خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
زوارق الاحتلال لا تكف عن مهاجمة قوارب الصيادين البدائية، ويحدث ذلك في المناطق الآمنة للنازحين، ما أدّى إلى استشهاد عدة صيادين وإصابة آخرين، عقب ملاحقتهم بعيارات نارية من الطراد الإسرائيلي. وتقول نقابة الصيادين في قطاع غزة: "تستمر هجمات الزوارق البحرية الاسرائيلية في الحرب، مستهدفة الصيادين الذين ينزلون إلى البحر بحسكات المجداف للبحث عن أرزاقهم، بعد أن دمر الاحتلال غالبية مراكب قطاع غزه التي تعمل بمحركات". ومن جهة أخرى، دمّر الاحتلال البنى التحتية لقطاع الصيد من موانئ وأماكن الصيد والتسويق ومقرات الصيادين، إضافة إلى تدمير مقر الإدارة العامة للثروة السمكية التي تتبع وزارة الزراعة. وحسب الإحصاءات اُستشهد أكثر من 150 صياداً، منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر العام الماضي، فيما أصبح 5000 صياد عاطلين عن العمل، وتقدر خسائر قطاع الصيد بما يزيد على 60 مليون دولار.
|
 |
| وضع صيادي قطاع غزة بعد العدوان يرثى له |
لا تكف زوارق الاحتلال عن مهاجمة قوارب الصيادين البدائية، ويحدث ذلك في المناطق الآمنة للنازحين، ما أدّى إلى استشهاد عدة صيادين وإصابة آخرين، عقب ملاحقتهم بعيارات نارية من الطراد الإسرائيلي.
وتقول نقابة الصيادين في قطاع غزة: "تستمر هجمات الزوارق البحرية الاسرائيلية في الحرب، مستهدفة الصيادين الذين ينزلون إلى البحر بحسكات المجداف للبحث عن أرزاقهم، بعد أن دمر الاحتلال غالبية مراكب قطاع غزه التي تعمل بمحركات".
ومن جهة أخرى، دمّر الاحتلال البنى التحتية لقطاع الصيد من موانئ وأماكن الصيد والتسويق ومقرات الصيادين، إضافة إلى تدمير مقر الإدارة العامة للثروة السمكية التي تتبع وزارة الزراعة.
وحسب الإحصاءات اُستشهد أكثر من 150 صياداً، منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر العام الماضي، فيما أصبح 5000 صياد عاطلين عن العمل، وتقدر خسائر قطاع الصيد بما يزيد على 60 مليون دولار.
حسام العبسي، واحد من صيادين كُثر نزحوا من غزة إلى جنوب القطاع، حيث يعيش معظمهم في خيام على الشاطئ بجوار حسكاتهم وشباكهم، بينما مسافة الصيد لا تتعدى كيلومترًا.
اطلعت مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" على أحوال العبسي، إذ حاول، بما تبّقى لديه من طاقة، الاستمرار في مهنة الصيد التي يعمل بها منذ خمسة وعشرين عامًا، تحديداً منذ كان في عامه الجامعي الأول، كان بإمكانه أن يعمل محاسباً، حيث تخرّج من جامعة الأزهر، إلا أن قلة فرص العمل جعلته يتعلم هذه "المصلحة" التي يحبها، كما يقول.
ومن الواضح، أن روح الريس حسام ستظل معلّقة بـ "مينا الصيادين" في غزة، وكم يحن إلى أجمل جانب في حياة الصياد، حسب رأيه، وذلك عندما كان يعود كل صباح لبيته، فيما ينتظره أطفاله بفارغ الصبر بعد غياب يوم كامل، حاملًا ما فيه من النصيب من السمك، ليتناول الفطور مع عائلته.
يبتسم بحسرة: "هذا كان أجمل ما في دنيانا، اجتماعنا على مائدة واحدة لنأكل سمكنا الطازج.. تُرى متى ستعود تلك الأيام!".
 |
 |
| الصياد الغزي حسام العبسي |
الصياد حسام العبسي يعمل على إصلاح شباكه |
مراكب يدوية تعمل بالمجداف
يبدي الريس حسام صبره واحتسابه، حين يتذكر خسارته التي منيَّ بها بعد الحرب، قائلاً: "عدنا للخلف كثيرًا، لقد فقدت كل شيء، ومن أهم ما خسرته "اللنش" وهو مركب كبير" طوله 14 مترًا، و"الحسكات" – القوارب - التي أعمل عليها مع رفاقي، وتقدر خسارتي إجمالاً بما يقارب 250 ألف دولار، والحمد لله على كل حال".
بعد الحرب، نزح العبسي مع أسرته من غزة لخانيونس ومن ثم لرفح، وفيها مكث عند صديق له مدة سبعة شهور، وكم يبدو ممتناً لمعروف ذلك الصديق، معقباً: "لقد عرّفتنا الحرب على معادن الناس، لم أشعر قط وقتها أني نازح".
لكن بعد دخول قوات الاحتلال إلى رفح ازداد الأمر سوءًا، ما اضطر الريس حسام إلى اللجوء لخيمة، يقول بحزن: "حينها فقط شعرت أني نازح رسميًا، لقد تشتتنا هنا وهناك نحو أربع مرات".
كان الصيد هو أول الأعمال التي زاولها في حياته، ويضيف في حديثه مع مراسلة "آفاق البيئة والتنمية": "حين أسترجع الذكريات أحنّ كثيرًا لتلك الأيام التي كنت فيها أرجع برزقي فرحًا بما أتاني الله بعد عناء وغياب مدة تتفاوت من 12 إلى 15 ساعة في البحر، كانت بعض الليالي في البحر صعبة جداً، ولكن ما ألبث أن أنسى كل شي مع طلوع الصباح، بمجرد أن أنجح في توفير قوت يوم أولادي".
وتمر الأيام الثقال، إلا أنها لا تنسيه شعوراً لطالما استعذب فيه مشهد دخوله إلى "مينا الصيادين"، فيما أبوه وأخوه وأصحابه ينتظرونه ليبدأوا معاً يوماً جديدًا، بعد أن أضناهم السهر جميعًا في الليلة السابقة.
(كيف تتدبر شئونك على مدار عام مضى في هذه الظروف المعيشية القاسية؟).. أسأله فينفث تنهيدة يحاول أن يخفي بها أي وهن وتعب: "حاولت أن ألجأ إلى التجارة، لكني خسرت، ثم عدت إلى الخيار الوحيد "الصيد"، وبفضل الله ساعدنا بعض الأقارب في الخارج بشراء قارب مجداف صغير".
هو لم يترك مهنة الصيد منذ الشهر الثالث للحرب، ويحتفظ بمركبه بجوار مسجد معاوية، وعن أدوات الصيد المتاحة بعد الحرب، يوضح: "ما بين اليوم والبارحة، تغيرت كل التفاصيل، قبل الحرب كنا نعتمد على "حسكة ماتور" أو بمعنى آخر، المركب الذي يعمل بالسولار، لكن في الوقت الراهن، ليس أمامنا إلا المراكب اليدوية التي تبحر بالمجداف، الفرق شاسع، وعلاوة على ذلك، أسعار هذه الأدوات لا تطاق أبدًا أبدًا مع الغلاء الفاحش للأسعار، فما هو متوفر الآن لا نضمن توفره غدًا".
ويعيش الريس حسام في خيمة تبعد نحو كيلومتر عن شاطئ بحر رفح، محاولًا التأقلم مع الرياح العاتية، حيث مر بكثير من المواقف الصعبة، ومن أهمها أنه ودَّع ابنته لُباب شهيدة، ويصفها بقوله: "كانت صغيرتي هي العمود الفقري في بيتي وحياتي، وهذا أصعب ما مررتُ به في الحرب، إضافة إلى استشهاد أحباء آخرين وهم عائلة خالي أثناء تناولهم الغذاء في الخيمة".
 |
 |
| على شاطئ بحر رفح |
محاولات لصيد جيد |
أريد أن "أسرح" في المينا
(إلى ماذا تشتاق يا ريس؟).. تمر نسمات البحر الباردة فيما تشرد عيناه نحو الأمواج المتلاطمة، وكأن الإجابة تربكه، يقول: "إلى بيتي في مخيم الشاطئ الذي بنيته على مدار سبع سنوات، وأشتاق لـ "اللنش" الذي كان أساس حياتي، وهذه الفترة تذكرّني كثيراً بأيام غزة، فهي من أفضل أيامنا التي كنا نعيشها على مستوى مواسم الصيد، وتعرف يـ "عِتمة تشارين"، وتتمثل في شهر سبتمبر وأكتوبر، وكذلك مايو ويونيو، ونصطاد عادةً في هذه الفترة السردين".
وحاليًا، هو "موسم السردين العريض"، الذي يشهد إقبالًا من الناس، بسبب ارتفاع أسعار الدواجن واللحوم، يقول حسام.
مضيفًا: "كما أن هناك إقبالاً على السلطعونات، حيث تسبّب المنخفض الجوي الطفيف بقلة صيد السمك، كما أن الصيادين لا يستطيعون النزول إلى البحر هذه الآونة بسبب علو الأمواج".
وبدوره، يشير إلى عظم المخاطر التي يعيشها مع رفاقه الصيادين كي يوفروا لقمة العيش لأسرهم، يلخصها بجملة تخرج من أعماق ألمه: "أشهد بالله أني أحمل روحي على كفي.. إما أن أرجع لأولادي أو لا أرجع"، مبدياً حزنه على استشهاد عديد من الصيادين الذين يعرفهم، وقد فارقوا الحياة أثناء صيدهم في ساعات النهار.
وفي السياق ذاته يشرح الوضع: "نتعامل بحذر شديد عند خروجنا للصيد، ما أن نرى الزوارق بأعيننا نسارع إلى الهرب، وفي الليل تكون المخاطرة أعلى، جراء خوفنا من إطلاق الصواريخ على مراكبنا".
وثمة صعوبة أخرى تتمثل في قوله: "لم نعد قادرين على شراء الغزل الذي نصطاد بواسطته، ولا "الفيبر جلاس" وهي مادة نستخدمها في حال إصابة الحسكة بكسر، إذ نصلحها باستخدام هذه المادة".
ويحمل حسام همّ فصل الشتاء، لأن الصيد عادة فيه يكون أصعب بكثير، نظرًا لارتفاع الموج، ويحاول التماسك حين يخبرنا: "كنا نكابد المشقة في الأيام التي كنا نستخدم فيها المراكب التي تعمل على السولار، فما بالنا الآن، ونحن نستخدم النظام البدائي القديم جداً".
ويحمد الله لأن في الأيام الماضية لم يهطل المطر، حيث كانت حالة الطقس ما يُعرف بــ "طلوع شمس برد، وغياب شمس برد"، حسب تعبيره، "وإلا كنا تبهدلنا في الخِيم" يردف قائلاً.
وحسب تأكيده، ما من مجال للمقارنة بين الوضع السابق والراهن للصيادين، حيث أصبحت معاناتهم أضعاف مضاعفة عما ذي قبل، على صعيد تلبية احتياجاتهم في كل مقومات الحياة.
ويشكو كبقية الناس من أحد وجوه المعاناة اليومية: "حسبنا الله ونعم الوكيل على التجار، حربنا مع المحتل ومع التجار، هؤلاء فجار وليسوا تجاراً، لأنهم يستغلون أبناء شعبنا في هذه الظروف القاهرة".
ويعرب عن أسفه لعدم التفات أي جهة لمد يد العون للصيادين في هذه الفترة العصيبة، لافتًا: "وزارة الزراعة أخذت منا بعض البيانات لتقدير حجم الخسائر".
وقد عاش الرجل كثيراً من المغامرات في عرض البحر، حتى أنه في ليلة قبل الحرب فُقد أثره وعُثر عليه بعد عناء، ولا نظن أن الليالي الطويلة التي قضاها بعيداً عن عشه وبحره تقل حلكة عن تلك الليلة.
ولا يعتقد الريس حسام أنه لو طالت الحرب سيفقد أكثر مما فقده، متضرعاً إلى الله أن يعود للديار قريباً إلى غزة، "أول ما سأفعله حينها أن أصلي ركعتي شكر على نعمة الرجوع".
تكاد تهطل دمعة من عينيه، وهو يتخيل هذا المشهد الذي ينطبق عليه مقولة المهندس عاصم النبيه "لا تتشابه البحار.. بحرنا مسكون بالألم، ورماله مخلوطة بالدم، وسفننا لا تسافر كالآخرين".
ويختم حديثه قائلاً: "أرجو من الله أن أرجع للميناء الذي تعودت أن "أسرح" به، وآمل أن نعود أقوى وأفضل مما كنا عليه".