مُؤشّرات سيل الزيتون.. كيف توقّع أجدادنا انتاجيّة الموسم قبل أشهر من "الجد" و"البد"؟
|
ينتظر الفلاح الموسم الماسي على أحر من الجمر ويتأمله ويرصده بكُل ما أوتي من حِكمة. فالموسم الشلتوني يعني أن الحصاد لن يكون جيدًا ولهذا تجده مُنذ بداية العام يتطلع إلى كُل ما يُبشره بموسم جيّد (موسم ماسي)، فيبدأ العام بمُراقبة أمطار كانون ثم لا يلبث حتى يبدأ بمراقبة موعد الإزهار ويأمل أن يكون في شهر شباط وآذار ثم يبدأ بالتضرع إلى الله كي تكون الأجواء مناسبة من حيث وجود الندى والسموم عند عقد الثمر. هذا طبعًا غير خبرته في أصناف الزيتون وخبراته في "القشبرة" و"الحراثة" التي تُمكنه من زيادة سيل الزيتون أو القِطعيّة - كما يسميها البعض - في أرضه وكي يكون زيتونه "حامل مثل المسابح". ويتوقع أن يكون الموسم الحالي من أفضل المواسم من بعد موسم 2006 بفضل الكميات الوفيرة من الأمطار التي هطلت خلال الموسم المطري لهذا العام.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
للفلاح فرحة خاصّة مع كُل موسم زيتون، فهو ينتظر الموسم الماسي على أحر من الجمر ويتأمله ويرصده بكُل ما أوتي من حِكمة. فالموسم الشلتوني يعني أن الحصاد لن يكون جيدًا ولهذا تجده مُنذ بداية العام يتطلع إلى كُل ما يُبشره بموسم جيّد (موسم ماسي)، فيبدأ العام بمُراقبة أمطار كانون ثم لا يلبث حتى يبدأ بمراقبة موعد الإزهار ويأمل أن يكون في شهر شباط وآذار ثم يبدأ بالتضرع إلى الله كي تكون الأجواء مناسبة من حيث وجود الندى والسموم عند عقد الثمر. هذا طبعًا غير خبرته في أصناف الزيتون وخبراته في "القشبرة" و"الحراثة" التي تُمكنه من زيادة سيل الزيتون أو القِطعيّة - كما يسميها البعض - في أرضه وكي يكون زيتونه "حامل مثل المسابح".
شتوة كانون
كانت شتوة كانون هي أولى المؤشّرات التي يرصدها الفلاح الفلسطيني للتبنؤ عمّا سيكون عليه موسم الزيتون القادم، علمًا بأنه لم يكن يكف عن متابعة الأمطار والتنبؤ بها فهناك شتوة المساطيح وهناك أمطار التشارين إلا أن "شتوة كانون" لها ميزة خاصة لأنها ترتبط بموسم الزيتون في العام القادم حيث يقول المثل: "سيل الزيتون من سيل كانون"، ومعناه كما يقول الباحث سليم عرفات المبيض: "إن أتى كانون بكمية وافرة من أمطاره فهذا يعني محصولًا وافرًا من الزيتون بكميات غزيرة من الزيت".
ومن الجدير بالذكر أن موسم الزيتون عام 2002 في فلسطين كان موسمًا ذهبيًا بامتياز حيث بلغت كميّة الزيت 32 الف طن وهذا أعلى بكثير من المواسم في العشرين سنة الأخيرة، وبالنظر إلى معطيات كميّات الأمطار نجد أن كمية المطر في مدينة نابلس في موسم 2002-2003 تجاوزت 1065 ملم، بينما تجاوزت 800 ملم في القدس وهذا أعلى من المعدل بفرق هائل.
كذلك في موسم الأمطار 2006-2007 نجد أن كميات الأمطار تجاوزت معدلاتها السنوية في الكثير من مناطق الضفة، وكذلك نجد أن إنتاج فلسطين من الزيت بلغ في ذلك الموسم حوالي 31.5 الف طن، ويتوقع أن يكون الموسم الحالي من أفضل المواسم من بعد موسم 2006 بفضل الكميات الوفيرة من الأمطار التي هطلت خلال الموسم المطري لهذا العام.
الثلجة
وليست أمطار كانون و"المربعانية" وحدها المُهمة لسيل الزيتون ووجود موسم "ماسي" أو "ذهبي"، فللثلوج بحسب أجدادنا أهمية كبرى فيقولون: "سنة الثلجة بيجي الزيتون حامل" كما تشير الباحثة نادية البطمة في كتابها "فلسطين الفصول الأربعة".
وفي حديثها حول الثلج في الذاكرة الشعبية الفلسطينية أنه مرتبط بفوائد كثيرة فيُقال: "الثلج ملح الأرض" و"الثلج سماد الأرض" وكذلك "إن أثلجت أفرجت" وتُعلل ذلك بأن الثلج يقضي على العديد من الميكروبات والجراثيم والفيروسات الدقيقة المنتشرة في الأجواء والتربة، والثلج لا يؤذي المزروعات كالصقيع الذي يقضي عليها، كما أن الثلج يتسبب في وفرة الماء للينابيع والآبار الارتوازية وريّ عميق وهادئ ورطوبة مختزنة للأشجار ذات الجذور العميقة.
وفي حديث مع المهندس البيئي بلال الشايب أوضح أن غزارة الأمطار والأجواء الباردة تعني أن يتأخر العرز وهو النموات الخضرية في نهاية الأغصان، مما يعني أن تتاح الفرصة للزهر في الشجرة بالبروز بشكل كثيف.

صورة من كتاب: حيفا الكلمة التي صارت مدينة لـ جوني منصور
من الجدير بالذكر، أن اهتمام الفلسطيني بالثلوج ورصدها يبرز بوضوح في مصطلح "سنة الثلجة" فهناك "سنة الثلجة الكبيرة" وهي حدث تاريخي حصل بين 4 و 7 شباط 1950 وترك بصمة عميقة في ذكريات الناس، كما يذكر الباحث جوني منصور في كتابه "حيفا الكلمة التي صارت مدينة"، ففي الكثير من الأحاديث يُسمع قولهم: "في سنة الثلجة حصل كذا.. وفي سنة الثلجة توفي.." وللعلم هناك سنوات أخرى نزلت فيها الثلوج بكميات هائلة مثل عام 1934، وكذلك عام 1992، ولكن عام 1950 كان مميزًا حيث وصلت الثلوج في حيفا وعكا إلى نصف متر تقريبًا!
موعد الإزهار
بعد انتهاء "الكوانين"، يبدأ الفلاح الفلسطيني برصد موعد إزهار أشجار الزّيتون والذي يعتبر دليلًا ومؤشرا لكمية الثمار التي سيحصل عليها المزارع في الموسم القادم. ومع أن موعد الإزهار غالبًا يكون في آذار؛ إلا أن الفلاح يبدأ عملية الرصد والترقب في أواخر شباط وينتهي غالبًا في نيسان، علمًا أن هناك أمثال أقل انتشارًا تتحدث عن آيار.
ظهور الأزهار في شباط وآذار يعتبر مؤشرًا على أن الموسم سيكون مُثمرًا والزيتون بيكون "حامل" ويبدأ الفلاح بتحضير "البطاط" أو "المخباط" و"الجرار" وغيرها من الأوعية "الكبيرة" لحفظ المحصول الجيد فيها. ومما يُقال بالنسبة للإزهار في شباط: "إن أخرج في شباط هيئوا له بطاط" و" في شباط هيّيله المخباط". أما في آذار فيُقال: "إن أبرز الزيتون في آذار حضروا له الجرار"، وللعلم فإن "البطة" أكبر من "الجرة" بقليل.
الإزهار في نيسان لا يُعتبر مؤشرًا على موسم جيد، بل العكس، حيث تقول الأمثال: "إن أبرز في شهر الخميس (نيسان) هيئو له المغاطيس/القطاطيس" و"إن أخرج في نيسان هيئوا له الفنجان" وسواء كُنا نتحدث عن المغاطيس أو القطاطيس وحتى الفنجان فكُلها اوانٍ صغيرة للدلالة على الكميات المتواضعة في هذا المواسم. وهناك أمثال أخرى مثل " في نيسان.. ما بقرمز تحت ولا انسان" و"ان لسن في نيسان لا تعشم به يا ابن الناس" تشير إليه أن الموسم لن يكون مُجديًا.
ويُضيف الباحث سليم عرفات المبيّض في كتابه "الجغرافية الفولكلورية للأمثال الشعبية الفلسطينية": إن أهم ما يؤثر على شجرة الزيتون في أواخر شهر نيسان وأيار هو انخفاض درجة الحرارة عن معدلها وسقوط الأمطار، مما يترك أثرًا سيئًا عليها يؤدي إلى تساقط الزهور وقلة العقد ويُطلق على هذه الحالة من الطقس "جو رهاف" وهو جو جيد للقمح وليس للزيتون!

إبراز الزيتون في آذار بعدسة المهندس نور الدين شتيّة Nouraldin Shtaya
الندى والسموم
بعد الإزهار، ينبغي أن تتوفر ظروف ملائمة لتكون الحب وهو ما يُسمى التلسين والتفتيح والعقد. وهنا نجد أن الفلاح يطلب على شكل دعاء من الله أن يبارك المحصول ويهيئ له جوا مناسبا فنجد البعض يقول: "يا ربي ندى وسموم عند عقدك زيتون" حيث أن الندى والحرارة العالية إلى حد ما (السموم) يضمنان عقد طيب ومحصول جيد كما يوضح ذلك الباحث سليم عرفات المبيض.
ومن الأهازيج المتداولة في هذا السياق، والتي نجدها في أرشيف "تراثنا الطبيعي" قولهم: "يا رب الندى عند نفض المرودا .. يا رب السموم عند عقد الزيتون".
ومما يُقال أيضًا في هذا السياق: "ندى وسموم رحمة للزيتون" أو "ندى وسموم فرحة للزيتون". وهذه المقولات هي أشبه بفرضّيات علميّة طوّرها الفلاح مع الزمن.
نوع الزيتون
للزيتون أصناف كثيرة، فهناك الزيتون النبالي والسوري/الصوري وكذلك المليصي وغير ذلك. وكل صنف من هذه له ميزاته، فمنها ما يصلح للزيت ومنها ما لا يصلح إلا للكبيس وفي هذا أمثال تؤكد على خبرة الفلاح الفلسطيني بهذه الأصناف.
في دراسة بعنوان "القاموس اللغوي الخاص بموسم قطف الزيتون" للباحثين "عقيل" و"كلاينبيرغ" وردت أمثال كثيرة في هذا السياق، منها: "زتون المليصي لا حمد ولا ثنا" ومعناها أن عملية استخراج الزيت من الزيتون المليصي صعبة جدًا لذلك لا يحمد ولا يثنى عليه. ويُقال: "زتون الأرمهاني بقول هات الخوابي واتلقاني" بمعنى أن هذا النوع من الزيتون يحتوي على نسبة كبيرة من الزيت وعلى المزارع تحضير عدد كبير من الأوعية لحفظه.
في فلسطين يُعتبر الزيتون النبالي والسوري أو الصوري من أشهر وأبرز الأصناف، فالنبالي غني بالزيت وتصل كميّات الزيت في حبّه من 28-33% وأما السوري/الصوري فتصل كميّة الزيت فيه من 25 إلى 35% ولا يمكن تفضيل صنف على صنف بسهولة كما يوضح الباحث Fabrizia Lanza في كتابه Olive: A Global History وللتوضيح فالنبالي مثلًا أكثر عرضة للإصابة من ذبابة الزيتون، وأما السوري/الصوري فأكثر عرض لآفة عين الطاووس، كما الحياة في الصحراء لا تُلائمه وغالبًا ما يحتاج إلى أكثر من 400 ملم من المطر كي يكون مُنتجًا بشكل فعّال.
القشبرة والحراثة
بعكس المؤشرات السابقة، يلفت الباحث سليم عرفات المبيض أن القشبرة (التقليم) والحراثة من الأمور التي يُمكن للفلاح أن يتحكم بها إن أراد أن يؤثر في انتاجية أرضه والزيتون وبالنظر في الأمثال الشعبية نجد الفلاح يتعامل مع الشجرة بلغة تختلف عن اللغة التي تتحدث بها "الهندسة الزراعية" اليوم، فنجده يبتكر الأمثال التي تجعل الزيتونة كيانًا يُمكنه مخاطبته فيقول له تارة: "ابعد اختي عني وخذ ثمرها مني" وذلك حتى لا تتراكم الأشجار وتحجب احداها الضوء عن الأخرى، وتنافسها على الغذاء فيضعف الثمر في كليهما أو حتى " قنبني ولا تكربني"، وكأنها تؤكد له أن تقليم الشجرة من "الخنازير" التي تكون عند جذرها أفضل من التكريب أي الحراثة، ويتجلى ذلك في أن مردود التقليم على نماء الشجرة واعطاء محصول أفضل بكثير من عملية الحرث، ويؤكد الفلاح على هذه "الفلسفة" بمثل آخر هو "العشاب غلب الكراب" والذي يعني أن التخلص من الأعشاب واجتثاثها له مردود أفضل من الحراث.
ومما يدل على أهميّة التقليم و"القشبرة" وتغلبها على "السماد" و"الزبل" قولهم "زبل الزيتون منشار وقدوم"، ويوضح ذلك الأستاذ عبدالرحيم ريّان بقوله: "بدلًا من تزبيل الزيتون بالأسمدة فإن القشبرة (التقليم) وتخفيف الأغصان بالمُنشار والقدوم تُغني عن ذلك.. وهذا يدل على أهمية القُشبار".
كُل هذا لا يعني بالطبع أن الحراثة غير مُهمة ويمكن تركها، وفي هذا يقول أجدادنا: "الزيتون إن بدك تهفيه شفه وخليه" ومعناها أن عدم الحراثة "تقتل" الزيتون الذي تحتاج جذوره للأكسجين كما يوضح ذلك المُهندس بلال الشايب، ويؤكد أن للحراثة التقليدية أصولها، فأول الحرث يُسمى شكاك، أما الثانية فتسمى ثناية ثم "تثليث"، وفي كُل مرحلة من هذه المراحل هناك عوامل عديدة تؤثر في جودة الحراثة أهمها رطوبة التربة بالإضافة إلى الآلات المستخدمة. وكلما كانت الحراثة أجود.. كان المحصول أفضل.
وكمثال، يوضح "الشايب" أن الحرثة الأولى "الشكاك" لها طرقتين وهن "كراب" و"عفير"، أما كراب إذا كان حراثة بدون بذار أو عفير إذا كان هناك بذار شعير، كما يشير أن الفلاح الفلسطيني كان يؤمن بأن القمح والشعير يزيد في محصول الزيتون، حتى لو لم تكن السنة ماسية.
أما بالنسبة للرعاية يختم المهندس الشايب قائلًا: "وقّف ع نعجتك بتجبلك توأم" والزيتونة لا تختلف عنها، تحتاج إلى رعاية وصبر ودراية بما هي بحاجة إليه كالأكسجين لجذورها، ومن هناك تأتي أهمية الحراثة وكذلك تحتاج للضوء ومن هناك تأتي أهمية التقليم والقشبرة.
في هذا السياق، نجد عبد الغني النابلسي صاحب كتاب "علم الملاحة في علم الفلاحة" يشير إلى أن طريقة قطف الزيتون يُمكن أن تؤثر بالمحصول في العام القادم، فيقول: "ولا ينفض الزيتون ولا يضرب بالعصا، وإلا تكسرت أغصانه الصغار وعيونه، وإذا نفض فإنه لا يحمل في العام الثاني بانتظار أن ينشأ له عيون جديدة" كما نجده يشير في كتابه إلى أن للأشجار علاقات حُب ونفور مع أجناس أخرى من الأشجار. وهذا يؤثر في المحاصيل، فيقول بالنسبة للزيتون: "وإذا زرع الرمان مع الزيتون كثر حمل الزيتون".