الأفاعي في فلسطين.. هل للاحتلال علاقة بتوزيعها وانتشارها وسلوكها في الضفة الغربية؟
خاص بآفاق البيئة والتنمية
(الجزء الثاني)
|
الأفاعي جزءٌ طبيعي من التنوع الحيوي في فلسطين، هي حيوانات برية تنتمي لفصيلة الزواحف، تعيش أنواع مختلفة منها في فلسطين مثل كثير من الحيوانات البرية الأخرى. وللأفاعي أدوار مهمة تؤديها في البيئة رغم عدم تقبلها الشعبي وما تردده الخرافات الموروثة شعبياً، والتي تدَّعي أن الأفاعي تطارد البشر لتلدغهم أو تلتف عليهم لتخنقهم وتبتلعهم، فيكفيك أن تلتقي بأفعى؛ لتطاردك لعلها تتمكن من القضاء عليك! عموماً، تتواجد الأفاعي في جميع المناطق الفلسطينية، ويعتمد انتشارها على توافر الغذاء، والمكان الآمن (كالغطاء النباتي)، والمناخ الملائم.
|
 |
| صغار الأفعي الفلسطينية تفقس بعد 6-8 أسابيع وتتمتع بكل ما تتمتع به الأفاعي السامة من أنياب وسم قاتل |
الأفاعي جزءٌ طبيعي من التنوع الحيوي في فلسطين، وهي حيوانات برية تنتمي لفصيلة الزواحف، تعيش أنواع مختلفة منها في فلسطين مثل كثير من الحيوانات البرية الأخرى.
وللأفاعي أدوار مهمة تؤديها في البيئة رغم عدم تقبلها الشعبي وما تردده الخرافات الموروثة شعبياً، والتي تدَّعي أن الأفاعي تطارد البشر لتلدغهم أو تلّتف عليهم لتخنقهم وتبتلعهم، فيكفيك أن تلتقي بأفعى؛ لتطاردك لعلها تتمكن من القضاء عليك!
ولكن اِنتبه؛ فهذه الشائعات عارية من الصحة؛ فالأفاعي خجولة بطبعها ولا تميل للمواجهة مع بني البشر، بل هي تخافهم كما يخافون منها تماماً، وتتجنب الأماكن التي يتواجدون فيها، وعندما تلتقط حواسها إشارات تنذرها بوجود أحدهم بالقرب منها فإن اهتمامها يتركز على الفرار من هذا الذي قد يحمل في قربه لها الخطر( ومنطقيًا، علينا أن نتذكر بأن البشر أضخم بكثير من أن يكونوا فرائس تبتلعهم الأفعى وتتغذى عليهم)، كما أن سمُّها ثمين لن تُهدره للفتك ببشر لا يُشكلون خطراً عليها.
فالأفاعي لا تلدغ إلا إذا اقترب الناس منها بشكل فاجأها وأخافها، ويحدث ذلك غالباً في أثناء العمل في الحقول أو التواجد في الغابات حيث يقتربون منها أو يدوسونها بغير قصد، فيتصاعد شعورها بالخطر، فتعمد للهجوم (الأفاعي السامة، أما غير السامة فتبذل جهدها لتهرب بسلام).
وغالباً ما تصدر الأفعى السامة عند شعورها بالخطر أصوات "فحيح" تحذيرية، كما تُظهر بجسدها إشارات تهديد لأنها في حقيقة الأمر لا ترغب بالهجوم.

تترك الأفعى بيضها دون رعاية داخل فتحات أو شقوق في الصخور أو تحت أكوام الحجارة وتغطيه بالتراب حفاظاً عليه من المتطفلين- خاص بآفاق البيئة والتنمية
نشاط الأفاعي في فلسطين
عموماً، تتواجد الأفاعي في جميع المناطق الفلسطينية، ويعتمد انتشارها على توافر الغذاء، والمكان الآمن (كالغطاء النباتي)، والمناخ الملائم. فهي تتواجد في:
--المناطق الجبلية مثل جبال نابلس ورام الله والخليل (أفعى فلسطين، والثعابين العاصرة مثل الحنش).
--المناطق الصحراوية مثل النقب (أفعى الرمال، ذات القرنين).
--المناطق الزراعية مثل الأغوار (الأفعى الفلسطينية، الحنش).
--المناطق الرطبة مثل محيط بحيرة طبريا والمناطق القريبة من الجداول وعيون الماء- حيث يتوفر الماء (ثعبان الماء).
--المناطق الحضرية على أطراف المدن والقرى وتظهر الأفاعي صيفاً باحثة عن فرائسها (الأفعى الفلسطينية، الحنش).
تنشط الأفاعي في فلسطين صيفاً في ساعات المساء والليل؛ لتتفادى حر النهار، أما في الربيع والخريف فتنشط نهاراً لاعتدال الطقس.
وقبل حلول موسم الشتاء ببرده القارس، تبحث كل أفعى لنفسها عن مكمن آمن دافئ يحفظها من التجمد (دون خط الصقيع)، لتحتمي به وتحفظ نفسها على قيد الحياة، حتى يمر الشتاء بسلام.
وفي الربيع حين ترتفع درجات الحرارة ويعم الدفء، تخرج من مكامنها، وتستعيد حيويتها ونشاطها، وتنطلق مرة أخرى للبحث عن الغذاء والتزاوج.
ومن طبيعة الأفاعي أنها دائمة التنقل، إلا أنها تتخذ من الأماكن التي توفر لها الحماية من الأعداء والحرارة المرتفعة مكامن تختبئ فيها نهاراً؛ تحت الصخور والحجارة وأكوام الأخشاب وأوراق الأشجار والأعشاب الجافة والركام، وداخل الكهوف والشقوق، وتحت الجذور وفي تجاويف الأشجار الكبيرة، وبالقرب من مصادر المياه، وفي الأماكن المهجورة، وفي الليل تنطلق للسعي وراء فرائسها.
حدة النظر لدى الأفاعي عموماً ضعيفة مقارنة بحيوانات أخرى، لكنها كافية لمساعدتها على تحديد موقع الفريسة لتصطادها.
أما في عائلة الأفاعي الحفرية (مثل الأفعى الفلسطينية) فإنها تمتلك حفراً حرارية بين العين والأنف (تمكِّنها من الشعور بحرارة الفرائس- من ذوات الدم الحار)، ويساعدها ذلك على تحديد موقع الفريسة بدقة، وتكمل بذلك وظيفة الرؤية البصرية.

الأفعى الفلسطينية السامة- مثلثية الرأس وبؤبؤ العين طولي
الأفعى الفلسطينية والرمز الفلسطيني
أفعى سامة، قوية ومتينة الجسد، يراوح طولها بين 70 و130 سم، بنية أو رملية اللون، مع علامات بنية مائلة للسواد على شكل حرف W متصل على طول الجزء العلوي من جسمها.
مثلثية الرأس ولها أنياب حادة طويلة متحركة، تُعد السبب الرئيس لحالات اللدغ في فلسطين، ويحتوي سمها على بروتينات تسبب تميعاً في الدم وتحللاً في الأنسجة، وتسبب اللدغة مضاعفات خطِرة، ويمكن الشفاء منها في حال تلقي العلاج، وعادة ما يتوفر مصل ضد سمها في المراكز الصحية في أنحاء فلسطين.
ليلية النشاط صيفاً، ونهارية في الربيع والخريف، تتحرك ببطء وتفضل البقاء مختبئة، ولا تهاجم إلا إذا شعرت بالخطر.
تتبع غالباً سلوكاً دفاعياً محذراً عند الشعور بالتهديد فتنفخ جسمها بالهواء وتصدر فحيحاً عالياً يخيف المهاجمين.
تبيض هذه الأفعى على عكس معظم الأفاعي السامة الأخرى، فتتزاوج في نهايات الربيع، وتضع الأنثى البيض (5 -20 بيضة بحسب حجم الأنثى وحالتها الصحية) في منتصف الصيف (فتدفنه في مخابئ رطبة ظليلة- داخل تجاويف الصخور العميقة، أو تحت كتل الحجارة أو بالقرب من المسطحات الرطبة) وتتركه دون رعاية وتذهب في سبيلها.
يفقس البيض بعد مدة تتفاوت من 6 إلى 8 أسابيع، وتخرج الصغار في أواخر الصيف مكتملة التكوين وقادرة على الصيد والدفاع عن نفسها، ومسلّحة بفك وأنياب سامة فعالة منذ لحظة الفقس.
تكمن أهمية أفعى فلسطين في قيمتها البيئية، فهي المفترس الرئيس للقوارض التي تنقل الآفات وتدمر المحاصيل، إضافة إلى قيمة الأفعى البحثية الكبيرة في مجالات السموم والبيئة والكشف عن مستوى الملوثات الكيميائية الخطرة.
يسرقون الرموز البيئية كما يسرقون الأرض
الأفعى الفلسطينية، رمز الهوية البيئية الفلسطينية، مواطنة في فلسطين منذ أمد بعيد، وتتواجد في بلاد الشام أيضاً، واسمها العلمي يحمل اسم فلسطين ( Daboia palaestinae).
في عام 2018، أعلنت سلطة الطبيعة الإسرائيلية اعتمادها أفعى فلسطين رمزًا وطنيًا من رموز التنوع الطبيعي البيئي الإسرائيلي، وغيَّرت اسم الأفعى التي عُرِفت ومنذ القِدم عربياً وعالمياً باسم أفعى فلسطين، إلى أفعى "أرض إسرائيل"؛ فبعد أن أجرت سلطة الطبيعة والحدائق، وجمعية حماية الطبيعة في إسرائيل تصويتاً علنياً بواسطة الإنترنت لاختيار رمز بيئي وطني، وبناء على نتائج التصويت اعتُمدت الأفعى الفلسطينية تراثً "إسرائيليًا" رغم تاريخية هذه الأفعى فلسطينياً.
ورغم تظاهر الاحتلال بحرصه على البيئة والأحياء التي تعيش فيها، إلا أن الحقيقة الساطعة تناقض ذلك، ووفق تقارير لمؤسسات مختصة، فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يُظهر التزاماً حقيقياً بحماية البيئة الفلسطينية. بل إن ممارساته تؤدي إلى تدمير ممنهج لها يتسبب بالقضاء على موائل الحيوانات البرية.
فالسياسات الإسرائيلية تستخدم الطبيعة وحُجة الحفاظ عليها أداة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وما تحويه من موارد طبيعية ومياه، بتحويل هذه الأراضي إلى محميات طبيعية يُمنع الفلسطينيون من ممارسة أي أنشطة حياتية عليها.

سلسلة غذائية الأفعى عنصر أساسي منها
هل للاحتلال دور في انتشار الأفاعي في فلسطين؟
تناولت دراسة سابقة للزواحف في فلسطين ومن ضمنها الأفاعي، وخلصت إلى أن التنوع الحيوي في الأراضي الفلسطينية تأثر إلى حد كبير بسبب الممارسات الإسرائيلية التي تشمل مصادرة الأراضي، وبناء جدار الفصل، وتآكل التربة، وإلحاق الضرر بالموارد المائية، وفقدان المواطن الطبيعية.
وقد لوحظ أن الضفة الغربية شهدت تغيرات بيئية نتيجة لسياسات الاحتلال واعتداءاته المستمرة على البيئة الفلسطينية، وإلحاق الضرر بها عبر الاستغلال المكثف والاستخدام الجائر لأغراض مختلفة لا تنحصر في الترفيه والزراعة وإنشاء المشاريع المائية الضخمة، ثم التخلص من هذه المياه بعد أن تصبح مياهاً عادمة (صناعية كانت أو منزلية أو زراعية) بعد ذلك في البيئة أيضاً، أو في محطات معالجة تسببت بأضرار بيئية صارخة، ما انعكس سلباً على التنوع الحيوي عامة في هذه المناطق، وأفقد الأحياء التي تسكن هذه المناطق موائلها الطبيعية، ما ألجأها للزحف نحو المزارع والمناطق الحضرية التي لم يكن تواجدها فيها ملحوظاً سابقًا، ما يجعل وجود هذه الزواحف عرضة للخطر.
وقد ازدادت شكاوى الفلسطينيين (من مزارعين وعمال وسكان في بعض مناطق الضفة الغربية) من ظهور متزايد للأفاعي، وتزايد حدوث لدغات لا تنتهي دوماً بسلام، ومشاهدة أنواع غير مألوفة من الأفاعي أحياناً، ما دفعهم إلى توجيه أصابع الاتهام إلى المستوطنين، خاصة أن لهم سجلًا تاريخيًا طويلًا لممارسات ضد البيئة الفلسطينية.
وحتى في حال عدم قدرتنا على إثبات التدخل المباشر للاحتلال في إدخال أنواع جديدة من الزواحف عامة؛ والأفاعي خاصة؛ أو التدخل في زيادة عدد السام منها في البيئة الفلسطينية، فإن تخريب التوازن البيئي بسبب الاستيطان الحثيث يؤدي بشكل غير مباشر إلى زيادة خطر الحياة البرية على التجمعات الفلسطينية، وهو ما يُعد شكلاً من أشكال الضغط البيئي؛ فالشعور الدائم لدى الفلسطيني بالتهديد من حيوانات برية مثل الأفاعي وغيرها يخلق شعوراً مستمراً لدى السكان بالقلق والتوتر، ويمنع المزارعين من التوجه لأراضيهم لزراعتها والعمل فيها، خصوصاً في مواسم الحر؛ ولا يمكن إغفال التهديد المتواصل الذي تُشكِّله المستوطنات والمعسكرات أو المناطق العسكرية المغلقة التي باتت تنتشر في كل مكان في الضفة الغربية، ما يدفع هذه الكائنات إلى البحث عن أماكن بديلة تستوطنها أو على الأقل تبحث عن الغذاء فيها.
الأفاعي ثروة طبيعية حريٌ بنا دراستها عن كثب، ونشر الوعي بكل ما يخصها ويتعلق بها، والحفاظ عليها، وعلى رأسها تتربع الأفعى الفلسطينية. فهي عدو بيولوجي للقوارض والزواحف والحشرات، وكذلك للأفاعي الأخرى الأصغر حجماً (السامة وغير السامة)، كما تشكِّل جزءًا مهمًا من السلسلة الغذائية، حيث تتغذى عليها مفترسات أخرى مثل الصقور والثعالب.
علاوة على ذلك، فإن سمَّها له فوائد مهمة، منها أنه يحوي مركّبات تُستخدم لاستخلاص علاجات لـالجلطات، وارتفاع ضغط الدم، والسرطان.
فضلاً عن أن تنوع الأفاعي في البيئات المختلفة (غابات، صحاري، أراضي زراعية) يعكس صحة النظام البيئي. والأبحاث العلمية أصبحت تعد الأفاعي مؤشراً لرصد التلوث البيئي، باستخدام قشورها لمراقبة التلوث بالعناصر الثقيلة في البيئة، ما يؤكد قدرتها على عكس مستوى التلوث في النظام البيئي.
وفي الختام، نرجو توخي الحذر والابتعاد عن الأفاعي وأماكن تواجدها، وتجنب قتلها والتسبب بالأذى لها.