديد وإغلاق الطرق.
"هذه الأراضي ليست أراضي دولة كما يدّعي الاحتلال، بل أراضيَ موثقة بأوراق ملكية و"طابوهات" قانونية تعود لعائلات طمونية معروفة."
ولا يتحدث غريب هنا باعتباره ناشطًا حقوقيًا فحسب، بل فلاحًا يعرف تراب الأرض ويحفظ أسماء الوديان والينابيع عن ظهر قلب، فيرى سهل البقيعة العمق الاقتصادي لأهالي طمون وأملهم التاريخي، ويؤمن أن الدفاع عنه ليس قضية حدود أو خرائط، بل قضية بقاء وهوية.
وعن الدور الذي تلعبه الجمعية في هذا الصدد، يوضح: "نعمل على حصر كل قطعة أرض متضررة، وتجميع الأوراق الثبوتية والطابو، وتوكيل محامين فلسطينيين لمتابعة الملف في المحاكم. الاحتلال يحاول فرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية، ونحن نواجه هذا المشروع بالمعلومة والصورة والحق القانوني."
ويحذر غريب من مغبة تدهور التنوع الحيوي في السهل بسبب تسييج هذه المساحات الواسعة، مبدياً قلقه لكون هذه الأراضي كانت تشكّل نظامًا بيئيًا غنيًا بالمراعي والنباتات البرية، ومع إغلاقها أمام الرعاة والمزارعين ستفقد الطبيعة توازنها، فضلاً عن تأثر التربة من جراء توقف الدورة الزراعية التي حافظت على خصوبتها لعقود.
إذن، ما يحدث في سهل البقيعة ليس مجرد سرقة لأرض، بل سرقة لصوت الأرض نفسها، فكل سياج يُقام هناك يعني بئرًا تُغلق، ومصدر رزق يُقطع، وقطعة من المشهد الطبيعي الفلسطيني تُمحى لصالح مستوطنة جديدة، لكن رغم الحديد والجنزير، يبقى الفلاح الفلسطيني متمسكًا بورقة الطابو كما يتمسك بالفأس.
ويختم ممثل الجمعية حديثه بحرقة، قائلًا: "منذ عام 1967 يحاول الاحتلال إحكام قبضته على هذا السهل الغني بالمياه، والمُصنف في معظمه مناطق "ج"، أي خاضعة للسيطرة الإدارية والعسكرية الإسرائيلية. ومع كل موسم مطر، يهبّ أهالي طمون وطوباس نحو أراضيهم، يحرثونها بالأمل ويسقونها بدم القلوب. لكن المشهد ازداد قتامةً بعد السابع من أكتوبر، حين استولى المستوطنون مجددًا على مساحات جديدة من الأرض، يقيمون الكرفانات ويرعون ماشيتهم فوق مزارع الفلسطينيين."
وبينوثيقةالطابوالتيتحفظالذاكرةوخطالأسلاكالذييرسمالقهر،يواصلأبناءطمونوجمعية "إيخيليا" وبلديةطمونوغيرهامنالمؤسساتجمعالوثائقوشهادات الطابوورفعالقضاياوتوثيقكلاعتداء،ليثبتواللعالمأنالاحتلاللايكتفيبسرقةالأرض،بليسرقالحلموالمستقبل، فصراعنامعالاحتلالهوصراعوجود، وكلسياجنزيله بمثابة انتصار،وكلقضيةنرفعهاوعدبأنناباقون.