في صراع النزوح والبقاء بغزة.. فاطمة قويدر روحها مبتورة كالبقية
خاص بآفاق البيئة والتنمية
| إليكم نصّ الحوار الذي أجرته مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" مع الشابة الغزية الشجاعة فاطمة قويدر، التي لا تقول كلامًا في الهواء، إذ لم تنزح عن غزة منذ بداية الحرب وما زالت تتشبث بجذورها حتى النَفس الأخير مع عائلتها، رغم أن هذه الأيام تُعد المرحلة الأقسى والأصعب في حرب غزة، حيث الصراع يحتدم بين ذل النزوح ورعب البقاء؛ بعد أن فتحت إسرائيل "أبواب الجحيم". لكن فاطمة لا تتراجع أبدًا عن تمسكها بصاحبة الشريط الساحلي الساحر بقولها "لا مدينة على هذه البسيطة عشقناها كما عشقناكِ يا غزة، ولا مدينة على هذه البسيطة يليق بها الحياة إلا أنتِ". ولعل من أكثر ما يؤثر في المرء حين ذكرت في ثنايا حديثها معنا الذي تشوبه حرقة وقهر المودعين، أنه "لا حياة في غزة سوى أنها غزة، ومهما كرهنا الحياة، فإننا نحب استمرارنا فيها، نحن كل شيء مما عشنا، وكل شيء مما أردنا أن نعيش، ولكن لم نملك وقتًا لنعيشه". |
 |
| النازحون من غزة مثقلون بالخوف والإرهاق- صورة محمود أبو حمدة |
"أنا فاطمة قويدر، فلسطينية من غزة، لا أعلم من هذا العالم كله إلا غزة وما وعيت إلا على أرضها وعشت من خيراتها، لا أنتمي لأي فصيل سياسي، وإن ما أتعرض له أنا وشعبي منذ أكتوبر 2023 هو إبادة جماعية بحقي وحق كل أهالي قطاع غزة، وإن التهمة الحقيقية التي يقتلنا بسببها الإسرائيلي هي وجودنا الفلسطيني في غزة. المبررات والمسوّغات الأخرى هي مسوغات وهمية ومختلقة لإسكات ضمير العالم تجاه تصفية القضية الفلسطينية".
هذا تعريف مختصر من فاطمة، التي تبث ما يدور في عقلها وقلبها عبر صفحتها الشخصية، وبعيدًا عن شعارات الصمود، هي التي سبق أن أعلنت مراراً قرارها الصارم "لن أخرج من غزة إلا موتًا وإن الجنة أقرب".
مجددةً تأكيدها أن التاريخ سيسجل أن "مدينة مجوعة بها 2 مليون مدني، يسكنون العراء والدمار والركام، ومساكنهم من قماش يهاجمهم جيش بأعتى آلياته العسكرية، ويقتلهم على الشاشات لأنهم يرفضون الاستجابة لتهديدات النزوح والتهجير".
وحتى منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي، وحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فإن أكثر من 86% من مساحة غزة ، تخضع لأوامر إخلاء أو أصبحت مناطق عسكرية.

فاطمة قويدر
اليوم، بكل غضب تصرخ قويدر بأعلى صوت: "يمسحون المدينة، يمسحون جغرافيتنا البيئية والزراعية، يمسحون تاريخنا، نحن الآن وحدنا، جموع من الناس المدنيين، المتروكون في العراء، سلاحنا الوحيد هو أن نواجه الموت ، وألا نجبن أو نغادر المدينة".
وبما أنها من أهل المدينة، وأدرى بشعابها فقد قالتها صريحة لمن لا يعرفهم حقًا: "أهل غزة ليسوا دعاة موت، بل إننا نتوق أن نحيا بكراماتنا وإنسانيتنا وآدميتنا على أرضنا أحرارًا دون موت يلاحقنا، ولا تجويع ينكّل بنا ويحاصرنا".
"في هذا الشريط الضيق الساحلي المعدم والفقير والمحاصر والذي يدعى قطاع غزة"، وفقاً لوصفها، لم ترتبط فاطمة بمكان محدد في المدينة الأم، حتى أنها لم تكن تتجول فيها إلا نادرًا، وهي ليست ممن يتنزهون ويفضلون الخروج، لكنها كانت تشعر بفضائها وجمالها، كما تخبرنا.
ولعل من أكثر ما يؤثر في المرء حين ذكرت في ثنايا حديثها معنا الذي تشوبه حرقة وقهر المودعين، أنه "لا حياة في غزة سوى أنها غزة، ومهما كرهنا الحياة، فإننا نحب استمرارنا فيها، نحن كل شيء مما عشنا، وكل شيء مما أردنا أن نعيش، ولكن لم نملك وقتًا لنعيشه".
إليكم نصّ الحوار الذي أجرته مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" مع هذه الشابة التي لا تقول كلامًا في الهواء، إذ لم تنزح عن غزة منذ بداية الحرب وما زالت تتشبث بجذورها حتى النَفس الأخير مع عائلتها، رغم أن هذه الأيام تُعد الأقسى والأصعب في حرب غزة، حيث الصراع يحتدم بين ذل النزوح ورعب البقاء.
لكن فاطمة حتى اللحظة، لا تتراجع عن تمسكها بصاحبة الشريط الساحلي الساحر بقولها "لا مدينة على هذه البسيطة عشقناها كما عشقناكِ يا غزة، ولا مدينة على هذه البسيطة يليق بها الحياة إلا أنتِ".

النزوح من أقسى التجارب الإنسانية
لو عدنا إلى فاطمة قبل السابع من أكتوبر.. كيف كان شكل عالمها؟
كنت أعمل في مركز خاص بي مع طلابي، انكببت على تعليمهم دروسًا في مادتيّ الرياضيات واللغة الإنجليزية، كنت أطمح لتطوير المشروع كي يصل إلى تأهيل السيدات والأمهات؛ عازمة على تدريبهم للتعامل مع منهاجنا، لأكفيهم مشقة احتياجهم الدائم لمدرس ومركز خاص خارج بوابات المدرسة.
ولطالما تطلّعت لصقل موهبتي في الكتابة والبحث عن طريقة لتطويرها، طامحة للسفر إلى الخارج لاقتناعي أن عالمنا في غزة محدود ومغلق، وأن أفق الكتابة والخيال يجب أن يبصر ما هو خارج الحدود، سعيتُ لجمع مبلغ مالي يمكنني من السفر، وحالت الحرب بيني وبين اكتمال هذه المشاريع.
مضى عامان على الحرب وأنتِ أحد الشهود عليها، التي في كل منعطف تبدو أقسى مما قبلها، أخبرينا كيف تدّرج انطفاء الحياة في هذه المنعطفات؟
في العام الأول، كان اليقين مزروعاً داخلي أن هذه الحرب ستنتهي دون أن يكون للاحتلال وجود في غزة، وأن طول المعركة وحالة التجويع الأولى التي خبرتها في غزة وشمالها ما هي إلا أقسى الجنون الذي تتجرأ اسرائيل لترتكبه علنًا، وأن المذابح بالجملة، وحرق العائلات في بيوتها في اجتياحات واقتحامات جيش الاحتلال لنا في الأحياء السكنية لن تتكرر، وأن هذا التوغل الوحشي سيجد صدًا وإحراجًا عربيًا ودوليًا كبيرًا يدفعه للتوقف.
خسرت كثيرًا من وزني وصحتي، وشابَ أكثر من نصف شعر رأسي، صارت أجسادنا هياكل عظمية ورأينا نتوءات العظام من تحت جلودنا، أصابنا الإعياء والارهاق الشديد دون أن نجد مُسكنًا أو تحليلًا لمعرفة حالتنا المرضية، فالمشافي خرجت عن الخدمة منذ الشهور الأولى، بل وحاصروها ونكلّوا بالطواقم الطبية، كما أن الخروج من المآوي للعلاج كان دربًا مزروعًا بالموت، فنصبح عرضة للاستهداف المباشر ورصاص "كواد كابتر".
من يسقط شهيدًا أو جريحًا في عتمة الليل لن يجد مسعفًا ولا إغاثة له حتى ساعات الصباح، ولا حتى مركبات إسعاف تنقله، وأذكر في استهداف في حينا، رأينا مجموعة شباب يزحفون باتجاه عيادة قريبة من الحي، فسارع الجيش إلى إعدامهم في أثناء زحفهم.
لا أستطيع الحديث عن الحالة النفسية، هناك حالة هلع مستمرة، وقلق وأرق يتناوبان على ضعفي.
أما حين خرقَ الاحتلال اتفاق كانون ثاني/ يناير الماضي مستأنِفاً الحرب، فقد تلاشى أمامي كل اليقين الذي غمست روحي به أن غزة ستنجو منهم ومن مخططاتهم باحتلالها أو تدميرها، ومن المؤسف أني وجدت روحي تجتاز هذا النقاش بين الشك في ذلك أو اليقين حوله، إلى كيف تبقى غزة أو نحفظ من تبّقى بها من التهجير، وقد ظهر غول التهجير أمامي للمرة الأولى إذ لم ألمحه في العام الأول ولا صدّقت إمكانية تحقيقه، ولا أصدق أنه سيحدث بكل تأكيد الآن، لكنني أتكلم عن نزاع النفس بين مخاطر البقاء أو النزوح، بين الاجبار على ترك المدينة خلفك وعدم العودة إليها مرة أخرى، فنختار شق الموت من الحكاية على تجربة النزوح.

غزة المدينة العريقة هذا وجهها قبل الحرب
كنتِ من الأشخاص الذين صمدوا في غزة بالرغم من كل ما عاشته من مجازر وتشرد ومجاعة.. كيف استطعتِ تحمل ما لا يمكن تخيله؟
وقتها لم أملك إلا بعض الأسئلة في رأسي، أنا شخص مُلّح بالسؤال، لا أقبل ولا أرضخ ولا أستجيب إلا بعد أن أجد جوابًا لسؤالي.
منذ اليوم الأول الذي أعلن الاحتلال فيه ضرورة التوجه جنوبًا وإخلاء غزة والشمال، تبادرَ لي سؤال: لماذا الجنوب تحديدًا؟، أليس القطاع كاملًا ضمن خارطة الحرب بالنسبة لهم، فلماذا الجنوب في مأمن مما يحدث في غزة وشمالها؟!
ثم تلت هذه الأسئلة عاصفة القصف التي طالت النازحين في شارع صلاح الدين؛ فأدركت أنها مخطط لا يمكن الانصياع له حتى لو كنا لا نفهم ما به.
تنقلنا في أحياء المدينة، فارين من كل حصار وشيك، ولم نتناول إمكانية النزوح جنوبًا ولو حديثًا عابرًا كي لا نجعله احتمالًا واردًا.
ثم ما حدث من حصار لنا في أحياء مدينة غزة وشمالها أكد لي أن مشروعهم تفريغ غزة من السكان، وهنا وجدت نفسي للمرة الأولى في مواجهة مع هذا المخطط، مقاومتي الوحيدة هي الثبات لا أكثر ولا أقل، هربنا من حصار الأحياء كي لا يدفعوننا جنوبًا، وكذلك لم نستجب لدعوات النزوح لتوفر الطعام في المواصي كما كانوا يطلبون منا.
هذه الحرب بتفاصيلها التي تتعلق بمجريات الحياة اليومية لم أتخيل أني لي قدرة على تحملها، أن تهرب من حصار وشيك، وترى قذيفة تسقط أمامك، وأخرى خلفك، ويطاردك الطيران المسيّر والرصاص، وافتراش العراء، لا مأوى حقيقي، بل نخترع المآوي كي نبقى في المدينة، والمبيت في الشوارع والمدارس وبيوت لا نعرف أهلها، قد تركوها خلفهم بعد نزوح أو ربما موت.

مأساة آلاف العائلات المقتلعة من منازلها تحت ثقل الحرب والدمار- الصورة محمود أبو حمدة
رغم توفر الخيارات لديك للنزوح نحو جنوب القطاع، وفقاً لقولك، إلا أنك قررتِ الثبات حتى النهاية، في مقابل الرأي الأعمّ يقول إن "حفظ النفس أولى".. لو توضحي لنا وجهة نظرك، خاصة أن غزة- يعزّ علينا أن نقولها- تُسحق في كل أرجائها، وخطر الموت محدق بكم؟
صحيح أن حفظ النفس أولى ومقدم، والروح غالية وعزيزة، لكن من يأمن لي الحياة جنوبًا؟ مَن الذي يدّعي أن الجنوب أمان غير المحتل الذي لاحقني حيًا حيًا وشارعًا شارعًا؟
أليس الجنوب جزءًا من القطاع؟ إن العقل والمنطق يقول إن أطماع المحتل به مؤجل، وحال انتهائه من غزة، سيحين دور الجنوب لا محالة.
إذن؛ أنا لست بين خيارين، الصمود ومرادفه الإعدام، والنزوح ومرادفه النجاة، إن الخيار الحقيقي الذي تحجبه رواية المحتل أننا إما أن نختار التسليم للموت في غزة أو تأجيل موتنا في الجنوب، ولست من أنصار التسليم والرضا بإرادة المحتل.
إذن أنتِ لستِ حيرى بشأن قرارك في البقاء؟
نحن لسنا أساطير، نحن بشر، ولكن نريد العيش بكرامة، لا يمكنني القول إني لست حيرى وخائفة ومرعوبة، ربما أنسب ما يصفني "قلب أجوفٌ فارغ".
كنت قد وصفتِ الحزام الناري بأنه "الأكثر إجرامًا"، ووصفت ما يحدث حينها: "يراوح من 10 إلى ما يقارب 45 انفجارًا متتابعًا في خط مستقيم لا يفصل بين الانفجار والآخر إلا مترًا واحدًا، وعندها نجتمع في مركز المأوى حتى لا نطير من هول الانفجار، نتكاتف ونحتضن بعضنا، نتشاهد، ونرى الأرض تتطاير في الهواء، والناس الذين ابتلعهم الحزام الناري قد صاروا في جوفها".. أي ليلة تتمنين أن تُمحى من ذاكرتك وتحتاجين بشدة أن تتشافي منها؟
عشت الحزام الناري ما يقارب اثنتي عشرة مرة، والأشد خطرًا كان حزامًا ناريًا في الشارع الذي نزحت إليه، حين نشر جيش الاحتلال خريطة إخلاء لحي الدرج والتفاح في شهر يوليو لعام 2024 واضطررنا إلى النزوح غربًا باتجاه أنصار والصناعة والرمال، وإذ بنا نستريح للتو من رحلة نزوحنا حتى ضرب حزام ناري عنيف مفترق الطيران والشوارع المحيطة بالصناعة، ثم حاصرت الآليات المنطقة، حاول الناس الهرب ليلًا، وفجرًا الشوارع عجّت بنا هاربين من الحصار يطاردنا طيرانهم المسيّر ورصاصهم.
سقط الشهداء بجوارنا ولم نملك القدرة حتى على تفحص مَن المصاب ومَن الشهيد، فإذا توقفت ستدوسك الناس من خلفك وتجتازك.

مخيم جباليا بعد تدميره- صورة خالد طعيمة
بحكم تعاملك مع الأطفال كونك معلمة.. ما أكثر ما يؤلمك في حياتهم حالياً؟
التيه الذي غزا عقولهم وقلوبهم، أن لا يعرف الطفل شكل الحياة الطبيعية، وقد تطّبعت نفوسهم على طوابير المياه وتكيات الطعام ومناظر الأسواق البدائية، لقد فقدوا حقهم في الاحتكاك السليم بالبيئة لتنمية مهاراتهم وقدراتهم وصقل خبراتهم.
هنا يتسابق الأطفال لطوابير الماء والتكيات سباقًا كأنه إنجاز يستحقون المكافأة عليه، فهو يوازي اجتيازهم اختبارًا مدرسيًا بنجاح، بعد أن فقدوا حقهم في التعليم والصحة وحتى شكل الحياة الطبيعية، لا يعرفون جدارًا ليسندوا ظهورهم عليه، ولا مصعدًا كهربائيا للصعود، ولا شكل الإنارة في الشوارع، وهذه أصغر التفاصيل.
مجرد المبادرة إلى تنفيذ مبادرة، رغم المخاطر هو بحد ذاته عمل نبيل.. كيف استطعتِ أن تتحلي بهذه الروح الإيجابية وسط كل هذا اليأس؟
كان لابد أن أجد لنفسي هدفًا لأشعر بقيمة حياتي، لا أحب عدّ الأيام وتكرارها دون إنجاز أحققه حتى لو لم يكن لي، يكفي أن يكون ذا نفع وفائدة، رأيت أن الله قد سخر لي متابعين يسمعون غزة من صوتي ويرونها في كلماتي، وجدتها كأنها رسالة من الله كي أكون وسيطًا عبر صفحتي الشخصية، بين شعبي من جهة والناس في الخارج من جهة أخرى، لدعمهم ومساندتهم.
لا أستطيع أن أصف نفسي بـ "مبادِرة"، أنا أتهرب من هذا المصطلح تحديدًا، إذ وجدت كثيرًا من اللغط حول إمكانية وصول المساعدات إلى غزة، وما يترتب عليه من مخاطر، وقد أوقفت إسرائيل عمل كل المؤسسات الاغاثية، وصار الناس يشترون بالمال ما يسد رمقهم، كان لزامًا على أن أوصل صوتهم وأربطهم بالعالم لإغاثتهم، وفي المقابل أن أبدّد الخوف من نفوس مَن هم خارج غزة فيما يخص مصير مسانداتهم المالية، وكان لا بد أن يكون هناك صوتًا حقيقيًا يعرض ما يحدث في غزة دون تضليل، بعد أن رأينا محاولة بعضٍ قرصنة المساعدات وبيعها، لنصل إلى خلاصة مفادها أن "إغاثة الناس لا تتم إلا بالمال".
علماً أن ما نشرته في الصفحة لطلب الدعم كان يسيرًا مقارنة بالوضع الكارثي لغزة، فهو في نطاق محدد، كأن يكون مبلغًا إغاثيًا لأسرة لأسبوع أو أكثر بقليل، أو كيس دقيق لعائلة أخرى، أو خيمة لنازحين، وغيرها من الاحتياجات اليومية، والحمد لله تكللت جميعها بالنجاح، حيث أعمد إلى توفير اتصال مباشر بين الداعمين والعائلة أو صاحب المناشدة، مكتفية بدور الوسيط في نشر المناشدة لا أكثر، وبالتالي يغدو الاتصال حقيقيًا، يسمعون احتياجهم ويفهمون مأساتهم عن كثب، ويقتربون من مشاكلنا.

من دروس الحرب أن يُختصر المنزل في حقيبة- صورة محمود أبو حمدة
نسمع بعدم مصداقية بعض المبادرين.. ما هو أكثر ما يستفزك في سلوكياتهم في هذا الصدد؟
يستفزني أننا بعد عامين من الحرب، لم نستطع تمكين أنفسنا من خلق حالة اتصال تجمع المبادرين، بحيث يختص كل مبادر بنوع من المساعدة ولمنطقة محددة، ليتسنى للجميع الاستفادة.
وأيضًا يزعجني ركض بعضٍ منهم لملاحقة "الترند" على حساب مبدأ الإغاثة نفسه، وأن يهتم الواحد منهم بالدرجة الأولى بوصول مشاركته إلى الاعلام أكثر من اهتمامه بوصول المساعدة، ومن يحتاجون الدعم.
هذا الغضب..وهذه الجرأة والواقعية أيضاً في أن تكوني حال لسان كل غزي بعيداً عن التوجهات الحزبية.. ما الذي يكبر داخلك ولأجله تصر كلماتك أن تصدح، بينما تدّوي زلازل القصف في كل مكان في الأيام الأخيرة؟
دومًا أنتصر للإنسان أولًا وأخيرًا، وقيمة الانسان وحياته هي الأقدس عندي من الانتماء لفكرة أو حزب، إلا أن الإبادة جردت هذه القناعة من رسوخها الثابت وجعلتها في اختبار عنيف، فما قيمة الإنسان بلا وطن والكل يرفضه، ما هي حياتنا دون جذر ثابت نتمسك به، فصارت قناعتي متجذرة أن للإنسان ولحياته قيمة لكنها لا تنفصل عن قيمة الانتماء والتجذر في الأرض؛ كونها الأصل والمنبت.

نزوح أهل غزة في ساعات متأخرة نحو الجنوب- الصورة محمود أبو حمدة
هذه الحرب بَترت أرواحكم في كل تفاصيل الحياة اليومية.. أي جزء منها تحديداً يدمي قلبك كثيراً؟
أقسى ما أعيشه في هذه الحرب هو عوز الناس وحاجتهم المستمرة وهم أهل كرم وعزة، وأقسى ما أجده احتياجنا الدائم للمساندة وطلب هذا الدعم باستمرار، بل إني أجد في روحي وجعًا لا ينتهي ونحن نطالب العالم بأن يسد رمق جوعنا لا غير.
عشنا كثيرًا في هذه الحرب، الفقد موجع ومهلك لكني أدرب روحي على الفقد، والنزوح "تجربة الموت" لكنني أتجاوزها بأن أواجه الموت، دمار وحطام وركام إلا أني أواسي قلبي أن فينا الخير وبسواعدنا سنعمرها، لكن حقاً التجويع المذل والمهين الذي جعلنا ننكس رؤوسنا، لنطلب الإغاثة ونستجير من أجل لقمة، كان هذا الأكثر فتكُا بروحي، كل الصعوبات اليومية التي نواجهها بلا استثناء كانت بطبيعة الحال شديدة القسوة، أما أكثرها جنونًا، عجزنا عن توفير لقمة لصغار البيت ومبيتهم جوعى أيامًا متتابعة، وإجبار روحك على تناول طعام غير آدمي كي تجر حياتك للبقاء.
في تجويعنا الأول، انكفأنا على عزلة عن العالم لانقطاع الاتصالات والإنترنت، فلم يكن لنا خيار المناشدة للعون، واكتفينا بما اكتفينا مما تبقى في المدينة من قوت الحمام والدجاج والحيوانات فأكلناها ولم نسأل الناس.
أما تجويعنا الثاني كان مذلًا، كونه عَرضنا عراة من كرامتنا على الشاشات، وجعلنا نطلب ما يبقينا صامدين على أرضنا.
ومن المؤسف أني عشت أنا وأسرتي في العام والنصف الأول من الحرب في حالة نزوح مستمرة، ولم يكن هناك استقرار لشهر واحد يجعلنا نفكر في الزراعة.
دعيني أخبرك أن من أصعب المشاهد عندي ما يمثل صراع البقاء، عندما تدافعَ الناس على الطحين ودهسوا وجوه بعضهم، أدركت عندئذ كيف يتجرد الانسان من مفهوم الحضارة ويعود لصورة الخليقة الأولى وهي شريعة الغاب، صحيح أن هذا لا ينطبق على كثيرين، لكن ما حدث قسم ظهور صمودنا، وألقى بنا إلى حالة غريبة من الغربة في وطننا.

ويستمر النزوح
أمام طغيان مشاعر الخوف واليأس التي غالباً ما تغلب الأمل.. كيف تهدّئين من روعك؟
هناك اتصالٌ روحاني زرعته في صدري، فرأيتني في كل هلع بين يدي الله أنفض عني شكوكي وظنوني إليه، فيهدئّني ويطمئن قلبي.
وجدت القرآن شفاء وإجابة لكل ما لم نستطع عليه صبرًا، ورجوت الله أن يمنحنا الصبر على ما لم نحط به خبرًا.
قلوب الأحرار تتضرع لله أن تنتهي الحرب عمّا قريب؛ ووقتها سيكون لكل غزي نجا "يومه التالي".. قلتِ أنكِ ستصبين جهدك في مؤسسة تربوية للأيتام.. لماذا يا تُرى؟
لأن كل شيء قابل للترميم والتعويض، المباني والحجارة والبيوت والمشافي، إلا الإنسان وتحديدًا الفقد في الطفولة، ولأن الأيتام في عوز لدور المربي والمعالج النفسي قبل كل شيء؛ لشفاء روحهم مما اختبروه في هذه الحرب، نحن لا نريد أن تسلب روح وقدرة مَن تبّقى لنا.