خاص بآفاق البيئة والتنمية
بالتعاون بين مجلة آفاق البيئة والتنمية ومركز العدل البيئي في جمعية الجليل
|
لا تقع قريّة الفرعة البدوية الفلسطينية في صحراء خاليّة – كما قد يُخيّل للبعض - بل إنها لا تبعد إلا نحو 5 كيلومترات عن واحدة من أكثر المستوطنات الإسرائيلية تطورًا في صحراء النقب، حيث الماء والكهرباء والخدمات على أكمل وجه – عراد. بينما في قرية الفرعة وغيرها من القرى البدوية المجاورة لا يزال سكان هذه القرى يحلمون بالحق في الكهرباء ويُناضلون من أجله من سنوات طويلة في أروقة المحاكم، وتحديدًا طلب مد المدارس بالكهرباء الذي رُفض؛ وفوق هذا، وجدت القرية نفسها تناضل من أجل البقاء بعد تهديدها بالتهجير، بسبب منجم الفوسفات الذي قد يبتلع القرية إن تم الموافقة عليه. كما تعاني القرية من غياب تام للبنية التحتية الأساسية: لا تخطيط هيكلي، ولا كهرباء، ولا صرف صحي، ولا خدمات صحية أو نقل عام.
|
 |
| صورة تجسد شكل من أشكال مُعاناة طلاب المدارس في النقب – من موقع عدالة |
لا تقع قريّة الفرعة البدوية الفلسطينية في صحراء خاليّة – كما قد يُخيّل للبعض - بل إنها لا تبعد إلا نحو 5 كيلومترات عن واحدة من أكثر المستوطنات الإسرائيلية تطورًا في صحراء النقب، حيث الماء والكهرباء والخدمات على أكمل وجه – عراد. بينما في قرية الفرعة وغيرها من القرى البدوية المجاورة لا يزال سكان هذه القرى يحلمون بالحق في الكهرباء ويُناضلون من أجله من سنوات طويلة في أروقة المحاكم، وتحديدًا طلب مد المدارس بالكهرباء الذي رُفض؛ وفوق هذا، وجدت القرية نفسها تناضل من أجل البقاء بعد تهديدها بالتهجير، بسبب منجم الفوسفات الذي قد يبتلع القرية إن تم الموافقة عليه.
تقع قرية الفرعة في صحراء النقب الشرقية، ويقطنها نحو 6000 نسمة[1]. ورغم الاعتراف الرسمي بها عام 2006، لا يزال هذا الاعتراف شكليًا، حيث تعاني القرية من غياب تام للبنية التحتية الأساسية: لا تخطيط هيكلي، ولا كهرباء، ولا صرف صحي، ولا خدمات صحية أو نقل عام.
"شبكة الطاقة الوطنيّة".. مصدر تهديد لا مصدر صمود!
في الفرعة، تخترق أسلاك الضغط العالي سماء منازل الصفيح، لتنقل الكهرباء إلى مستوطنة عراد من فوق رؤوس أهالي الفرعة، فلا يستفيد من هذه الشبكات وفوق ذلك فإنها كثيرًا ما هددت حياتهم وأمنهم، فقد دوّنت تقارير حقوقية حادثة انقطاع كابل عالي الجهد وتدلى فوق المنازل لثلاثة أيام دون أي تدخل من السلطات المسؤولة[2].
في الماضي اعتمد السكان على مولدات ديزل ملوثة للبيئة وتصدر ضجيجًا لا يحتمل وكان يشترك فيها الجيران بسبب مصاريف التشغيل والصيانة العالية إلى أن بدأ التحول للاعتماد على خلايا شمسية من خلال نُظم صغيرة ومتواضعة بالكاد تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية، خاصة في فصل الشتاء، حيث يُمكن أن تنقطع الكهرباء في الأيام الغائمة أو يتقلص إنتاجها بشكل كبير، ما يُفاقم الفقر الطاقي، بالأخص بين الفئات الاكثر عوزًا للطاقة، كالمرضى وكبار السن الذين قد يحتاجون لأجهزة طبيّة خاصّة لا يمكن تشغيلها بواسطة نظم شمسية متواضعة.
مدارس بلا طاقة: معاناة بعد معاناة!
وجود المدارس في قرية الفرعة ليس مفهومًا ضمنا، كما هي الحال بالنسبة لمعظم الحقوق كالماء؛ ففي القرى البدوية في النقب معظم الحقوق تم انتزاعها بفضل جهود حثيثة لمؤسسات حقوقية استمرت لسنوات طويلة.
المدرسة الثانوية الوحيدة في القرية أُنشئت عام 2009 بجهود الأهالي ومؤسسة عدالة، لكنها لا تزال تعاني من الحرمان الطاقي، حيث تُشغل بمولدات مؤقتة تكلف 22,000 شيكل شهريًا، مقارنة بـ 9,200 شيكل فقط لو تم توصيلها بالشبكة (على غرار مدارس بلدة عراد الإسرائيلية مثلا).
حتى المحكمة الإسرائيلية العليا اعتبرت قضية حرمان المدارس من الطاقة بأنها "وصمة عار"، ومع ذلك فإن مدارس الفُرعة ليست وحدها المحرومة من الكهرباء. بحسب الالتماس الذي قُدِّمَ للمحكمة العليا فإن عدد المدارس المحرومة من الكهرباء تصل إلى 23 مدرسة بدوية في النقب تخدم أكثر من 23,000 طالب. يتعلم الطلاب في ظروف لا إنسانية، بلا تكييف في "صيف النقب الحارق" أو تدفئة في "برد الصحراء القارس"، ما يكشف خطورة الفقر الطاقي على سير العملية التعليمية.

مبنى مدرسة في قرية بئر هداج وهو مبنى حديث إلا أنه محروم من الكهرباء مثل بقيّة المدارس ويفتقر إلى طرق معبدة.
وفقًا لنفس الالتماس الذي قُدم إلى المحكمة العليا بشأن مدارس القرى البدوية جاء أيضًا أن المدارس تعتمد على مولدات طاقة ملوثة للهواء وذات ضجيج صاخب تعمل لمدة 6-7 ساعات يوميًا فقط، ما يحرم الطلاب من أي نشاط تعليمي بعد الساعة 14:00.
كما أن تشغيل هذه المولدات يضيف المزيد من التكاليف الباهظة لتشغيلها تفوق كثيرا كلفة ربط المدارس بالشبكة، ما يكشف عن سياسات غير عقلانية تكرس الفقر الطاقي. كما جاء في الالتماس وجود فجوة صارخة بين المدارس البدوية وغيرها وهو ما يعكس تمييزًا هيكليًا تصفه المحكمة بأنه "مهين ومذل".

صورة نادرة توثق أولى المبادرات لتزويد المدارس بالكهرباء وتحديدا في قرية أبو كف، حيث يقف المهندس أشرف يحيى من مدينة كفر قرع أمام لوحات قام بتركيبها قبل نحو 30 عامًا.
مولدات لترسيخ الإقصاء والحرمان!
موضوع المولدات الكهربائية التي تعمل بالديزل من القضايا الشائكة جدًا في النقب، وهناك علامات سؤال كبيرة حول الموضوع لدرجة تصل اللامنطق. يؤكد معيقل الهواشلة - المُركز الميداني للمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، على أن بدائل الدولة غير مجدية، مشيرًا إلى أن الرد على مطالب ربط المدارس والعيادات بالكهرباء كان توفير مولدات ديزل، دون أدنى اعتبار للتكلفة البيئية والاقتصادية. ويتساءل عن المنطق في رفض توصيل الكهرباء لمدرسة تبعد كيلومترين عن محطة قطرية بحجج تنظيمية واهية، والاكتفاء بحلول مؤقتة ترسخ حالة الحرمان الطاقي.
كذلك نجد المحامي مروان أبو فريح من مؤسسة عدالة، يوضح كيف تتنصل الوزارات المختلفة من مسؤولية توفير الكهرباء للقرى، ما يديم حالة الحرمان الطاقي. ويكشف عن إنفاق الدولة مبالغ طائلة على مواصلات الطلاب سنويًا، بدلًا من الاستثمار في بناء مدارس مجهزة وربطها بالبنية التحتية، معتبرًا ذلك هدرًا مقصودًا يخدم مخططات تفريغ القرى وتهويد الأرض.
مبادرات ناعمة.. في مواجهة سياسات متوحشة!
مخططات تفريغ القرى البدوية وتهويدها ليست جديدة، فهناك جهات تعمل عليها ليل نهار مثل جمعية "ريغافيم" الصهيونية والتي تحرّض على الوجود العربي في النقب وتساهم في نشر أبحاث وكتب تحت عناوين جذّابة للقارئ الإسرائيلي مثل "بدو ستان" الذي يروّج بأن الدولة تفقد السيطرة على النقب[3].

منظومة طاقة شمسية تم تفكيكها من رياض الأطفال في النقب – تصوير أيوب ميمونة وشمسنا
في التصدي لهذه السياسية المتوحشة، نجد العديد من الجمعيات المدنية الإسرائيلية اليسارية تُحاول حل القضية بوسائل "ناعمة"، مثل مشروع لإنتاج مياه شرب من الهواء أو حتى تطوير مركز لإنتاج الكهرباء Off grid Hub وهي مراكز لإنتاج كهرباء بالكاد تكفي للاحتياجات الأساسية؛ كما نجد طلابا من مدارس الفرعة يفوزون بجائزة لحلول مبتكرة في مجال الطاقة في مسابقة عربية-يهودية [4].
كذلك نجد مبادرات مثل تشغيل محطة مستقلة لتنقية المياه في المركز التعليمي في قرية الفرعة، نُفذت بواسطة شركة "Lagoona Innovation" وتم الترويج لها باعتبارها جزءًا من رؤية بيئية تهدف إلى توفير مياه صالحة للاستخدام وإنشاء مساحة خضراء وحديقة عامة يستفيد منها السكان[5].
بعض هذه المبادرات تُستخدم (أحيانا) لتجميل صورة الدولة وتجاهل حقيقة أن أكثر من 99% من البيوت لا تزال محرومة من الكهرباء، ما يؤكد على أن هذه الحلول الجزئية لا تحقق العدل الطاقي المنشود.
مُحاصرة المبادرات .. ومساعي التهجير إلى "عُلب السردين"
بالإضافة إلى ذلك، تواجه هذه المبادرات نفسها (أحيانًا) خطر الهدم والتفكيك، كما حصل في قريتي أم بطين والغرا بتاريخ 19/7/2025 في رياض الأطفال التي تحتضن أكثر من 200 طفل[6]، من جهة السلطات الإسرائيلية التي عللت تفكيك النظام الشمسي بعدم وجود التراخيص اللازمة، وهي نفس الحُجة التي تتكرر على مسامع أهالي النقب في كل عمليات الهدم[7].
في حديث مع الناشط الحقوقي خليل العمور عن القرار أكد بأنه لم يتفاجأ من القرار. وأن "الظلم له عده أبواب في هذه الدولة والنتيجة/ الهدف واحد: التضييق على أهالي القرى البدوية حتى تترك ارضها وتراثها وتُحشَر في علب السردين التي أنشأتها الدولة".
الجدير بالذكر أن مصطلح "علب السردين" يستخدم بين أهالي النقب للإشارة إلى البلدات التي أقامتها الحكومة لتركيز البدو بعد تهجيرهم من أراضيهم الأصلية.

مدرسة في قرية الزرنوق (أبو قويدر) حصلت على الكهرباء بعد نضال قانوني طويل، بينما البيوت المحيطة بالمدرسة محرومة من الارتباط بشبكة الكهرباء القطرية – تصوير عمر عاصي
منجم الفوسفات.. تهديد وجودي للعدالة البيئية وحقوق السكان
خلال مقابلة مع المحامية ميسانة موراني من مركز "عدالة"، أكدت بأنه لا يكفي سكان قرية الفرعة بأنهم محرومون من حقوقهم الأساسية، بل هناك مخططات تهدد وجودهم أصلًا مثل مخطط منجم الفوسفات المخطط إقامته على أراضي قريتهم.
وفقًا لـ"عدالة"، في آذار2018 صادقت الحكومة الإسرائيلية على مخطط وطني للتعدين والمحاجر يخصص له 26 ألف دونم لاستخراج الفوسفات في منطقة الفرعة، منجم "سدي برير"، غير آبهة بوجود 4 قرى عربية ضمن هذه المساحة، وهي الفرعة (قرية معترف بها)، الزعرورة، عزة، قطمات (قرى مسلوبة الاعتراف)، ما سيعرض آلاف السكان للمخاطر الصحية وسيؤدي لتهجر نحو 500 منزل بشكل فوري[8].
وبالتالي، فإن مشروع منجم الفوسفات في "سدي برير" يجسد تهديدًا وجوديًا للفرعة والقرى المجاورة، حيث يتجاهل وجود آلاف السكان ويعتمد على افتراض تهجيرهم، وهو ما يجسد مدى الظلم والإقصاء الذي يتعرض له البدو في النقب، وكأن لا يكفيهم الصراع اليومي من أجل الحقوق الأساسية كالكهرباء، ومخاطر خطوط الكهرباء فوق رؤوسهم، فهم يُناضلون يوميًا من أجل البقاء.

صورة لقرية الزعرورة المهددة بالتهجير وهي بلا خدمات كالمدارس والكهرباء وشبكات المياه وجمع النفايات.
الطاقة.. وصراع البقاء!
ختامًا، الفرعة تعيش كغيرها من القرى التي تصارع من أجل البقاء، والمفارقة أن نجدها تُعاني كل هذه المعاناة بينما هناك آلاف حقول الطاقة الشمسية تُقام في محيطها ويتم الترويج لها بأنها مشاريع لتخضير الصحراء وتحقيق الاستدامة في الأرض، بينما في الواقع يُحرم الأطفال في مدارس الفرعة والنقب، على بعد عشرات الكيلومترات من حقول الطاقة الشمسية، من الكهرباء أصلًا؛ وفوق هذا، يُفرض على هذه القرية الفقيرة أصلًا مخططات تجعل حياة أهلها جحيمًا، من أجل مشاريع تنموية لا تخدم إلا رؤوس الأعمال الصهيونية[9] التي لا ترى في القرى البدوية إلا مُجرد إزعاج لا بُد من إزاحته، من أجل "تطوير الصحراء".
[2] في منطقة الإقصاء: الصحة في القرى البدوية غير المعترف بها في النقب – تأليف وبحث أورلي ألمي، نشر رابطة الأطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل، عام 2003، تل أبيب.
[6] صحيفة كل العرب، النقب: قرار مؤسف بتفكيك ونقل الأنظمة الشمسية في رياض وبساتين قريتي أم بطين والغرا: 19/7/25