الكوارث المناخية قد تسبب صدمات نفسية وآثارًا طويلة الأمد على أدمغة الناجين

من المتوقع حدوث المزيد من حرائق الغابات، ما سيترتب عليه آثار كبيرة على الصحة العقلية
آفاق البيئة والتنمية/
أفادت دراسة حديثة نشرتها دورية "بلوس كلايمت" (PLOS Climate) هذا الشهر أن الصدمات النفسية الناتجة عن الظواهر المناخية المتطرفة، مثل حرائق الغابات، يمكن أن يكون لها تأثيرات طويلة المدى على أدمغة الناجين والأداء الإدراكي الخاص بهم.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، شهدت مدينة بارادايز في ولاية كاليفورنيا الأميركية أكثر حرائق الغابات فتكاً وتدميرًا في تاريخ الولاية، ويتصل الأمر بحريق كامب فاير، الذي أصاب ما يقرب من 385 كيلومترًا مربعاً، ودمّر 18 ألفا و804 مبان، وقتل 85 شخصًا.
وبعد 3 سنوات، نشر باحثون في جامعة كاليفورنيا سان دييغو (University of California, San Diego) دراسة نظرت في العواقب النفسية لهذا الحريق، ووجدوا أن مثل تلك الصدمات المناخية تعرض السكان المتضررين إلى زيادة في مشاكل الصحة العقلية المزمنة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، حتى بعد مرور أكثر من 6 أشهر على الحادث.
كما وجد الباحثون أن الحريق تسبب أيضًا في صدمة دماغية طويلة الأمد لدى بعض الناجين، ووجدوا أن الأشخاص الذين تأثرت منازلهم أو عائلاتهم مباشرة بالنيران كانوا عرضة لضرر نفسي أكبر.
تأثير أعمق
ونشر الفريق البحثي من جامعة كاليفورنيا سان دييغو دراسة أخرى أكثر عمقًا، أفادت وجود اختلافات كبيرة في الأداء المعرفي ونشاط الدماغ لدى مجموعة فرعية من الأشخاص الذين تعرضوا لحريق كامب فاير.
وبدراسة ومراقبة تخطيط كهربية الدماغ "إي إي جي" (EEG) لهؤلاء الأشخاص في أثناء الخضوع لاختبارات سلوكية لفحص القدرة الإدراكية بعد مدة تتفاوت من 6 إلى 12 شهرًا من الحدث، رصد الباحثون نشاطًا متزايدًا في مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم المعرفي والقدرة على التأقلم العقلي مع الأفكار غير المرغوب فيها والتي غالبًا ما تكون مزعجة.
تقول جيوتي ميشرا، أستاذة مشاركة في قسم الطب النفسي في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا سان دييغو والمديرة المساعدة لمبادرة المناخ والصحة العقلية في جامعة كاليفورنيا، في بيان صحفي منشور على موقع "يوريك ألرت" (EurekAlert) "كي تعمل أدمغتنا جيدًا يوما بعد يوم، تحتاج إلى معالجة المعلومات وإدارة الذكريات بطرق تساعد على تحقيق الأهداف مع تجاهل المشتتات غير المفيدة".
وتتابع "وجدنا أن الأشخاص الذين تأثروا مباشرة أو غير مباشرة في حريق كامب فاير أظهروا أداء أضعف في التعامل مع المشتتات، وقد يؤدي هذا الأداء المعرفي الضعيف إلى إضعاف الأداء اليومي وتقليل الشعور بالراحة والرفاهية".
كيف نواجه تأثير هذه الكوارث؟
يعتقد الباحثون أن القدرة على الصمود النفسي هي ما يسمح لنا بالتعافي من التجارب المؤلمة. وفي هذا السياق، أشار الباحثون إلى وجود بعض الإستراتيجيات التي يمكن أن تساعد في تقليل التوتر.
وتشير الأبحاث النفسية الاجتماعية إلى أن ممارسة اليقظة الذهنية، واتباع نمط حياة صحي، مع ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والحصول على قدرٍ كاف من النوم، وتطوير روابط اجتماعية قوية، كلها عوامل يمكن أن تحمي الصحة العقلية في مثل هذه السيناريوهات.
ومع زيادة الاحترار العالمي، من المتوقع حدوث المزيد من حرائق الغابات، ما سيترتب عليه آثار كبيرة على الصحة العقلية.
لذلك تكمن أهمية الدراسة في مساعدتنا على اكتشاف كيف يتعامل البشر مع مثل هذه الكوارث المناخية وما وقعها عليهم، بما يمهد الطريق لمستقبل نكون فيه أكثر استعدادًا لمواجهة هذا النوع من الكوارث.
خطوات مستقبلية
يرى الباحثون أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين عليهم القيام به لفهم ما إذا كانت الآثار التي وجدوها قابلة للتكرار في دراسات أخرى تتضمن مجموعة أكبر من المشاركين.
ففي الدراسة الحالية، ركز الباحثون على 75 مشاركاً. ويحتاج الباحثون أيضاً إلى فهم كيفية تطور هذه الآثار مع حدوث الكوارث المناخية.
وقد أعلنت ميشرا أنها وفريقها يتابعون البحث مع شركاء المجتمع لتنفيذ بعض التدخلات التي يمكن أن تساعد في تخفيف بعض التأثيرات التي لاحظوها على الدماغ والوظائف المعرفية.
وتذكر في مقال لها في موقع "ذا كونفرسيشن" (The Conversation) "لا يوجد حل واحد يناسب الجميع، يجب على كل مجتمع إيجاد حلول المرونة النفسية المناسبة له. بوصفنا علماء، يمكننا المساعدة في فهم الأسباب وتقديم التوجيه إلى الحلول الأكثر فعالية في تحسين صحة الإنسان".
المصدر: الجزيرة نت