وزير الصناعة: الصناعة الخضراء مستقبل الاقتصاد الفلسطيني ونسعى إلى الاستدامة والإنتاج النظيف
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في هذه المقابلة مع مجلة آفاق البيئة والتنمية، يتحدث وزير الصناعة عرفات عصفور عن رؤية الوزارة للتحول نحو الصناعة الخضراء، وعن الحوافز التي تقدمها السلطة، والبرامج التي يجري تنفيذها في المصانع الفلسطينية، كما يشرح لنا كيف يمكن للصناعة الوطنية أن تتوافق مع المعايير الأوروبية الجديدة (CBAM) إضافة إلى الخطط الموضوعة لتحقيق عدالة جغرافية تشمل غزة والقدس والمناطق المهمشة.
|
 |
| أ. عرفات عصفور وزير الصناعة الفلسطينية |
في وقتٍ تتسارع فيه التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر وتزداد القيود البيئية على المنتجات الصناعية، تجد مناطق السلطة الفلسطينية نفسها أمام معادلة صعبة على هيئة سؤال "كيف يمكن بناء اقتصاد منتج ومستدام أمام تحديات الاحتلال والقيود المفروضة على الموارد والطاقة؟".
في هذا السياق، تعمل وزارة الصناعة الفلسطينية على دفع عجلة التحول الصناعي نحو الاستدامة والإنتاج النظيف، بتبني سياسات وتشريعات تشجع المنشآت على تقليل التلوث والهدر واستخدام الطاقة المتجددة، وصولاً إلى ما يُعرف بـ "الاقتصاد الدائري" الذي يحوّل النفايات إلى موارد ضمن دورة إنتاج مغلقة.
في هذه المقابلة مع مجلة "آفاق البيئة والتنمية" يتحدث وزير الصناعة عرفات عصفور عن رؤية الوزارة للتحول نحو الصناعة الخضراء، وعن الحوافز التي تقدمها السلطة، والبرامج التي تُنفّذ في المصانع الفلسطينية، ويشرح لنا كيف يمكن للصناعة الوطنية أن تتوافق مع المعايير الأوروبية الجديدة (CBAM) ، كما يتطرق إلى الخطط الموضوعة لتحقيق عدالة جغرافية تشمل غزة والقدس والمناطق المهمشة.
بداية.. ما المقصود بمفهوم "الإنتاج النظيف" و"الاقتصاد الدائري"؟
الإنتاج النظيف هو نهج عملي يركّز على الوقاية بدلاً من المعالجة، أي تقليل النفايات والتلوث من المصدر ذاته، بدلاً من التعامل معها بعد حدوثها.
ببساطة، هو الاستخدام المستمر لإستراتيجيات بيئية تكاملية في جميع العمليات الصناعية والمنتجات، بهدف رفع الكفاءة وتقليل الأثر البيئي.
أما الاقتصاد الدائري، فهو أنموذج اقتصادي حديث يقوم على الاستخدام الأمثل للموارد، وذلك بإطالة دورة حياتها وتقليل الهدر وتحويل النفايات إلى موارد جديدة.
بكلمات أبسط، هو نظام إنتاج واستهلاك يعتمد على إعادة الاستخدام والإصلاح والتجديد وإعادة التدوير للمواد والمنتجات، بما يضمن بقاء الموارد داخل الدورة الاقتصادية لأطول فترة ممكنة، مع تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية الجديدة.
وللتوضيح، يمكن القول إن الإنتاج النظيف يركّز على مستوى المنشأة أو المصنع، بينما الاقتصاد الدائري يعمل على نطاق أوسع يشمل النظام الاقتصادي والمجتمع كله، الأول وقائي يهدف لمنع التلوث قبل حدوثه، أما الثاني فشمولي يسعى لتحويل النفايات إلى موارد ضمن دورة اقتصادية مغلقة.
س: ما الحوافز التي تقدمها الوزارة لدعم التحول نحو الصناعة الخضراء والإنتاج النظيف؟
بموجب قانون الصناعة رقم (10) لسنة 2011، مُنحت صناعات عدة حوافز وإعفاءات جمركية وضريبية للآلات والمعدات وقطع الغيار اللازمة لعمل المصانع، كما حُدّدت أسعار تفضيلية للمياه والكهرباء دعماً لتقليل التكاليف التشغيلية.
إضافةً إلى ذلك، نصّت المادة (18) من القانون على منح مزايا إضافية لفئات محددة من المنشآت وفق معايير تتعلق بمدى تطبيقها لمفاهيم الإنتاج النظيف وكفاءة الطاقة، الأمر الذي يشجّع المصانع على التحول نحو أنماط إنتاج أكثر استدامة.
س: هل هناك توجه لفرض معايير إلزامية في هذا المجال؟ وكيف يُحضّر لذلك؟
الوزارة لا تبدأ بالإلزام مباشرة، بل تنتهج أولاً نهج التوعية والتحفيز، بواسطة دائرة الصناعة الخضراء والمكاتب الفرعية، التي تنشر بدورها الوعي بين القطاعات الصناعية المختلفة حول أهمية استخدام الطاقة المتجددة وتقنيات تقليل استهلاك الطاقة، لما لذلك من أثر كبير على خفض تكاليف الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية في الأسواق المحلية والخارجية.
الحصول على شهادات دولية في كفاءة الطاقة يزيد الطلب على المنتجات الوطنية، خاصة تلك المصنّعة ضمن منظومة تراعي التوفير في الطاقة والمياه وإعادة التدوير وتقليل الانبعاثات الكربونية، وهذا ينعكس إيجاباً على العائد على الاستثمار عن طريق التوفير في فاتورة الكهرباء عند استخدام الطاقة البديلة.
وبخصوص المسار الأخضر السريع للترخيص، فقد نصَّ قانون الصناعة على منح حوافز وتسهيلات للمنشآت التي تطبّق الطاقة المتجددة.
كما استحدثت الوزارة قسم "تخضير الصناعة" في دائرة الصناعة الخضراء، لوضع معايير واضحة للحصول على التراخيص بسهولة، ومساعدة المصانع الفلسطينية على الانتقال إلى التكنولوجيا الحديثة والإنتاج الأخضر.
ونظراً لأهمية الموضوع، عقدت الوزارة ورش عمل عدة، ودورات تدريبية لموظفيها والعاملين في القطاع الصناعي حول إدارة نظم الطاقة والنظم البيئية، بما يعزز المعرفة المؤسسية بتطبيقات الطاقة النظيفة.

وزير الصناعة الفلسطينية أ. عرفات عصفور
س: ما القطاعات الصناعية ذات الأولوية في برامجكم؟
تولي الوزارة جميع القطاعات أهمية متساوية، لكن بعض القطاعات تمتلك فرصاً أكبر للتوفير في الطاقة مثل قطاع الحجر والرخام وقطاع الصناعات الغذائية والدوائية، بسبب ارتفاع فواتيرها الشهرية واستهلاكها الكبير للطاقة.
ومن أبرز البرامج ذات العلاقة برنامج "مستدامة"، الذي نفّذ تدقيقاً طاقياً تفصيلياً لأكثر من 60 مصنعاً، إضافة إلى التدريب الميداني على برنامج الأيزو 50001 لإدارة الطاقة.
نتائج البرنامج كانت لافتة:
- خفض انبعاثات الغازات بنحو 11,796 طن من ثاني أكسيد الكربون.
- توفير في تكاليف الطاقة بلغ 4.014 مليون شيكل.
- تدريب 99 خبيراً في إدارة نظم الطاقة.
- تدريب 106 متدربين في تصميم وتركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية.
- تدريب 62 متدرباً في تحسين الأداء المالي للمنشآت الصناعية.
- تدريب 114 متدرباً في برامج الضبط الأمثل للطاقة.
كما نفّذت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) برنامج "كفاءة الموارد والإنتاج الأنظف"، الذي استهدف أربعة قطاعات رئيسة:
- الأغذية والمشروبات
- الأدوية
- البلاستيك
- الورق
بلغ إجمالي التوفير السنوي في البرنامج نحو2.46 مليون يورو، وحققت القطاعات مجتمعة توفيراً في الطاقة بنسبة 286.9%، وكانت النسبة الأعلى لقطاع الأغذية والمشروبات (165.2%).
وراوحت فترات استرداد رأس المال المستثمر بين شهر وسنة ونصف حسب طبيعة المنشأة، وبلغت نسبة توفير المواد الخام سنوياً حوالي32.3% من إجمالي المواد المستخدمة في الإنتاج.
ما الخطط المتبعة لخفض كثافة استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي؟
عملت الوزارة على إصدار نظام تعليمات صافي القياس بالتعاون مع مجلس الوزراء، والمشاركة في إعداد تعليمات صافي الفوترة الخاصة في القطاع الصناعي، بهدف تشجيع المصانع على التحول إلى الطاقة البديلة وخفض تكاليف الإنتاج.
هذا، وتُنفذ عمليات تدقيق طاقي (Energy Audit) للقطاعات الصناعية المختلفة، باعتبارها خطوة أساسية للحد من استنزاف الطاقة وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتُشجع الوزارة المنشآت على استخدام الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة ضمن الأطر القانونية المعمول بها، بما يحقق استدامة اقتصادية وبيئية في آنٍ واحد.
كيف يمكن أن تتوافق الصناعة الفلسطينية مع متطلبات الاتحاد الأوروبي الجديدة (CBAM)؟
الإنتاج النظيف يُعدّ جوهر هذا التوافق، لأنه يعتمد على تطبيق تقنيات تقلل من النفايات والاستهلاك والانبعاثات عبر دورة حياة الإنتاج.
بهذا النهج، تستطيع المنشآت الصناعية الفلسطينية:
- خفض انبعاثاتها الكربونية بما يتماشى مع معايير الاتحاد الأوروبي.
- زيادة قدرتها التنافسية وفتح أسواق جديدة للمنتجات الوطنية في أوروبا.
- الانسجام مع مبادئ الاقتصاد الدائري الذي بات شرطاً محورياً في التجارة الدولية الحديثة.
وماذا عن العدالة الجغرافية في تطبيق هذه السياسات خاصة بين غزة والضفة؟
تولي الوزارة اهتماماً خاصاً لقطاع غزة، حيث شاركت في إعداد خطة الإغاثة والإنعاش المبكر والاستجابة الطارئة، كما أجرت مسحاً جغرافياً شاملاً للمنشآت المتضررة والمناطق الصناعية المدمرة، تحضيراً لإعادة إعمارها فور توفر الظروف الملائمة، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير الطاقة ومدخلات الإنتاج الأساسية.
أما في الضفة الغربية، وعلى رأسها مدينة القدس، فتعمل الوزارة على تنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة وإتاحة الفرص أمامها للاستفادة من البرامج والمشاريع الممولة محلياً ودولياً، مع إعطاء أولوية للمناطق المهمشة والمشاريع النسوية، لتعزيز صمود المواطنين ودعم الصناعات الوطنية مع الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي تمر بها فلسطين.
كيف ترى المستقبل الصناعي الفلسطيني في سياق الاقتصاد الأخضر؟
مستقبل الصناعة الفلسطينية مرهون بالتحول نحو الاستدامة، ليس فقط خيارًا بيئيًا بل ضرورةً اقتصادية وسيادية. فالإنتاج النظيف والاقتصاد الدائري، كما يقول، يشكّلان البوابة الحقيقية لرفع القدرة التنافسية للمصانع الفلسطينية ودمجها في الأسواق الإقليمية والدولية، وخاصة السوق الأوروبية التي باتت تعتمد على معايير صارمة في الانبعاثات والكفاءة الطاقية.
التحول إلى الصناعة الخضراء هو استثمار طويل الأمد في الأمن الاقتصادي الوطني، لأنه يخفّض من كلفة الإنتاج، ويقلل التبعية في استيراد الطاقة، ويوفر فرص عمل جديدة في مجالات الهندسة البيئية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة.
أرى أن فلسطين قادرة، رغم القيود والتحديات، على أن تصبح أنموذجًا إقليميًا في الإدارة الذكية للموارد، إذا ما استمر التعاون بين القطاعين العام والخاص بدعم الشركاء الدوليين.
أخيرًا، نحن لا نسعى فقط إلى مصانع أنظف، بل إلى اقتصادٍ أكثر عدلاً وكفاءةً واستدامةً، يضع الإنسان والبيئة في قلب العملية الإنتاجية.