بئر الأمل دفنوه بـ" الباطون": كيف حوّلت إسرائيل الماء إلى سلاح ضد المزارع الفلسطيني؟
خاص بأفاق البيئة والتنمية
|
في قلب قرية بيت دجن شرق نابلس، حيث تغفو الدفيئات البلاستيكية على امتداد 500 دونم من الأراضي الزراعية، كان خرير الماء من بئر ارتوازية حديثة النعمة، بمثابة نَفَس الحياة للمزروعات، وملاذًا للفلاحين العائدين إلى الأرض بعد انقطاع. لكن ذات صباح، ابتلعت الخرسانة الإسرائيلية هذا الشريان الأخضر، فارتفع العطش، وانكشفت الأرض، وضاعت مواسم كاملة، ومعها آمال عشرات العائلات. في بيت دجن، الماء لم يكن مجرد مورد، بل رمزًا للعودة إلى الأرض، وللبقاء في وجه المخطط الاستيطاني. جرافات الاحتلال ردمت البئر، لكنها فشلت في ردم الإرادة، وبينما تسعى إسرائيل لحرمان الفلسطيني من مائه، فإن كل قطرة صمود تروي جذور البقاء.
|
 |
| الاحتلال يستقدم الباطون لردم البئر الارتوازي في بيت دجن |
في قلب قرية بيت دجن شرق نابلس، حيث تغفو البيوت البلاستيكية على امتداد 500 دونم من الأراضي الزراعية، كان خرير الماء من بئر ارتوازية حديثة النعمة، بمثابة نَفَس الحياة للمزروعات، وملاذًا للفلاحين العائدين إلى الأرض بعد انقطاع.
لكن ذات صباح، ابتلعت الخرسانة الإسرائيلية هذا الشريان الأخضر، فارتفع العطش، وانكشفت الأرض، وضاعت مواسم كاملة، ومعها آمال عشرات العائلات.
في مشهد تختلط فيه حرارة الشمس بمرارة الواقع، يتحدث المزارع صالح نصر حج محمد من قرية بيت دجن؛ شرق نابلس، وهو واقف بين دفيئاته الزراعية التي تضم نحو 15 دونمًا من الفلفل الملون والبندورة، وقد بدت عليه علامات القلق الشديد على موسمه الزراعي.
يقول صالح: "كنا نعتمد على بئر المياه القريبة، قبل أن تردمها سلطات الاحتلال أخيراً بالخرسانة. بعد الردم، اُضطررنا للاشتراك في توزيع المياه عبر المجلس البلدي المشترك، لكن الكميات قليلة جدًا؛ "بنصبر وبنقسّم المي بينا وبين باقي المزارعين، والموسم على المحك".
وأوضح أن التوزيع الجديد لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات الري، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.
يشرح لنا: "كل دونم بحاجة يوميًا لخمسة أكواب ماء، "لكن اللي بوصلنا أقل من النص. بنسلّك بحالنا... بس الخوف نضيع الموسم كله".
ويشير صالح إلى أن الضرر بدأ يظهر بوضوح على المزروعات، خصوصًا الخيار والبندورة، مبينًا:
"الخيار تضرر مباشرة، والبندورة قلّ إنتاجها، حتى العقد ضعف، وظهرت آفات كثيرة بسبب العطش، وبطبيعة الحال النبتة العطشانة تصبح عرضة للمرض والذبول".
وتزداد معاناة صالح ومزارعي بيت دجن مع التكلفة الباهظة للحصول على المياه.

الاحتلال يستقدم الباطون الجاهز لردم البئر الارتوازي في بيت دجن
شامخ حنايشة (32 عامًا)، مزارع من بلدة بيت دجن شرقي نابلس، لا يزال يعيش على وقع الصدمة منذ لحظة وقوف جرافات الاحتلال أمام بئره التي بناها بكفاحه وشركائه لتكون شريان الحياة لأهالي البلدة.
يقول حنايشة: "حفرت البئر قبل ثلاث سنوات، بعد ما تعبنا من شح المياه، صارت هي المصدر الرئيس لمياه بيت دجن، للشرب والزراعة. البئر مرّخصة من السلطة الفلسطينية، وبعدها صارت البلدة مكتفية مائيًا، ولم تعد هناك حاجة لنقل المياه بصهاريج أو حتى انتظار الدور".
في أعقاب السابع من أكتوبر 2023، ومع توقف آلاف العمال عن دخول مناطق 48، عاد كثير من أبناء بيت دجن إلى الأرض، فانتشرت الدفيئات البلاستيكية، ونشطت الزراعة، وأعادت البئر شريان الحياة لمناطق كانت مهمشة ومهددة بالمصادرة في ما يسمى مناطق "ج".
يكمل حديثه بعفوية البسطاء: "هذا المشهد ما عجب الاحتلال؛ شافوا المزارعين راجعين لأراضيهم، فيها مي وكهربا وزراعة، فصار المستوطنين يوميًا يضيّقوا علينا، ويهاجمونا، لكن الناس ظلت صامدة".
ويردف قائلاً: "الاحتلال جاء ليكمل ما بدأه المستوطنون، صادروا كل معدات الكهرباء، ومضخات المياه، خمس مضخات كانت تغذي بِرك المزارعين، وبعدها ردموا البئر بالباطون، أغلقوه كاملًا، البئر موجودة في منطقة (ب)، وليس حتى (ج)، ومع ذلك لا رادع لهم".
البئر التي تجاوزت تكلفتها 2 مليون شيقل، كانت مشروعًا مشتركًا بين شخصين، وتؤّمن مصدر دخل لأسرتين، إضافة إلى عشرات العائلات التي كانت تستفيد منها في ري أراضيها.
يستمر حديثه: "تلك البئر كانت قصة نجاح وكفاح، تنتج يوميًا تقريبًا 900 كوب، وتكفي احتياجات حوالي 80 مزارعًا، كلٌ منهم عنده عمال وأيدٍ عاملة، ليست كمية ضخمة، لكنها كانت تكفينا، لكن الاحتلال خاف من الحياة التي عادت تدب في أراضينا، فقرر قتلها من الجذور".
جدير بالذكر أن قوات الاحتلال ردمت بئري مياه بالإسمنت في بلدة بيت دجن؛ شرق نابلس.

المحاصيل بدأت بالجفاف بعد أن قطع الاحتلال المياه عنها
اعتداء ممنهج على الأمن المائي
بدوره، يؤكد عادل ياسين مدير عام التخطيط في سلطة المياه والناطق باسمها، أن حادثة ردم بئرَي بيت دجن بالإسمنت، تأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف تقويض الأمن المائي والغذائي للفلسطينيين، خاصة المزارعين، بهدف دفعهم إلى ترك أراضيهم والنزوح نحو التجمعات السكنية.
وأوضح ياسين أن هذه الممارسات ليست معزولة، بل تتكرر في مناطق مختلفة مثل ينابيع دير أبو مشعل وعين بوبين، وجنوب الخليل، وشلالات العوجا، وعين سامية وغيرها.
وأشار إلى أن سلطة المياه، فور وقوع الحادثة، وفّرت للمزارعين صهريج مياه تابع لإدارتها، لضمان استمرار ري الدفيئات المتضررة، إلى جانب حلول آنية أخرى وفرتها في مناطق مختلفة مثل تزويدهم بخزانات مياه وشبكات أنابيب مؤقتة، وصهاريج متنقلة، وأحيانًا شراء عبوات مياه معدنية، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات تعد إسعافًا أوليًا لحماية الإنتاج الزراعي إلى حين إيجاد حلول فنية أكثر استدامة.
"الأمن المائي والغذائي أساس قيام أي دولة، ولا دولة دون أمن مائي أو غذائي، والاحتلال بسياسة ممنهجة يستهدف مباشرة القضاء على الأمْنَيْن معاً بوسائل مختلفة، تتضمن السيطرة على مصادر المياه ومصادرة الأراضي الزراعية والرعوية" بهذا يعرب ياسين عن قلقه.
وفي سياق الحديث، يذكر أن عشرات الدفيئات البلاستيكية في بيت دجن كانت تعتمد على البئرين المردومتين، في حين أن نقل المياه بالصهاريج لا يعوض الفاقد من حيث الكمية أو الكفاءة، ما ينعكس على الإنتاج الزراعي ويضعف جدواه الاقتصادية، محذرًا من أن ارتفاع تكاليف شراء المياه قد يدفع المزارعين إلى ترك أراضيهم.

بئر الماء في بيت دجن بعد أن ردمته قوات الاحتلال بالاسمنت
تمييز مائي صارخ بين الفلسطينيين والمستوطنين
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، قال ياسين إن الاحتلال لا يلتزم بأي اتفاقيات أو قوانين دولية، مضيفاً: "نحن تحت احتلال لا يعترف بالاتفاقيات، وينفذ ما يخدم إستراتيجيته دون اعتبار لأي التزامات".
وبشأن التمييز الواضح في توزيع المياه، يفصّل هنا: "تصل المياه إلى بعض المدن الفلسطينية مرة كل 60 أو 70 يومًا، في حين يحصل المستوطن (الفرد) على نحو كمية تتفاوت من 300 إلى 500 لتر يوميًا على مدار الأسبوع دون انقطاع، ما يعني أن أزمة المياه لا علاقة لها بشحها، فما يحدث هو سياسات ممنهجة تهدف إلى تضييق العيش على كل ما هو فلسطيني، في إطار سياسة شاملة لخنق الحياة الفلسطينية".
ومن جهته، عدّ منجد أبو جيش مدير عام الإغاثة الزراعية في شمال الضفة الغربية، ردم قوات الاحتلال الإسرائيلي أخيراً الآبار في بلدة بيت دجن، "يشكل جزءًا من سياسة ممنهجة تستهدف ضرب المزارع الفلسطيني والسيطرة على مصادر المياه".
إحدى هذه الآبار كانت تغذي منطقة زراعية تُعرف بـ"الزاوية" في بيت دجن، تمتد على نحو 500 دونم، منها 100 دونم مزروعة داخل دفيئات، معظمها بالبندورة، وفي ذروة موسم الإنتاج، كما يقول.
وأضاف أبو جيش أن هذه الخطوة تسببت بخسائر مباشرة في الإنتاج الزراعي، وأثرت على الأمنين المائي والغذائي المحلي، نظرًا لكون الآبار الارتوازية مصدرًا حيويًا لتأمين مياه الري.
ويستطرد: "دأب الاحتلال على استهداف الآبار وشبكات المياه في مناطق فلسطينية مختلفة، بهدف إحكام السيطرة على الموارد المائية وفرض واقع اقتصادي خانق على المزارعين".

قوات الاحتلال كسرت وصلات المياه في قرية بيت دجن
وعن دور الإغاثة الزراعية في هذا الصدد، قال: "تدخلت في غضون 48 ساعة من الحادثة، وتمكنت من توفير خط بديل من الشبكة الرئيسة في البلدة، ما ساهم في إنقاذ جزء من الموسم الزراعي، مستدركاً: "لكنه حل مؤقت لا يغطي كامل احتياجات المزارعين، فيما الحل الجذري يتطلب إعادة ترميم البئر المدمرة أو إنشاء بئر بديلة".
وتوّقع أبو جيش تراجع الموسم الزراعي القادم بنسبة تفوق 50% جراء استمرار أزمة المياه، إذ سيتردد كثير من المزارعين في الاستثمار في زراعة أراضيهم دون ضمان توفر المياه.
وبدا مشفقاً على حال المزارعين في بيت دجن، لما يواجهونه من خسائر مضاعفة هذا الموسم، بسبب ارتفاع تكلفة المياه وانخفاض أسعار البندورة في السوق الفلسطينية، ما يهدد جدوى الإنتاج الزراعي في المنطقة.

جيش الاحتلال يداهم بئر مياه ارتوازاي خاص بأحد المواطنين ويعمل على مصادرة مضخة المياه والمعدات الكهربائية
المياه سلاح للتهجير القسري
يخبرنا عبدالله أبو رحمة، مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الاعتداءات على مصادر المياه في الضفة الغربية هي جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة ممتدة منذ سنوات، لكنها شهدت تصعيدًا نوعيًا منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة مطلع عام 2023.
ويرى أن الاتفاقات الائتلافية التي جاءت بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى الحكومة، منحتهما صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية وتسليح المستوطنين، ما أعطى "ضوءًا أخضرَ" للمليشيات الاستيطانية لمضاعفة اعتداءاتها، بما في ذلك السيطرة على مصادر المياه.

جيش الاحتلال يصادر مضخة المياه والمعدات الكهربائية في بئر مياه ارتوازاي خاص بأحد المواطنين
استهداف التجمعات البدوية
وبخصوص المرحلة الأولى من هذه السياسة، أفاد أبو رحمة أنها ركزت على التجمعات البدوية، نظرًا لاعتمادها الكبير على الينابيع وآبار جمع مياه الأمطار لرعي مواشيها وري محاصيل الأعلاف.
وعقّب بقوله: "عمد المستوطنون إلى السيطرة على هذه المصادر، ما أدى إلى تقليص المراعي وتقييد وصول المياه، ما جعل استمرار حياة هذه التجمعات شبه مستحيل".
"وماذا بعد السابع من أكتوبر.. كيف تصاعدت الانتهاكات؟"، يجيبني: "لم يكتفوا بالسيطرة على مصادر المياه، بل أضافوا التهديد المباشر بالسلاح، والاعتداء على المنازل والمدارس، وصولًا إلى التهديد بالقتل. ما أدى إلى تهجير 33 تجمعًا بدويًا، كان آخرها تجمع عرب الجهالين قرب رأس كركر؛ شمال شرق رام الله".
ويربط أبو رحمة بين هذه الاعتداءات وتراجع النشاط الزراعي، خصوصًا في الأغوار الشمالية، حيث يعتمد المزارعون على الآبار الارتوازية.
ويشير إلى أن الإدارة المدنية الإسرائيلية لا تكتفي بمنع ترخيص آبار جديدة، بل تردم أيضاً الآبار القائمة، حتى في ما يسمى مناطق "أ" أو "ب" المرخصة من سلطة المياه الفلسطينية، كما حدث أخيراً في بيت دجن شرقي نابلس، حيث رُدمت بئر كانت تغطي مساحات زراعية واسعة.
ويزيد بالقول: "بعد 7 أكتوبر، لم تصدر الإدارة المدنية أي ترخيص جديد لحفر آبار ارتوازية، حتى في المناطق التي تسمح بها الاتفاقيات. وفي المقابل، تمر خطوط مياه المستوطنات قرب التجمعات الفلسطينية التي تُحرم من إيصال المياه إليها".

دخول عدد من مركبات الاحتلال برفقة رافعة لقرية بيت دجن واقتحام بئر المياه المغذي لمياه الشرب في القرية
اعتداءات متنوعة ومتصاعدة
وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عشرات حالات السيطرة على ينابيع المياه وآبار الجمع منذ مطلع 2023، إضافة إلى قطع خطوط المياه عن قرى كاملة، كما جرى في عقربا ومجدل بني فاضل، ومصادرة خزانات المياه وجرارات نقل المياه، يقول أبو رحمة.
ومما يثير المخاوف، تكرار الاعتداءات على بعض الينابيع التي تغذي مئات آلاف المواطنين في محافظة رام الله، معتبرًا ذلك "تطورًا خطرًا يمس الأمن المائي مباشرة".
ويختم أبو رحمة حديثه: "المياه في الضفة الغربية هي حق فلسطيني، وفق كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية، إلا أنها تُستخرج من أراضينا وتُباع لنا بأسعار مرتفعة، مع فرض قيود صارمة على كمياتها، ما يحدث ليس مجرد اعتداءات متفرقة، بل حربًا منظمة على المياه تستهدف الأرض والإنسان معاً".
في بيت دجن، الماء لم يكن مجرد مورد، بل رمزًا للعودة إلى الأرض، وللبقاء في وجه المخطط الاستيطاني. جرافات الاحتلال ردمت البئر، لكنها فشلت في ردم الإرادة، وبينما تسعى إسرائيل لحرمان الفلسطيني من مائه، فإن كل قطرة صمود تروي جذور البقاء.

قوات الاحتلال تردم بئر الماء في بيت دجن بالاسمنت
وذكرت سلطة جودة البيئة في تقريرها الربعي الثاني لعام 2025، الذي يوثق الانتهاكات الإسرائيلية المرتكبة بحق البيئة الفلسطينية في الفترة الممتدة من نيسان حتى حزيران من العام الجاري، أن الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه ارتكبوا ما مجموعه 155 انتهاكاً بيئيًا، أبرزها تدمير آبار مياه، حيث دمروا 15 بئر مياه في محافظات رام الله والخليل وبيت لحم وسلفيت وطوباس، ما ألحق أضرارًا جسيمة بمصادر المياه الجوفية، وساهم في تسارع وتيرة التصحر، وتدهور التنوع الحيوي.
كما سجلت سلطة جودة البيئة 13 اعتداءً على شبكات المياه، شملت تخريب خطوط ناقلة في مناطق نابلس وسلفيت وقلقيلية وأريحا.