خاص بآفاق البيئة والتنمية

مجددًا، بصحبة فريق "اِمشِ وتعرّف على بلدك"، تحت سماء صافية وفي أجواء مشمسة لكنها باردة، ومع ظهور أول براعم العشب الأخضر بدأنا مسارنا الأسبوعي، وبعدد تجاوز 70 مشاركاً، وقد سرّتنا مشاركة قائد ومؤسس فريقنا أنور حمام؛ بعد غياب طويل بسبب الانشغال.
وصلنا إلى بداية المسار بعد 30 دقيقة من مغادرتنا رام الله، وتبًا للأوضاع الراهنة التي حرمتنا من الوصول إلى المدينة المقدسة، إذ راودنا شعور غريب ونحن على مقربة منها لا يفصلنا عنها إلا جدار الفصل العنصري، لا نملك إلا أن نرسل لها أشواقنا مع طيور الصباح، في انتظار الساعة التي يأذن الله لنا بدخولها دون حواجز أو عقبات، أحلام ربما تتحقق يوماً ما، وأظن أنها ستتحقق.
يقول دليلنا عبد الفتاح حجي في وصفه للمسار: "يبدأ المسار من بيت عنان باتجاه خربة الجبيعة وهي أعلى تلة في المنطقة وتشرف على قطنة، وبيت عنان، وخربة اللحم، وقرى اللطرون، وبيت لقيا، وخربثا حتى الساحل الفلسطيني، ومن هناك نزولاً باتجاه الوادي، حيث أشجار الصنوبر، سنحظى باستراحة إفطار، وصولاً إلى بلدة خربثا المصباح، ومن ثم العودة باتجاه بيت عنان من الجهة الأخرى."
الوصول إلى بلدة القبيبة
توقفت بنا الحافلة قرب بيوت القرية، السكان ما زالوا نياماً، مشينا بين البيوت في طريق صاعدة وأمامنا حرش من أشجار الصنوبر يُطلق عليه "خربة الراس" أو "جبل راس النادر" وهي تقع بين بلدتي القبيبة وبيت عنان، صعدنا إليه حتى بلغنا قمته، وكان الصعود سهلاً.
الوصول لقمة التل المرتفع صاحبه ذهولٌ من إطلالته الساحرة على ما حوله من قرى، كانت المَشاهد آسرة من تلك القمة.
هذه الخربة من الحقبة الرومانية، وتحتوي على كثير من معاصر العنب وآبار تجميع النبيذ في ذلك الوقت، ويتوسط المكان بيت خرساني مربع الشكل، بدا أنه مكان للحراسة أو للصلاة.
كانت أشعة الشمس تحاول التسلل من خلال الأغصان في قمم أشجار الصنوبر المحيطة بالمكان. رأينا أمامنا بلدة قطنّة، وهي إحدى قرى شمال غرب القدس التي تعد "قرى مواجهة" منذ عام 1948، لذلك توجد فيها مدارس لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وبالمناسبة أعرف هذه البلدة جيداً، فقد عملت فيها زوجتي سبعة عشر عاماً معلمة للمواد الاجتماعية والتربية الإسلامية.
أخذنا استراحة قصيرة للتصوير، وبعدها نزلنا عن الجبل باتجاه الشارع الأسفلتي، متجهين إلى بلدة بيت عنان، النزول كان سهلاً، حيث رافقنا في هذا المسار نجيب حناوي، وهو من بلدة بيت عنان.
أدهشتنا فخامة القصور والفيلات على جانبي الطريق، وإحاطتها بأسوار من السلاسل الحجرية متقنة البناء، وبعضها تلّفها جدران حجرية فيها نقوش وزخارف رائعة؛ ما يدل على تمتع أصحابها بالثراء الفاحش.
وفي أثناء النزول، لاحت من بعيد القرى الفلسطينية القريبة من بيت عنان مثل بيت لقيا، وبيت سيرا، وبيت عور التحتا، ومستعمرة موديعين وغيرها، إضافة إلى أحراش اللطرون التي تُخفي بقايا القرى المهجرة مثل يالو وبيت نوبا وعمواس وغيرها، ثم سلكنا طريقاً ترابية متجهين غرباً، لتظهر لنا هضبة مرتفعة فيها خربة بيزنطية، يُطلق عليها "الجبيعة".
ماذا تعرف عن القبيبة؟
قرية فلسطينية تقع إلى الشمال الغربي من محافظة القدس، وقد احتلتها "إسرائيل" بعد حرب 1967.
تقع على ارتفاع 751 م فوق مستوى سطح البحر، وحسب إحصاءات عام 2017 بلغ عدد سكانها 3876 نسمة.
والقبيبة قرية تاريخية معروفة باسم عمواس، حيث يسود اعتقاد أن السيد المسيح اجتمع مع تلاميذه في هذه القرية، ولهذا يتوافد المسيحيون من أماكن مختلفة كل عام لإحياء المناسبات الدينية، وتتوسط القرية بِركة رومانية تاريخية ويحيطها عدد من الخِرب الرومانية القديمة.
علماً أن أصل تسميتها يعود لكثرة القِباب في بيوتها القديمة، فالقبيبة تصغير لكلمة قبة.
خربة الجبيعة
وصلنا إلى أطراف التل التي تُسمى "خربة الجبيعة"، ثم صعدنا إلى قمتها، ووجدنا بناء حجريًا فيه فتحة باب مقوسة، وعلمنا من مرافقنا نجيب أن هذا البناء هو "مقام العُمري" كما يطلق عليه، وقد أقيم في العهد العثماني.
عمل المجلس القروي على ترميمه سابقاً، وصُبّ سقفه من الخرسانة المسلحة، لكن العابثين هدموا السقف وبقيت شبكة الحديد فقط.
داخل المقام تُوجد آثار ضريح ومحراب، في حين يتمتع موقع "خربة الجبيعة" بإطلالة خلابة على عدد من القرى الفلسطينية المهجرة وغير المهجرة، وهي أعلى تلة في المنطقة وتشرف على قطنة، وبيت عنان، وبيت لقيا، وبيت سيرا، وخربثا المصباح، وبيت عور التحتا، وخربة اللحم، وقرى اللطرون المهجرة مثل يالو، وبيت نوبا.
إلا أن هذه الأجواء تعكرها مستعمرة موديعين وباقي المستعمرات الأخرى، التي أقيمت على أراضي هذه القرى؛ ولو كان الجو صافياً لشاهدنا الساحل الفلسطيني بوضوح، لكننا ما زلنا في بداية المربعانية التي تشهد هطول الأمطار. وكون الموقع بآثاره ينتمي للحضارة البيزنطية فإن فيه معاصر العنب وآبار النبيذ وجمع المياه كثيرة.
بعدها استرحنا قليلاً في المكان ثم غادرناه نزولاً، وكان النزول سهلاً مع أخذ الحيطة والحذر.
بيت عنان
قرية تتبع محافظة القدس، تقع في الجانب الشمالي الغربي لمدينة القدس، على قمة جبل؛ إلى الغرب من قرية القبيبة.
تبعد عن القدس 14 كم "هوائي" (المسافة الأفقية بين مرآز البلدة ومرآز مدينة القدس)، يحدها من الشرق بيت دقو والقبيبة، ومن الشمال أراضي بيت دقو وأراضي الطيرة (محافظة رام الله)، ومن الغرب أراضي بيت لقيا (محافظة رام الله)، ومن الجنوب قطنة وخرائب أم اللحم.
كثير من المباني القديمة توجد في القريـة، ويا للأسف أنها مهجورة، وفقاً لموسوعة القرى الفلسطينية، وفيها أيضاً كثير من الخرب مثل خربة الجبيعة، وخربة قاع الحوش، وخربة المسقاة، وخربة الجديرة، وخربة الكبوش، وخربة زنانير عنقوش، وخربة البريج، وخربة المطري (المدبسة)، وخربة الهضاب.
أصل التسمية
اختلف الباحثون في أصل تسمية القرية، فـ "العنان" لغوياً تعني الارتفاع، وقد أطلق عليها الشهيد عبد القادر الحسيني لقب «بيت الأمان» لاحتضان القرية له ولجوئه إليها عدة مرات إبان حرب 1948.
ويُرجح أن تكون التسمية عائدة إلى اسم الشيخ «حسين عنان» الذي سكن القرية مع موجات الفتح الإسلامي لفلسطين، حسبما أورد الدكتور جاسر العناني في كتابه «بيت عنان أرض وتاريخ».
ومما يذكره الدكتور العناني في هذا الكتاب أن المقام الموجود في جبل الراس يعود بنا إلى حقب زمنية بعيدة تصل جذورها إلى الفترات الكنعانية، وهذا ما يؤكده ناصر جمهور في بحثه عن آثار القرية، وقد وردَ في مقالته «أهم الخرِب والآثار في أراضي بيت عنان»؛ وللقرية جذور تعود لفترات تمتد إلى ما قبل 3000 عام.
لم ندخل بلدة بيت عنان، وإنما مشينا في أراضيها ووسط أشجارها ووديانها وخرِبها، سالكين طريقاً ترابية، ومن ثم انعطفنا نحو اليسار وبدأنا نصعد في طريق ضيقة بين السلاسل الحجرية، فيها أشجار الزيتون والصنوبر.
"هذه خربة الجديرة" يقول لنا نجيب حناوي ابن البلدة، وتقع غربي القرية، وهي غالبًا امتداد طبيعي لخربة الجديرة وتقع إلى الشرق منها، وتضم كثيرًا من المقابر والكهوف التي اُستخدمت صوامع للتخزين وأرضيات صخرية ومعاصر للخمور، معظمها لا تزال ظاهرة للعيان؛ والموقع كان مهملاً واُستخدم مكبًا للنفايات لفترات.
وفي الخربة بقايا آثار معاصر للعنب، وتتمتع بإطلالة رائعة على القرى المحيطة ببلدة بيت عنان والساحل الفلسطيني، ومجدداً أخذنا استراحة قصيرة، قبل أن نغادرها باتجاه "خربة زنانير عنقوش" التي وصلنا إليها بعد ساعة من المشي.
تقع "زنانير عنقوش" فوق هضبة حرجية مزروعة بأشجار الصنوبر والبلوط، وأرضها صخرية ومحفور فيها معاصر العنب وآبار تخزين النبيذ، ولها إطلالة رائعة أيضاً على قرى بيت عور التحتا، وخربثا المصباح، وبيت سيرا، وبيت لقيا، والساحل الفلسطيني.
ومن المهم أن ندعو لإزالة مخلّفات المتنزهين في هذا الموقع، فإحدى الحفر المحفورة في الصخر أصبحت مكاناً لإلقاء النفايات، وأعتقد لو أن المجالس القروية عملت على وضع الحاويات والإشارات التحذيرية لزيادة الوعي بالاهتمام بالبيئة والحفاظ على النظافة، ربما لكان حالها أفضل.
وادي سلمان
غادرنا خربة "زنانير عنقوش" نزولاً باتجاه وادي سلمان، كان النزول عن الجبل فيه صعوبة بسبب وعورته الشديدة مما تتطلب الحذر خشية الانزلاق.
على يسارنا ظهر قاطع صخري مُشكلاً من صخوره أشكالاً طبيعية رائعة، وأمامنا كانت أشجار الصنوبر الباسقة، تحت ظلالها استمتعنا بوجبة الفطور، وفي الأسفل منا ظهر وادي سلمان والمضارب البدوية لعرب أبو داهوك على امتداد الوادي، وعلى يميننا أطلال قرية "الطيرة"، وأمامنا أطلال بلدة بيت عور التحتا، وعلى يسارنا أطلال بلدة خربثا المصباح، مشهد الإطلالة حقاً لم يفارقنا، ثم تابعنا النزول نحو وادي سلمان.

في الوادي يوجد تجمعات للبدو، منازلها مصنوعة من ألواح الصفيح (الزينكو) تُستخدم منامةً للسكان وزرائب لمواشيهم، كان من الواضح مدى الاهتمام بتلك التجمعات البدوية، فهذه البيوت بُنيت بمنح من منظمات دولية عدة، كما أنها زُوّدت بالخلايا الشمسية لتوليد الطاقة الكهربائية النظيفة.
صمود تلك التجمعات على الأرض ساعد على حمايتها من اعتداءات المستوطنين ومصادرة الاحتلال لها، كما أن وجود سكان هذه التجمعات يشكّل تحدياً للاحتلال ومستوطنيه، واللافت أن مدرسة التجمع البدوي حملت اسم "مدرسة التحدي الأساسية المختلطة".
أخيراً، وصلنا إلى الحافلة في بلدة خربثا المصباح، بعد أن قطعنا مسافة 12 كيلومتراً، في أجواء رائعة "للمربعانية" الفلسطينية، تسنى لنا التعرف لجزء من أرضنا الفلسطينية المقدسة، التي ما زالت صامدة في وجه المحتل واعتداءاته، تتمسك لآخر نّفس بيقينها في أن الحق سيعود لأصحابه، فلا يتنازل أهلها عن المطالبة به، ومهما بلغت التضحيات لن تضيع الدماء هدراً.
