l صانور: حين يصير السهل "بحيرة"!
 
 
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
نيسان 2012 العدد-43
 
Untitled Document  

صانور: حين يصير السهل "بحيرة"!

سهل صانور

عبد الباسط خلف
خاص بآفاق البيئة والتنمية

تختزن ذاكرة الثلاثيني محمود حسين، بالرغم من عمرها القصير، حكاية المرج الذي ارتبط باسم قريته صانور، جنوب جنين. يقول وهو يُلاحق في نظراته التجمعات المائية التي غمرت مزارع عائلته: هذه المرة الخامسة التي أشهد فيها تحول سهل القرية إلى ما يشبه البحر، ولحسن حظي فقد درست اللغة العربية في جامعة النجاح، واخترت مساق جغرافيا فلسطين للتعرف على مناطقنا، وعرفت من مدرسنا د. عزيز دويك   (رئيس المجلس التشريعي الأسير في سجون الاحتلال اليوم)، أن المرج محاط بكتل جبلية، وأرض منخفضة تتألف من تربة "كارستية"، لا تستوعب امتصاص كميات كبيرة من الماء.

سهل صانور الخصيب وقد غمرته مياه أمطار هذا العام

18 ألف دونم

ووفق حسين، فإن مساحة المرج، تقدر بنحو 18 ألف دونم، انغمرت مساحات كبيرة نسبياً منها هذا الشتاء، ولا يكاد أهالي صانور ينسون الموسم المطري عام 1992، حين تحول مرجهم إلى بحيرة، ولم تجف إلا بعد انقضاء الصيف بطوله، ما أدى إلى خسائر المزارعين لزراعاتهم الشتوية والصيفية، على حد سواء.
ابتكر محمود قبل حفنة من السنوات طريقة للإبحار في تجمعات المياه وسط المرج، هو ورفاقه، واختاروا السير في قوارب مطاطية، والوصول إلى عمق المرج، الذي تعلو المياه في بعض مناطقه، بنحو خمسة أمتار.
وتحول المرج هذا الموسم إلى وجهة للمستجمين، والمحرومين من البحر، فأحضر بعضهم مثل يونس الشيخ، ووضاح الشريف أولاده لمشاهدة التجمع المائي، فيما تقاطرت مركبات  أيام الجمع إلى المرج، لالتقاط الصور، ومشاهدة المياه.
ويستعير محمود حسين،  بمثل عربي يقول "إن مصائب قوم عند قوم فوائد"، إذ يخسر المزارعون من غمر محاصيلهم الشتوية وموتها بالمياه، فيما تتأخر زراعاتهم الصيفية أو تنعدم، أما المتنزهين وعشاق المياه، فيجدون بعض ما يسليهم، ويفرحون بالبحر الصغير.

ضحايا وخسائر
فيما يجلس المزارع إبراهيم علي سعيد، 55 عاماً، بجوار حقله الذي ابتلعته البحيرة، ويتذكر عدد المرات التي خسر فيها محصوله، وآخرها عام 1992، فيما جادت السماء بمطر وافر عام 1968، وفي سنة 1987، حين اختطفت البحيرة المؤقتة شابين من بلدة ميثلون المجاورة، قضيا غرقاً.
يقول سعيد، وهو يعتمر كوفية على رأسه، وعيناه تفتشان عن حدود أرضه الغارقة: "يحيط بالمرج من الشرق قرية الجديدة وصير، أما من الغرب فصانور، ومن شماله مسلية والجربا، ومن جنوبه ميثلون وصانور، وفي أغلب المواسم نزرعه بالقمح والبرسيم والعدس واليانسون والكرسنة والقزحة والسمسم، فيما توقفنا عن زراعة البطيخ، بعد انتشار أمراض التربة.
وتلم ذاكرة المزارع سعيد بالأسماء الشعبية للمرج، التي تغمرها المياه هذه الأيام، بدءا من الحمصية، والغرامية، والشاليشية، والخوخة، والبركة، والعاقولة، والشطوط.
وكانت تشيع عند عجائز منطقة الفارعة قديماً، كما يفيد سعيد، الدعاء أن يغرق المرج بالمطر، حتى تنفجر الينابيع، وتتدفق بغزارة، ولا تجف صيفاً.

هذه ليست بحيرة بل سهل صانور الخصيب وقد غمرته مياه الأمطار الغزيرة

ذكريات
ويتذكر السائق أكرم حبايبة، أن المرج تحول إلى بحر، وصار الشارع يكتظ بالمتنزهين، الباحثين عن الماء، والذين لم يشاهدوا البحر في حياتهم. كما لا تسقط من ذاكرته، ارتفاع المياه عام 1992 لدرجة إغلاق الشارع الموصول إلى جنين، فوقع أهالي صانور رهائناً للبحر، وصاروا يفتشون عن طرق التفافية، ضاعفت المسافات، كثيراً.
ويُلم حبايبة، بمشاهد إحضار ما تسمى سلطة حماية البيئة الإسرائيلية، عام 1992، صهاريج كبيرة، ألقوها في المياه، وفيها مخلوقات تشبه السمك حتى تأكل الطحالب، التي صارت تنتشر وقتها، وتتسبب برائحة كريهة، كما أن أصوات الضفادع في الليل لا تسكت.
ويؤكد أكرم، أنه سمع كثيراً بدراسات وحلول يجرى التحضير لها، منذ سنوات لإنقاذ المرج من الغرق، لكنه لم ير أي فعل على الأرض، ينقذ آلاف الدونمات من رحمة السماء.

التعليقات

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية