البيئة في شعر إيليا أبي ماضي المرأة صاحبة السيادة وفارسة الأمن الغذائي
 

تشرين ثاني 2008 العدد (8)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

November 2008 No (8)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

تراثيات بيئية:


 

البيئة في شعر إيليا أبي ماضي

علي خليل حمد

 

تمتاز أشعار إيليا أبي ماضي، من غيرها، بحضور قوي للبيئة، وتجلي العلاقة الجدلية بين البيئة والإنسان فيها بوضوح.

والولع بالطبيعة وسحرها، بل العناق الحار معها، قديم وشامل في شعرايليا أبي ماضي، ولعل هذا ما دفع جبران خليل جبران إلى أن يقول في تقديمه لأحد دواوين أبي ماضي :

"أما الشاعر فهو مخلوق غريب ذو عين ثالثة: معنوية ترى في الطبيعة ما لا تراه العيون، وأذن باطنيّة تسمع من همس الأيام والليالي مالا تعيه الآذان"

"ينظر الشاعر إلى وردة ذابلة فيرى فيها مأساة الدهور، ويشاهد طفلاًَ راكضاً وراء الفراشة فيرى فيه أسرار الكون".

قد يكون هذا الالتفات الخاص إلى الطبيعة أساسياَ عند كل شاعرٍ شاعر، كما يقول جبران؛ إلا أن الأمر يختلف كماً وكيفاً عند إيليا أبي ماضي، فما أكثر ما يتردد عنده هذا الالتفات! وما أعمق الصلة التي يعكسها في النفس بين الإنسان والطبيعة/ البيئة! وما أكثر التنوع في أشكاله ومواقفه أيضاً!

ومع كثرة المواقف البيئية التي اشتمل عليها شعر أبي ماضي، إلاّ أنّ أربعة منها تمكنت من التغلغل في نفوس القراء العرب، والتردّد على ألسنتهم وفي كتاباتهم بمثل ما تتردد في هذه وتلك حكم المتنبي وأمثاله.

هذه المواقف الأربعة هي: البيئة أصل الإنسان، والبيئة المعلم، وحقوق البيئة، وواجبات البيئة.

 

2:  البيئة الأصل  

تتشابك أسرار الطبيعة التي أشار إليها جبران في الشعر تشابكاً وثيقا مع أسرار الإنسان عند إيليا أبي ماضي، والطبيعة هي الأصل والمرجعية التي يميل إليها دائماً في محاولة فكّ تلك الرموز وتفهمها .

وقد تتمثل في صورة الطبيعة الأصل، عند أبي ماضي نشوة الحياة العفوية أحياناً أو الدهشة أحيانا أخرى، أو الرهبة في القليل النادر من الحالات؛ ولكنها تظل مماثلة لتصور الإنسان لذاته في جميع الأحوال، مما يعني التماهي معها ووحدة المصير. ومن أبرز الأمثلة على هذا المنحى، عند أبي ماضي، قصيدة الطلاسم المشهورة باسم " لست أدري"، ومنها ( في مخاطبة البحر):

 

تُرسل السّحب فتسقي أرضَنا والشجرا

قد أكلناكَ وقلنا : قد أكلنْا الثمرا

وشربناك وقلنا : قد شربنا المطرا

أصوابٌ ما زعمنْا أم ضلالٌ؟

                                              لست أدري!

وقولُه:

لذةٌ عندي أن أسمع تغريد البلابلْ

وحفيفَ الورق الأخضر أو همسَ الجداولْ

وأرى الأنجمَ في الظلماء تبدو كالمشاعلْ

أترى منها أم اللذةُ مني ؟

                                    لست أدري!

وقولُه:

قد رأيتُ النملَ يسعى مثلما أسعى لرزقي

وله في العيش أوطارٌ وحقٌ مثل حَقّي

قد تساوى صمته في نظرِ الدهر ونطقي

فكلانا صائرٌ يوماً إلى ما..

                                   لست أدري!

 

3:  البيئة المعلّم

يتفرع على الموقف السابق، أي اعتبار البيئة أصلاً ومرجعاً عند أبي ماضي، موقف تابع هو اعتبارها معلّماً، لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان، وخلاصته انتشاء الإنسان بالحياة، ورفض اليأس، والعمل لإسعاد الآخر، بصرف النظر عما يمكن أن يتعرض له من مخاطر.

ومن أمثلة النوع الأول، أي انتشاء الإنسان بالحياة، قوله من قصيدة "فلسفة الحياة" : 

أحكمُ الناس في الحياةِ أناسٌ

 

علّلوها فأحسنوا التعليلا

فتمتعْ بالصبح ما دمتَ فيه

 

لا تخفْ أن يزول حتى يزولا

أدركت كنهها طيورُ الروابي

 

فمن العارِ أن تظل جهولا

ما تراها والحقلُ ملك سواها

 

تَخِذَتْ فيه مَسرحاً ومقيلا

تتغنّى وعمرُها بعض عام

 

أفتبكي وقد تعيش طويلاً ؟

 

ومن النوع الثاني "العمل لإسعاد الآخر " قوله في قصيدة "كن بلسماً " :

كن بلسماً إن صار غيرك أرقما

 

وحلاوةً إن صار غيرك علقما

إنَّ الحياة حَبَتْكَ بعض كنوزها

 

لا تبخلنّ على الحياة ببعض ما ..

أَحسِنْ وإن لم تُجزَ حتى بالثّنا

 

أيّ الجزاء الغيث يبغي إن همى

منذا يكافئ زهرةً فواحةً ؟

 

أو مَنْ يثيبُ البلبل المترنّما ؟

يا صاحِ خذ عِلْم المحبة عنهما

 

إني وجدت الحبّ عِلماً قيّما

لو لم تفح هذي وهذا ما شدا

 

عاشت مذمّمة وعاش مذمما

فاعملْ لإسعاد السّوى وهنائهم

 

إن شئتَ تسعدَ في الحياة وتنعما

 

4:  حقوق البيئة

إن البيئة/ الطبيعة التي تقدم للإنسان ما تقدمه من حاجات ومتع، جديرة بأن يقابلها الإنسان بالاحترام والتقدير والحماية؛ غير أن هذا الواجب الأخلاقي عند الإنسان كثيراً ما ينتهك، وبخاصة فيما يسمّى الزحف العمراني الذي تتسع فيه أبنية المدينة على حساب المشهد الطبيعي الجميل، والغطاء النباتي الأخضر الضروري لسلامة الحياة ونوعيتها.

وفي هذا السياق تأتي قصيدة إيليا أبي ماضي "الغابة المفقودة " التي اختفت أشجارها الخضراء، وأزهارها المتنوعة الجميلة، حيث كان الشاعر الصبي وحبيبته الصبية يسرحان ويمرحان ، لتحلّ محلها الأبنية ودور السكن الجاثمة بثقلها على ماضي الشاعر وذكرياته.

"الغابة المفقودة "

يا لهفةَ النفسِ على غابةٍ

 

كنتُ وهنداً نلتقي فيها

أنا كما شاء الهوى والصّبا

 

وهي كما شاءت أمانيها

 

  ****

 

اللهُ لو دامَ زمانُ الهوى

 

ودام من هندٍ تجنّيها

لا غابتي اليوم كعهدي بها

 

ولا الّتي أحببتُها فيها

ولا تلالٌ كنهود الدمّى

 

ولا سفوحٌ كترا قيها

ولا الندى دُرٌّ على عشبها

 

ولا الأقاحي في روابيها

ولا الضّحى يلقي على أرضها

 

شباك تِبْرٍ من أعاليها

أهبطني أمس إلى حضنها

 

شوقي إلى سجع قماريها

فلم تخمّشني بأوراقها

 

ولمْ تهلّل لي سواقيها

قد بَدّل الإنسان أطوارَها

 

واغتصبَ الطير مآويها

وفتّ بالبارود جلمودها

 

واجتث بالفأس دواليها

وشاد من أحجارها قريةً

 

سكانها الناس وأهلوها

 

****

 

يالهفة النفس على غابةٍ

 

كنت وهنداً نلتقي فيها

جنّةُ أحلامي وأحلامها

 

ودارُ حبّي وتصابيها

نبكي من اليأس على شوكها

 

وكان يدميني ويدميها

كانت تغطّيني بأوراقها

 

فصارت الدّورُ تغطيها!

 

5: واجبات البيئة

مثلما إن للبيئة حقوقاً من الإنسان، كذلك على البيئة، عند أبي ماضي واجبات لا بدّ من تأديتها لها؛ وتتلخص هذه الواجبات في العطاء، وحبّ الآخر، ورفض الأنانية المقيتة التي تؤدي إلى هدم ما تشيده الحياة من تقدم وتناسق كوني جميل؛ ويتمثل هذا الموقف في قصيدته المشهورة "التينة الحمقاء "، التي انتهت بها الأنانية المؤذية لكل من الذات والآخر، إلى الهلاك.

 

التينة الحمقاء

وتينةٍ غضة الأفنانِ باسقةٍ

 

قالت لأترابها والصيفُ يُحْتَضرُ

" بئس القضاءُ الذي في الأرضِ أوجدني

 

عندي الجمالُ وغيري عنده النظر"

" لأحبسنّ على نفسي عوارفها

 

فلا يبين لها في غيرِها أثرُ"

"كم ذا أكلّف نفسي فوق طاقتها

 

وليس لي بل لغيري الفيءُ والثمرُ "

"لذي الجناحِ وذي الأظفار بي وطرٌ

 

وليس في العيش لي فيما أرى وطرُ"

"إني مفصّلة ظلّي على جسدي

 

فلا يكونُ به طول ٌولا قصرُ "

"ولست مثمرةً إلا على ثقةٍ

 

أن ليس يطرقُني طيرٌ ولا بَشَرُ"

 

****

 

عاد الربيعُ إلى الدنيا بموكبهِ

َ

فازّينتْ واكتستْ بالسندسِ الشّجرُ

وظلّت التينةُ الحمقاءُ عاريةً

 

كأنها وتٌد في الأرض أو حجرُ

ولم يُطِقْ صاحبُ البستان رؤيتَها

 

فاجتثّها فهوت في النار تستعرُ

من ليس يسخو بما تسخو الحياةُ به

 

فإنه أحمق ٌ بالحرص ينتحرُ

 

وبعد،  

فقد يكون التحديد السابق للمواقف البيئية في شعر أبي ماضي مفيداً، إذا اقتصر فيه على بعض ما يتردد على ألسنة المثقفين، أو المختارات التي تتضمنها المقررات المدرسية؛ ولكنه لا يدعي لنفسه تغطية جميع ما احتوته تلك المختارات، ناهيك عن تغطية جميع ما ورد في ديوانه من شعر؛ وعسى أن يكون استهلالاً لدراسات بيئية ذات شأن لشعر أبي ماضي وغيره من الشعراء العرب المتنوّرين.

  للأعلىé

المرأة صاحبة السيادة وفارسة الأمن الغذائي

نادية البطمة

يذكر التاريخ أن المرأة البدوية والمرأة الفلاحة كان ولا يزال لها دور أساسي وفاعل وحاضر بقوة في تحقيق الأمن الغذائي. فهي سيدة الموقف وفارسته لأنها عاملة مشاركة للرجل وجنبا إلى جنب في العمل الزراعي والرعوي، وهي تتفوق على الرجل بمهام تناسب طبيعتها وقدراتها الاجتماعية مما يزيد عليها العبء، فهي:
-    تتحمل مسؤولية تسويق وبيع المنتجات، وفي الماضي القريب كانت تنقل المنتجات على رأسها من القرية إلى المدينة وتحمل في معظم الوقت طفلها على ظهرها في "الجنذل" إذا كانت مرضعة.  وكثيرا ما سمعنا روايات عن عدد من النساء كانت تفاجأ بالآم المخاض في الخلاء والحقول وعلى الطرقات وهي تقوم بمهمات عملية وإنتاجية تشغلها حتى عن نفسها وعمن تحمله في أحشائها.  وكان الله يعينها ويسهل الولادة لمثل هذه المرأة المجاهدة في سبيل لقمة العيش، والمضطرة للعمل  الحثيث المتواصل كي تبلغ مرحلة الإنتاج وقطاف ثمار الجهد والتعب.  ولأن المرأة غالبا تتصف بحسن التعامل مع الآخرين، ولديها مهارات اجتماعية وعملية، فهي تتقن ترتيب منتجاتها في السلال وأكياس الخيش وغيرها، ومعظمها أدوات تصنعها بنفسها. وفي الأسواق تثبت جدارة في عرض البضاعة والبيع بمهارة وكسب الزبائن، ومهارة شراء ما يلزم وما ينقصها من أثمان ما تبيع.
-    المرأة مصنعة للأغذية بمهارة عالية الجودة والإتقان منذ زمن بعيد.  فإن طرق التمليح والتجفيف خاصة، حفظت فيها "لبن الجميد" والجبن الأبيض البلدي"، علاوة على حفظ الزيتون والمخللات والمكابيس. وهناك طريقة التجفيف للخضر والفواكه كالقطين ، الزبيب، البندورة، البامية، الملوخية وغيرها، وتتقن كافة طرق الحفظ. لذا، عندما اندلعت الانتفاضة الأولى (1987) وجهت دعوة وطنية إلى الناس بالعودة إلى أساليب الحفظ التقليدية والاستغناء عن الثلاجات التي تحتاج إلى كهرباء ويتحكم العدو في قطعها أو وصلها .  كما تستغل المرأة إمكاناتها المحلية بتدبير وذكاء ومهارة وخبرة، فهي من الممكن أن تستفيد من الزيت كماده حافظة علاوة على كونه مادة غذائية أساسية كما في حفظ اللبنة والمكدوس ومملح الزيتون الأسود.
-    المرأة "تُبقّل" من الخلاء والطبيعة على مدار العام، وتجد في البراري ما يستفاد منه من الغذاء والعلاج والوقود للطاقة، كالحطب والنتش (البلان) ونباتات وأعشاب برية طبية كالمريمية والجعدة والكمندرة والزعتر، ومواد تنتظرها موائد المدن، ويستسيغ مذاقها الناس وتزدهر في مواسمها كالعكوب والهندباء (العلك) واللسينة والحويرة والقَبار والخبيزة ... إلخ.

-          وغالبا ما تمتهن الأرامل والفقيرات مهنة "التبقيل" ويعد هذا فخرا لها لأنها أنفقت على أسرتها من هذا الباب أي (التبقيل) بمفردها.
-    المرأة مساهمة بجدارة في توفير الأمن الغذائي الأسري، عندما تربي الدواجن والحيوانات اللبونة المنزلية من أجل الاكتفاء الذاتي للأسرة ولتوفير دخل خاص بها شخصيا مما تبيعه.  وفي العرف والعادة الشعبية أن هذا من حقها.  كما تهتم بتحضير ما يلزم من هذه الدواجن لتغذية الحوامل والولادات والمرضى.  وهذا المخزون الحيّ الدائم يقضي حاجات غذائية يومية من اللحوم البيضاء بيسر وسهولة أكثر من ذبح الذبائح التي توفر لإنتاج الحليب والتوليد، ويقتصر ذبحها في الأعياد والمناسبات وفي الأفراح والمآتم وللضيوف، وإذا ما ذبحت للاستهلاك المنزلي كانت تعمد إلى حفظ اللحوم بطريقة "القاورمة" وتذبيلها بالدهن والملح لوقت الحاجة.
-    أما المرأة البدوية فهي ترتحل مع مواشيها من منطقة إلى أخرى من البادية إلى الأغوار والسهول والجبال بحثا عن المراعي الخصبة.  وفي "العِزب" تتكفل برعاية صغار الحيوانات "الفطم" التي لا تستطيع اللحاق بأمهاتها إلى المراعي البعيدة.  وتقوم بحلب الأغنام وتوليدها وتصنيع منتجاتها من ألبان واجبان وسمن وزبدة، وتجهيزها للاستهلاك العائلي ولتسويقها في المدن.  وتعتبر محافظة الخليل التي يعيش فيها مجتمع رعوي في قرى وبلدات بدوية أكبر منتج ومصدر للألبان، وهناك سوق دائم في الخليل باسم "سوق اللبن".

-          ومن الأمثال الشعبية التي تقدر دور المرأة في العمل والإنتاج ما يلي:

"الزلمة جَنّا، والمرة بَنّا"، و"النسوان كثار وربات البيوت قلال"، و"لا يعجبك زينها وبياض خرقتها، بكرة بتيجي الحصيدة وبنشوف فعلتها"، و"الشاطرة بتقضي حاجتها والخايبة بتنادي جارتها"، و"إن رقّعَت ما عريت وإن بَقلت ما جاعت"، و"المرة العاقلة بتعمر بيتها وبيت جوزها".

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.