تشرين ثاني 2008 العدد (8)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

November 2008 No (8)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية
تراثيات بيئية اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

أزمة الغذاء العالمي...عدوانية رأس المال...تحرير التجارة...و"الطاقة النظيفة"

جورج كرزم

بعجرفته العنصرية المعهودة، اعتبر رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش الابن، في أيار 2008، أن الهند مسئولة عن ارتفاع أسعار الغذاء في العالم، مما أثار، في حينه، عاصفة قومية في الساحة الهندية.

كعادتهم دائما، يسقط الاستعماريون أسباب الكوارث في العالم على الآخرين، وبخاصة على الشعوب الفقيرة والقوى الحية فيها، لكنهم يتعامون تماما عن أسباب وجذور الكوارث والأزمات العالمية الكامنة أساسا في بنيتهم ونزعاتهم التوسعية وشهوتهم اللانهائية إلى الربح والنهب غير المشروعين، على حساب الشعوب المهانة المجوعة والمسحوقة.  وهكذا هو الحال بالنسبة لما يسمى أزمة الغذاء العالمي، أو "الإرهاب"، أو الفوضى الدموية والمجازر البشرية في الدول الرازحة تحت احتلالهم، أو أزمة انهيار النظام المالي الأميركي والبنى المالية العالمية المرتبطة به.   

فالإدارة الأميركية تصر على تجاهل أن السياسات الأميركية مسئولة، إلى حد كبير، عن نقص المعروض في حبوب الغذاء، وبخاصة أن تشجيعها لإنتاج الوقود الحيوي في الولايات المتحدة (أكبر منتج عالمي للقمح والحبوب) تسبب في عجز كبير في الغذاء.

 

أزمات مفتعلة وتظاهرات شعبية:

حتى وقت قريب، كان استعمال الغذاء لإنتاج الوقود موضع ترحيب كبير في أوروبا وأميركا الشمالية، باعتباره بديلا بيئيا آمنا للوقود الأحفوري.  إلا أن ارتفاع الأسعار العالمية للغذاء جعل هذا التوجه مسألة خلافية كبيرة.

في الحقيقة، تشابكت مجموعة من العوامل والأسباب التي أدت إلى ارتفاع الضغوط على قدرة العالم على إطعام نفسه، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء.  ومن أهم هذه الأسباب:  تناقص المخزون العالمي من الحبوب الرئيسية مثل: الأرز والقمح، وتوجه بعض الحكومات، مثل الولايات المتحدة والبرازيل إلى إنتاج المحاصيل من أجل الوقود الحيوي.  كما أن ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 200% خلال الفترة 2007 – أواسط 2008، أثر بشكل كبير على أسعار قطاع النقل.  ناهيك عن زيادة الطلب على الغذاء في الدول الأسيوية، والناتج أساسا بسبب النمو السكاني وبعض التحولات في الأنماط الغذائية، علما بأن الارتفاع في المستوى المعيشي في العديد من الدول الأسيوية وغيرها أدى إلى ارتفاع كبير في استهلاك المنتجات الحيوانية، مثل اللحوم والحليب والبيض، وبالتالي ارتفع الاستهلاك الحيواني للحبوب والأعلاف.  يضاف إلى ذلك، التراجع الكبير في إنتاج المحاصيل بسبب التغيرات المناخية، كما هو الحال في بنغلادش التي ضربتها فيضانات ضخمة مدمرة، أو في استراليا (ثاني دولة في العالم مصدرة للقمح بعد الولايات المتحدة) التي ضربتها موجات متتالية من الجفاف، بلغت أسوأ مستوياتها منذ قرن، مما أدى إلى ضرب محاصيلها وتدهور إنتاجها إلى 13 مليون طن من القمح عام 2007، مقابل 22 مليون طن، المعدل المعتاد على مدى سنوات.   

وقد تسبب ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الغذائية الرئيسة بمقدار ثلاثة أضعاف، خلال العامين 2007 ، 2008، وبخاصة الأرز والذرة والقمح  التي سجلت مستويات قياسية – تسبب في اندلاع تظاهرات شعبية اتسمت بالعنف، في بعض الأحيان، كما في الكاميرون، وبوركينافاسو، وإندونيسيا، وهاييتي، ومصر، وغيرها.  وقد قلصت بعض الدول المنتجة، مثل البرازيل وفيتنام والهند، صادراتها للعام 2008.  بل إن غضب الشعب الباكستاني جراء نقص بعض المواد الغذائية الأساسية، وبخاصة طحين القمح، والارتفاع الحاد في أسعارها، تسبب في هزيمة الأحزاب الداعمة للرئيس الباكستاني برويز مشرف، في الانتخابات التشريعية في شباط 2008.   

واللافت أن تقارير منظمة "الفاو"، في السنوات الأخيرة، أكدت أن إنتاج الغذاء أكثر من كاف لإطعام سكان العالم، وبأن هذه السنوات شهدت ارتفاعا كبيرا في الإنتاج العالمي لمحاصيل الحبوب الاستراتيجية، إلا أن المعروض العالمي من الحبوب انخفض، وارتفعت الأسعار بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العامين 2007 – 2008.       

وهذا يشير إلى أن "أزمات" القمح والحبوب  العالمية الدورية ليست سوى أزمات مفتعلة سببها الأساسي يكمن في التنافس على أسواق الحبوب بين أميركا (أكبر مصدر عالمي للقمح) وأوروبا، وبالتالي التلاعب بفائض القمح وسائر الحبوب المعروضة عالميا.

وحسب تقرير منظمة الفاو (أيار 2008)، فإن تكلفة سلة الواردات الغذائية السنوية للدول الفقيرة قد تصل إلى أربعة أمثال ما كانت عليه عام 2000.  وذلك بالرغم من أن نفس التقرير توقع ارتفاع الإنتاج العالمي من الحبوب بنسبة 3.8%، وبخاصة الإنتاج الوفير للقمح، علما بأن الولايات المتحدة قررت زيادة إنتاج القمح بنسبة 16% (قياسا بالعام 2007) وهو أكبر حصيلة إنتاجية منذ العام 1998.  كما أن الاتحاد الأوروبي قرر زيادة إنتاج القمح بنسبة 13%، علما بأنه علق نظام "إراحة" الأرض (fallowing) التي تفرض على الفلاحين ترك حقولهم دون زراعة، طيلة موسم كامل، بهدف إراحة التربة ومنع استنزافها.  وارتفع أيضا إنتاج الأرز (في العام 2008) بأكثر من 2%، بل ازداد الإنتاج على الاستهلاك.  إلا أن القيود على التصدير التي فرضتها العديد من الدول المنتجة للأرز، لضمان توافره في أسواقها، يعني عدم توافره بكميات كافية في الأسواق العالمية، بحيث تهبط أسعاره التي ارتفعت بنسبة 71% في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2008.

ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الإنتاج الأميركي من الحبوب لن يؤدي إلى هبوط جدي في الأسعار، لأن كمية الحبوب الأميركية المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي يتوقع أن ترتفع بنسبة 40% خلال العام 2008، كما ورد في تقرير الفاو.  ذلك أن من بين 98 مليون طن حبوب تستخدم لإنتاج الوقود الحيوي (عام 2008)، فإن المنتجين الأميركيين يحولون وحدهم 79 مليون طن حبوب إلى إيتانول، علما بأن كمية الذرة (من أصل 98 مليون طن حبوب) التي ستحول إلى وقود، يتوقع أن تصل إلى 92 مليون طن.

 

صفعة لهيمنة رأس المال:

لقد برزت في قمة الغذاء في روما، التي عقدتها الأمم المتحدة في أوائل حزيران الماضي (عام 2008) لبحث سبل مواجهة آثار ارتفاع أسعار الغذاء، والتي شارك فيها زعماء وممثلو 193 دولة  – برزت بوضوح الحسابات السياسية الإمبريالية، قبل الاعتبارات البيئية، في مسألة تحويل الحبوب إلى وقود حيوي؛ إذ احتد الخلاف بين المشاركين حول مدى مساهمة الوقود الحيوي في ارتفاع أسعار الغذاء، بسبب منافسة الوقود للمحاصيل الغذائية.  وهذا هو السبب الأساسي الذي حال دون أن تصدر القمة إعلانا ختاميا قويا.  وقد اتُهِمَت الولايات المتحدة والبرازيل بأنهما يعملان على إنتاج كميات كبيرة من المحاصيل للوقود الحيوي، وبالتالي تحجبانها عن إنتاج الغذاء، مما يساهم في ارتفاع الأسعار.  وقد اضطر ممثلو الدولتين الدفاع عن صناعتيهما للوقود الحيوي، مدعين أن تنويع مصادر الطاقة ضروري، في ظل ارتفاع أسعار النفط، والتوجه نحو استعمال وقود نظيف.

وقد بينت نفس القمة زيف الادعاء الأميركي، باعتباره، في أحسن الأحوال، كلام حق يراد به باطل.  حيث اتهم الأميركيون دول الجنوب الفقيرة بالمسئولية عن ارتفاع الأسعار، بما تفرضه من حواجز تجارية على الصادرات الزراعية الأميركية والغربية المدعومة والرخيصة، وبالتالي المنافِسَة للمنتجات الزراعية في الدول الفقيرة، علما بأن هذه الحواجز كانت موجودة منذ سنوات طويلة ولم تتسبب في الارتفاع الكبير الأخير بأسعار الغذاء.  إذن، تطالب الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الدول الفقيرة بأن تحرر أسواقها بشكل مطلق، أي أن تفتح ما تبقى من أسواقها وحدودها وأراضيها وبيئتها دون قيود جمركية وغيرها، لتصبح مستباحة أمام المنتجات الزراعية الغربية المحمية والرخيصة، مما سيجعل واردات الدول الفقيرة أكثر بكثير من صادراتها، الأمر الذي سيعمق العجز المزمن في موازناتها التجارية، ويسحق ما تبقى من قطاعاتها الإنتاجية المحلية، وخاصة الزراعية، ويتلف بيئاتها المحلية وأخصب أراضيها الزراعية، ويدمر منتجيها الصغار الذين يشكلون أغلبية المنتجين، وبالتالي سيثبت ويعمق تبعيتها للغذاء المستورد وسيفاقم الهجرة من الأرياف. 

وتتجلى قمة الصفاقة الأميركية – الأوروبية هنا، في أن ما يسمح به الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لنفسيهما من توفير الحماية لمنتجاتهما ومنتجيهما، يحرمانه على الدول الفقيرة، حيث إنهما يقدمان دعما سنويا ضخما لقطاعهما الزراعي يتجاوز 300 مليار دولار أميركي.

والغريب حقا، أن خطة العمل التي عرضت على قمة الغذاء، والتي وضعتها الخلية الخاصة للأزمة الغذائية في الأمم المتحدة، دافعت عن مواقف وسياسات الدول الغنية، ودعت إلى رفع الحواجز التجارية؛ أي  الحواجز التجارية التي لا تزال تفرضها العديد من دول الجنوب لحماية منتجاتها الزراعية.  وقد تطابقت خطة العمل هذه ليس فقط مع المواقف الأميركية والأوروبية،  بل أيضا مع موقف البنك الدولي، ممثلا برئيسه روبرت زوليك الذي دعا إلى إلغاء القيود ورفع الحواجز الجمركية أمام الصادرات، معتبرا أن هذه القيود والحواجز تشجع على ارتفاع الأسعار وتطال السكان الأكثر فقرا في العالم.  لكن زوليك، لم ينبس ببنت شفة فيما يتعلق بالحماية الضخمة التي توفرها الدول الغنية لمنتجاتها الزراعية.

والأكثر غرابة، أن الإعلان الختامي الصادر عن قمة الغذاء، والذي ادعى تعهد القمة بمحاربة الجوع، تجاهل بوضوح حاجات الذين يعانون من الجوع، ودعا "الأسرة الدولية" لمواصلة جهودها في تحرير المبادلات الدولية للمنتجات الزراعية وتخفيف الحواجز الجمركية أمام التجارة، وشَرْعَنَ عملية تحويل المحاصيل الزراعية من الغذاء إلى السيارات.  ومن الواضح، أن المقصود بـ"الأسرة الدولية"، الدول الفقيرة تحديدا. 

لقد صدر هذا البيان، إذن، بالرغم من الخلافات الحادة حول الوقود الحيوي والحواجز التجارية.  وقد أرغمت دول الشمال معظم الدول الفقيرة على "بلع" البيان، بالرغم مما حواه من بنود تتعارض ومصالح الأخيرة.  وللتغطية على ذلك، وعد البيان تقديم 6.5 مليار دولار مساعدات، بالرغم من أن "بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة، أعلن في نفس القمة، بأن المعركة مع الأزمة الغذائية تستلزم جهودا مالية تقدر بنحو 15 – 20 مليار دولار سنويا.  بل إن جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة، قال إن قيمة الاستثمارات الزراعية في العالم انخفضت من 17% في الثمانينيات، إلى 3% عام 2006، في وقت يزداد فيه سكان العالم البالغ عددهم 6 مليارات نسمة.  لذا، حسب ضيوف، يحتاج العالم إلى استثمارات بقيمة 30 مليار دولار سنويا، حتى العام 2050، لتلبية الحاجات الغذائية. 

وبعد نحو شهرين، وتحديدا في مفاوضات التجارة العالمية التي جرت في مقر منظمة التجارة العالمية في جنيف في أواخر تموز 2008، لإنقاذ اتفاق التجارة العالمي، بلغ التمادي الأميركي – الأوروبي المفتقر لأي حساسية مداه، عندما حاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرض مطالب مفرطة على الدول النامية (الجنوب)، بعدما ضمنا في قمة الغذاء في روما، حماية مصالح مزارعيهما، على حساب مئات ملايين المزارعين والفلاحين في الدول الفقيرة.  فلم يكن لديهما أي استعداد لمساعدة المزارعين الفقراء والعمال على مواجهة طوفان الواردات، والبقاء على قيد الحياة والوظائف، من خلال خفض الدعم الهائل الذي يقدمانه لمزارعيهما الأغنياء، بل مارسا ضغوطا هائلة على الدول الفقيرة كي تخفض الرسوم الجمركية على الواردات الصناعية وتفتح أسواقها على مصراعيها للمنتجات والبنوك وشركات التأمين الغربية.  وفي المحصلة، انهارت المفاوضات.  وبالطبع، سيثير هذا الانهيار الناتج عن ضغوط الغرب الابتزازية للدول الفقيرة، شكوكا كبيرة في قدرة "المجتمع الدولي" على معالجة قضايا أخرى معقدة، مثل التغير المناخي والطاقة وارتفاع أسعار الغذاء.

وفي الواقع، لا يمكن لأي قوة أو جهة مناهضة للعولمة، إلا أن تعتبر انهيار محادثات التجارة العالمية نصرا للمزارعين والعمال الفقراء في مختلف أنحاء العالم، وصفعة لهيمنة رأس المال الذي يهدف من المحادثات التجارية إلى ترسيخ وتوسيع هيمنته ومصالحه الذاتية .  وبوجه عام، لاقى فشل مفاوضات جنيف ترحيب الدول الفقيرة التي تواجه عدوانية القوى والدول الغربية الغنية التي تعمل على فرض مزيد من تحرير التجارة، رغم أزمتي الغذاء والوقود العالميتين.

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: majeeda@hotmail.com

الموضوع: الرئيسي 4-العدد 8

التعليق:

تحياتي الصادقة للأستاذ جورج كرزم كاتب هذا التحليل المعمق الذي وضع الإصبع على الوجع، بل وعبر عما يفكر به العديد من الناس دون أن يستطيعوا التعبير عنه بهذه الحصافة والرزانة العلميتين.

عادل عبد المجيد


البريد الالكتروني: mazbeidat@hotmail.com

الموضوع: الرئيسي 4-العدد 8

التعليق:

أتفق مع هذه الورقة وأضيف بأن آخر ما يفكر به جهابذة الرأسمال هو البيئة والحفاظ عليها ومنع استمرار تدهورها وبخاصة من خلال التآكل الرهيب الحاصل في البنية المناخية العالمية الذي، إن استمر وتفاقم، فقد يؤدي إلى فناء الكرة الأرضية ومن عليها...إن أول أولويات الرأسمال، في كل مكان، هو الأرباح ومزيد من الأرباح. ولضمان ذلك، يتم تغليف الجشع والنفاق الرأسماليين بأغلفة بيئية وإنسانسة براقة...الحل التاريخي والاستراتيجي والبيئي يكمن في العمل على تعجيل انهيار الرأسمالية المهيمنة على العالم والتي تتحمل المسئولية الأولى والأخيرة عن دمار التوازن البيئي الكوني..فليتحد جميع فقراء ومقهورو الكرة الأرضية لتحقيق هذا الهدف النبيل ولإنقاذ كرتنا الأرضية من التلاشي...

محمد عاهد زبيدات

لبنان

 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.