خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
90% من المزارعين في قطاع الزيتون فقدوا مصدر رزقهم، ومثلهم من العاملين في ملحقات هذا العمل. كان في قطاع غزة 50 ألف دونم، زُرع فيها مليونا شجرة زيتون، لم يبقَ منها الآن سوى 4500 دونم تحوي 150 ألف شجرة فقط. قبل الحرب، كان الزيتون يمثل 55% من الأحزمة الشجرية في القطاع و27% من مساحة الإنتاج النباتي، ومن هذه المساحة يجني القطاع 40 ألف طن من الزيتون، 5 آلاف منها تذهب للتخليل، والكمية الباقية تُعصر لإنتاج نحو 5 آلاف طن من زيت الزيتون. وبعدما كان الإنتاج يمنح القطاع اكتفاء ذاتيًا، وتفيض كميات منه للتصدير، فإن الفجوة اليوم كبيرة تصل إلى 92%، أي أن الناتج 8% فقط من احتياج السكان، إذ المُتوقع من الموسم الأخير ثلاثة آلاف طن من الزيتون، سيُخلّل ألفٌ منها ويُعصر 2000، ما يعني 450 طنًا من الزيت.
|
 |
| طفل وعمال غزيون يفرزون ويصنفون الزيتون بكميات شحيحة جدا إثر الحرب الإسرائيلية التي أبادت معظم الأراضي الزراعية وحقول الزيتون |
تمتد جذور أشجار الزيتون في أعماق الأرض، تعيش طويلًا، وإن قُطعت تنبت من جديد، كالفلسطيني تمامًا الذي يقاوم الاجتثاث، وها هو في قطاع غزة يتشبث بأرضه وبزيتونه رغم كل ما حلّ به.
الإبادة المستمرة منذ أكثر من عامين قضت على ما يربو عن 90% من المساحة الزراعية في القطاع، وكان مما تضرر الزيتون، الذي يحين موسمه هذا العام والاحتلال ما يزال يمعن قتلًا وتدميرًا، ما أثّر على الإنتاج، وعلى طقوس الموسم، فأصحاب أشجار الزيتون القليلة الباقية تغيّرت طقوس بعضهم في التعامل مع الأشجار والمحصول، وينسحب هذا التغيير على علاقة كثير من الغزيين مع الزيتون في موسمه.
استعدنا الطقوس ولكن...
يتحدث محمود عليان عن أشجار الزيتون في أرضه الصغيرة، قائلاً: "بصعوبة ادخرت من دخلي المتواضع لأشتري قطعة أرض علّها تنفعني في المستقبل، زرعت في ثلثي مساحتها أشجار زيتون".
ويضيف عليان: "استمتعت بسبعة مواسم زيتون قبل الحرب، كنت أعتبرها إجازة سنوية أتخلص فيها من الضغوط، فأقضي أيامًا مع أسرتي في الأرض، نجني المحصول، ونقسّمه، جزء للعائلة، وآخر لبعض الأقارب والمعارف، الباقي للبيع، ولا أنسى عصر كميات منه تكفيني حتى الموسم التالي".
ومن حسن حظ عليان أنه عاش هذه الأجواء قُبيل الحرب مباشرة، فاستفاد من الزيتون، بخلاف كُثر باغتهم العدوان قبل جنى ثمارهم ولم يتمكنوا من فعل ذلك.
رفض الرجل النزوح من غزة، فكان الوصول للأرض الواقعة في المحافظة الوسطى مستحيلًا، لذا اتفقَ مع شخص على حراستها ورعاية أشجارها، ومع حلول الموسم العام الماضي، تبيّن أن الحارس لم يكن أمينًا، فأخذ أغلب المحصول مدعيًا تلف الأشجار.
يوضح: "لم أتمكن من حماية أرضي، ولا من الاستفادة من ثمارها بينما كنا نعيش المجاعة، عدا عن عائد البيع".
ويمضي في حديثه بالقول: "كانت الثمار تحقق لي دخلاً سنويًا، لم يكن كبيرًا، لكنه مجديًا، إذ كنت أخصصه لشيء محدد كل عام، كتجديد البيت، أو شراء بعض الاحتياجات التي لا يكفي راتبي الشهري لتوفيرها".
الهدنة القصيرة التي اخترقها الاحتلال مطلع العام الحالي، عدّها فرصة ليرعى عليان ثماره من جديد، وحتى بعد تجدد الحرب كان يتردد على الأرض باستمرار، فتمكن من إنقاذ أشجاره بعدما أنهكها غياب الاهتمام.
ومع موجة النزوح الأخيرة اضطر لمغادرة غزة، فنزح إلى أرضه، واستعاد ذكريات المواسم السابقة، لكن "بلا طعم" على حد وصفه.
يقول: "أسكن بين الأشجار التي أحببتها على مدار سنوات، عشت مع أسرتي موسم الزيتون كما في السابق، لكن لم نشعر بالسعادة كما في المواسم السابقة، فقد تركنا في غزة بيتنا وحياتنا وذكرياتنا، والضغوط أكبر من أن نتحرر منها".

مراسم بدء موسم قطف الزيتون في دير البلح قبل أكتوبر 2023
بين الشمال والجنوب
نجلاء ياسين تجرّعت مرارة النزوح أول مرة، فقررت ألا تكرر التجربة مهما اشتد عدوان الاحتلال على غزة.
تحكي لمراسلة "آفاق": "نزحت بداية الحرب مع أسرتي إلى أرض يملكها زوجي في خان يونس، واستضفنا أقارب ومعارف زاد عددهم على مئة".
وتضيف: "نصب الخيام بين الأشجار، والعدد الكبير، ووجود أطفال في المكان، كلها عوامل تسببت في ضرر للأشجار، مثل كسر أغصان بعضها، لكن وجودنا في الأرض مكننا من السيطرة على الوضع، فلم تكن خسارتنا فادحة".
وتواصل حديثها: "بعد عودتنا لغزة في شباط/ فبراير الماضي، بقي بعض النازحين في الأرض، ونزح إليها آخرون أخيرًا، ما أثار مخاوفنا من تضرر الزيتون بينما نحن في أمسّ الحاجة لعائده المادي".
اتخذت نجلاء قرارًا بالغ الصعوبة، إذ أرسلت أحد أبنائها للإقامة في الأرض، بينما بقيت هي في غزة.
توضح: "الفراق في مثل هذه الظروف صعب جدًا، خِفت على ابني كثيرًا، وخشيت أن يطول البعد، لكن الحرب أرهقتنا ماديًا، وكان عليّ أن أتخذ هذا القرار الصعب"، مبينة: "لم أتخيل أبدًا أن اتفاق وقف إطلاق النار سيتم وسنجتمع بهذه السرعة".
تجربةٌ لم نعِشها
في المحافظة الوسطى، كان خالد عبد العال يستعد لخوض تجربته الأولى مع الزيتون، إذ اشترى قبل ثلاثة شهور أرضًا فيها 20 شجرة، لكن الخطة لم تكتمل.
يوميًا، أخذ يتردد مع أبنائه على الأرض القريبة من بيته، يستكشفون الأشجار الجديدة لديهم، ويخططون ليوم "جدّ الزيتون" الذي كانوا يسمعون عنه، لكن بعد شهر واحد تقريبًا، بدأت موجة النزوح الحالية، فلم يجد بُدًّا من استضافة اثنين من أصدقائه في الأرض.
يقول عبد العال: "نصبَ صديقاي خيمتين كبيرتين لأسرتيهما، وأسسا دورتي مياه، وبقية المساحة الفارغة من الأرض خصصاها لإشعال نار الحطب وتخزين مقتنياتهم"، مضيفًا: "لم يعد بإمكاني زيارة أرضي في أي وقت، مراعاة لخصوصية ساكنيها، خاصة أن أغلبهم نساء".
ويتابع: "لم أنفذ شيئًا مما خططت له مع أسرتي، كنا سنعيش ما نسمعه عن طقوس الموسم، لكن ما حدث أنني جنيت الثمار مع أبنائي الذكور بمساعدة صديقيَّ وأبنائهما".

معصرة زيتون في مواصي خانيونس-جنوب قطاع غزة- تعمل بصعوبة وتبرز أن بعض المنشآت الزراعية لا تزال تحاول معالجة الإنتاج رغم الدمار المرعب وشح الماء وقطع الطرق وقيود الحركة
حتى من لا أشجار له
لا تملك إيمان خضر أرضًا ولا زيتونًا، لكنها تعودت على شراء كميات كبيرة في كل موسم، تُخلّلها وتوزع منها على أبنائها وأحفادها، وتشتري زيت زيتون يكفيها عامًا كاملًا.
توضح أنها لم تفعل ذلك منذ أكتوبر 2023، إذ كانت تبحث عن زيتون ذي جودة عالية في الأيام التي سبقت اندلاع الحرب، وفي اليوم الثاني منها خرجت من بيتها بلا رجعة.
في بداية الحرب، لم تجد إيمان وقتًا للتفكير في أمر الزيتون، وفي الموسم السابق اشترت كمية قليلة جدًا، وهو ما كررته هذا العام.
وبصوت محبط تشرح لنا: "انعدام الاستقرار حالَ دون شراء كميات كبيرة، فإن خزّنتُ زيتونًا، من يضمن لي الاستفادة منه؟ هل سأبقى في المكان نفسه عامًا كاملاً؟"، لافتة إلى أن ارتفاع الأسعار ساهم في منعها من ممارسة عادتها، إضافة إلى عدم توفر ما يكفي من الأواني والعلب للتخزين.
التجربة الأولى
بخلاف كل السابقين، عاشت حنين الحلو أجواء "جدّ الزيتون" للمرة الأولى في حياتها، بعدما تمنتها كثيرًا ولم تكن تعرف كيف تفعلها.
تقول: "في المرحلة الإعدادية سمعت حديث ثلاث زميلات في المدرسة عن جني ثمار الزيتون في أراضٍ يملكها آباؤهم، فأعجبني الأمر، وتمنيت تجربته، وفي كل موسم تتجدد الأمنية"، مضيفة: "لم يكن في دائرة العلاقات القريبة أشخاص يملكون أشجار زيتون، فلم تتحقق الأمنية".
في النزوح الأخير، استأجر والد حنين أرضًا لينصب خيمة فيها، فابتهجت حين رأت أشجار الزيتون الكثيفة تملأ المكان.
بدا الحماس في صوتها هنا: "حين جاء أصحاب الأرض لجني الثمار، طلبت منهم المشاركة، فرحبوا بي، وتولت جدتهم المهمة، لم تترك شيئًا إلا عرّفته لي، علمتني كيف ألتقط الزيتون، حتى أنها علمتني طريقتها في تخليله".
ومع السعادة الكبيرة التي انتابتها، إلا أنها لم تشعر بالمتعة التي انتظرتها لسنوات، على حد قولها، مفسرة: "الأجواء تفوق الوصف بجمالها، لكن مرارة النزوح أكبر".
واقع الزيتون بعد سنتين
يقول المهندس محمد أبو عودة، المتحدث باسم وزارة الزراعة، إن الزيتون يمثل المحصول الإستراتيجي الأول على مستوى الوطن، وموسمه بمثابة عرس وطني تشارك فيه كل أطياف الشعب وتمارس طقوسًا خاصة به.
ويضيف: "فقدنا هذه المظاهر، وفقدنا كل ما يتعلق بالموسم بسبب الحرب، والأمر لا يتوقف عند العائلات المالكة للزيتون، وإنما يمتد ليشمل العمالة، من مزارعين وعاملين في الصناعات المتعلقة به، هؤلاء لم يخسروا الطقوس فقط، وإنما مصدر رزقهم".
ويشير إلى أن 90% من المزارعين في قطاع الزيتون فقدوا مصدر رزقهم، ومثلهم من العاملين في ملحقات هذا العمل.
"ما تبّقى من أشجار الزيتون تكالبت عليه ظروف الحرب الصعبة، فأثرت سلبًا على جودته وكمية محصوله، ومن ذلك نزوح المزارعين القسري واضطرارهم لترك أشجارهم دون رعاية، كما أن نزوح الناس لأراضي الزيتون ونصب الخيام بين الأشجار يزيد فرص تضررها، ناهيك من توجه بعضٍ لقطع أخشابها لاستخدامها في الطهي" يوضح أبو عودة.
ويعزي أسباب ارتفاع تكاليف رعاية الزيتون إلى عدة أسباب، منها ارتفاع تكلفة الري، ومنع الاحتلال إدخال المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والبذور والمبيدات، ما أدى لرفع أسعار الموجود منها في القطاع، وهي كلها منتجات ذات جودة منخفضة بسبب تخزينها في ظروف سيئة جراء الحرب، ولقِدمها كونها مُستوردة قبل الحرب.
ومما أضرّ المحصول كثيرًا، وفق أبو عودة، التلوث الذي أحدثته الحرب، فكمية المتفجرات الكبيرة التي ألقاها الاحتلال على القطاع أثرت سلبًا على جودة الأشجار.
ويلفت إلى أن أشجار الزيتون في محافظات غزة والشمال ورفح دُمِّرَت كاملة تقريبًا، والكميات الباقية تتركز في المناطق الغربية من مواصي خان يونس والمحافظة الوسطى.
ولتوضيح الكارثة التي حلّت بقطاع الزيتون، يقارن أبو عودة وضعه الحالي بما كان عليه قبل الحرب بالأرقام، حين كان في قطاع غزة 50 ألف دونم، زُرع فيها مليونا شجرة زيتون، لم يبقَ منها الآن سوى 4500 دونم تحوي 150 ألف شجرة فقط.
قبل الحرب، كان الزيتون يمثل 55% من الأحزمة الشجرية في القطاع و27% من مساحة الإنتاج النباتي، ومن هذه المساحة يجني القطاع 40 ألف طن من الزيتون، 5 آلاف منها تذهب للتخليل، والكمية الباقية تُعصر لإنتاج نحو 5 آلاف طن من زيت الزيتون.
وبعدما كان الإنتاج يمنح القطاع اكتفاء ذاتيًا، وتفيض كميات منه للتصدير، فإن الفجوة اليوم كبيرة تصل إلى 92%، أي أن الناتج 8% فقط من احتياج السكان، إذ المُتوقع من الموسم الأخير ثلاثة آلاف طن من الزيتون، ستُخلل ألف منها ويُعصر 2000، ما يعني 450 طنًا من الزيت.
وعن الخسائر التي سبّبها هذا الواقع، يذكر أبو عودة أن عددًا يتفاوت من ست إلى سبع معاصر زيتون فقط تعمل في القطاع من أصل 40 معصرة كانت موجودة قبل الحرب، وثلاثة مصانع تخليل تبقت من 14 مصنعًا كانت موجودة في السابق، وبطبيعة الحال انتهى التصدير تمامًا.
عادة، قبل الحرب تنشط النساء في موسم الزيتون، عشر وحدات نسوية تصنيعية كانت تعمل في الصناعات الزيتونية مثل التخليل، انتهت جميعها. المزارعات والعاملات في هذا القطاع التصنيعي لا يزيد عددهن حاليًا على 250، بعدما كان ثلاثة آلاف.
أما المزارعون البالغ عددهم 7000، فالعاملون منهم الآن 600، والعمالة الموسمية لا تتعدى ألفي عامل، بعد أن كانت تصل لـ 20 ألفًا قبل الحرب.
وأخيراً، حسب حديث أبو عودة، هذا التراجع الحاد أثّر على الأسعار، فسعر الكيلو الواحد من الزيتون الذي كان خمسة شواكل قبل الحرب يصل اليوم إلى 30 شيكلاً، وسعر "تنكة" زيت الزيتون ارتفع من 500 شيكل إلى 2000.