تشرين ثاني 2008 العدد (8)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

November 2008 No (8)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

آفاق البيئة والتنمية تصحب قرائها في رحلة بيئية عبر الوادي

تدمير النظام البيئي الرطب في وادي غزة

نهب الاحتلال الإسرائيلي للمياه المتدفقة في الوادي تسبب في جفافه

سمرشاهين / غزة

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

نبعت  فكرة أن تصطحب آفاق البيئة والتنمية قراءها في جولة سياحية –بيئية- في وادي غزة من حاجتنا الماسة للتعرف على الواقع البيئي في قطاع غزة المحاصر والمجوع والأماكن البيئية الأكثر شهرة وتضررا جراء الإهمال البيئي الواضح في المناطق الفلسطينية حيث تأتي الاهتمامات البيئة في أدنى السلم.

رحلتنا بدأت منذ ساعات الصباح الأولى، وكلنا شوق لأن نرى ما قرأنا عنه سابقا بين ثنايا السطور وما تغنت به الأمثال الشعبية في جمال وادي غزة وفائدته... هنا رست أولى محطاتنا قبالة الجسر الذي أنهكه الاحتلال الإسرائيلي بضرباته القاضية حيث بات شبحا لجسر وليس جسرا يربط شمال القطاع بجنوبه .

تركنا العنان لأقدامنا أن تجوب بنا في كل أرجاء الوادي قبل أن نتلمس تربته التي باتت تعاني من ويلات الانتهاكات ..بصحبة مرشدنا البيئي الدكتور عبد الفتاح نظمي عبد ربه أستاذ العلوم البيئية المساعد في قسم الأحياء – الجامعة الإسلامية بغزة، وحيث بدأت الرحلة بزيارة المنطقة الغربية لوادي غزة لنصدم بواقع مرير جراء أشكال التدهور البيئي الخطير للمنطقة متمثلاً في التدمير شبه الكلي للنظام البيئي الرطب الفريد من نوعه على مستوى فلسطين الساحلية، رغم أهمية البيئة  في اجتذاب عناصر التنوع الحيوي ولاسيما الطيور المائية المقيمة والمهاجرة.

ورافقتنا في رحلتنا طيور عدة منها طائر القطا، ودجاج الماء، والسنونو، وخنشع القصب، والغراب البلدي، والحمام الصخري، ومن أهم الزواحف المشاهدة الدفان، وسلحفاة الماء العذب.

محطتنا الأولى...التربة

 وقال د. عبد ربه: "انظري لحبيبات الرمل هذه لتعرفي أن  أهمية وادي غزة تنبع من كونه يحوي نظاما بيئيا رطبا فريدا من نوعه في فلسطين الساحلية(...) ؛ إذ تمتاز الأراضي الرطبة بأنها من أكثر النظم البيئية إنتاجية على مستوى العالم".

وأوضح أن النظام البيئي الرطب لوادي غزة يقدم العديد من المنافع البيئية والاقتصادية للمواطنين وللحياة البرية على الرغم من أن التدهور المتلاحق هو السمة البارزة له وللبيئات المجاورة له؛  نظرا للكم الهائل من النفايات الصلبة والسائلة التي تقذف فيه، وما زال هذا النظام يجذب العديد من الرحلات البيئية والزيارات العلمية المختلفة نظرا لطبيعته المائية ومحتواه البيولوجي . ولعل قرب وادي غزة بكثبانه الرملية ونظامه البيئي الرطب من البيئة البحرية والشاطئية خلق تداخلا فريدا في النظم البيئية تجلت في الملامح التضاريسية والتنوع الحيوي لنظم اليابسة والماء،  مما سيكون له أهمية كبرى في حال تأهيل المنطقة لتدعم السياحة البيئية والأنشطة المرافقة.

 وفي معرض رده على سؤال حول تنوع الحياة البرية الفقارية والنباتات الطبيعية قال: "إن وادي غزة يزخر بأشكال متنوعة من الحياة البرية الفقارية والنباتات الطبيعية، ولعل ما ساهم في هذا التنوع أنه يعتبر أحد أهم المسارات التي تسلكها الطيور المهاجرة القادمة من أوراسيا إلى أفريقيا وبالعكس نظرا لطبيعته شبه المائية والنباتية التي توفر الملجأ والحماية والراحة والوقود والتناسل أحيانا للطيور المهاجرة.

إن قدوم الطيور المهاجرة إلى فلسطين يشجع سكان الساحل ولاسيما القريبين من وادي غزة على نصب شباكهم بغرض صيد الطيور المهاجرة القادمة من عرض البحر؛ ولعل طائر السمان (الفر أو السلوى) يعتبر من أهم تلك الطيور المهاجرة التي يحبذها الصيادون ويصطادون منها الآلاف سنويا نظرا لطيب لحمها حيث ورد ذكره في عدة مواضع في القرآن الكريم.

نشأة وتطور

وتحدث د. عبد ربه عن نشأة وادي غزة مشيرا إلى أنه  عرف منذ زمن بعيد باسم نهر البيسور الذي يرتبط بالمملكة الكنعانية في بيسور في صحراء النقب، كما أنه سمي بنهر ثابتا المرتبط بقرية ثابتا الرومانية البيزنطية المحاذية للوادي من الجهة الجنوبية. يعتبر وادي غزة منذ العصر النحاسي (4500-3200 قبل الميلاد) من المناطق الأكثر جذبا في جنوب غرب فلسطين للحضارات القديمة المتعاقبة،  نظرا لأرضه الخصبة على ضفافه ولوفرة مياهه حيث ازدهرت الزراعة ورعي وتربية الحيوانات المنزلية ولموقعه القريب أيضا من البحر الأبيض المتوسط على الطريق الأساسي الذي يربط بين مصر من ناحية وفلسطين وسوريا وبلاد ما بين الرافدين (Mesopotamia) من ناحية أخرى.

لقد بدأت الحياة على جانبي الوادي منذ التاريخ القديم حيث بنيت المستعمرات على طوله ونمت في العديد من مناطقه أو تلاشت تبعا للحظ الاقتصادي للمنطقة، ولعل أهم الحرف التي سادت في تلك الأزمان هي الزراعة والرعي وصيد الأسماك نظرا لقرب السكان من الماء. مع بداية العهد الإسلامي، استعمر الناس منطقة الوادي وأعادوا استعمال جدران المواقع الأثرية المهجورة في تشييد بيوتهم الجديدة، وفي العهد الحديث ازدهرت المدن والقرى والمخيمات في منطقة وادي غزة.

 واسترسل خبيرنا البيئي في شرحه لوادي غزة من  الناحية الجغرافية والبيئية، قائلا: "يعتبر  الأكبر في فلسطين إذا استثني نهر الأردن وهو ينبع من جبال النقب والمرتفعات الجنوبية لمدينة الخليل وتبلغ منطقة التجميع المائي له حوالي 3500 كيلومتر مربع، ويبلغ طول وادي غزة من منبعه حتى نهايته في البحر الأبيض المتوسط 105 كيلومترات، بينما يبلغ طول الجزء الأدنى منه في قطاع غزة 9 كيلومترات من خط الهدنة شرقا حتى البحر غربا. يتباين عرض الوادي من منطقة لأخرى حيث يبلغ أقصى عرض له عند التقائه بالبحر مكونا نظاما بيئيا رطبا ليصل إلى حوالي 100 متر.

ويبلغ عدد سكان منطقة وادي غزة حوالي 10  آلاف نسمة، ونظرا لأهمية وادي غزة كمنطقة طبيعية تؤوي العديد من عناصر التنوع الحيوي النباتي والحيواني ولكونه يحوي نظاما بيئيا رطبا فريدا على مستوى فلسطين الساحلية، فقد أعلنته السلطة الفلسطينية محمية طبيعية عام 2000، ويهدف هذا الإعلان إلى صون وادي غزة ونظامه البيئي الرطب وإلى تقليل التدهور في مصادره الطبيعية وتنوعه الحيوي فضلا عن إعادة تأهيله.

مشاكل بالجملة

 وحول الواقع البيئي الحالي لوادي غزة بعد مرور ستين عاما على نكبة فلسطين  قال: "إن هذا النظام البيئي يعاني جملة من المشاكل والقضايا التي تهدد تكامله البيئي واستقراره واستدامته للأجيال القادمة ومن أهم هذه المشاكل  بناء الاحتلال الصهيوني السدود وحجز المياه في المجرى الأعلى لوادي غزة، حيث بدأت كمية المياه المتدفقة في الجزء الأدنى من وادي غزة بالاضمحلال بشكل ملحوظ مع بداية سبعينيات القرن الماضي، بسبب السدود وأنظمة تغيير مجرى وادي غزة في الجزء الأعلى من وادي غزة قبل دخوله للقطاع ومنذ ذلك الحين انخفضت كمية ومدة الجريان المائي باستثناء الفيضانات الموسمية التي قد تحدث في حوض الوادي في السنوات غزيرة الأمطار. ترتب على هذا الوضع ضعف في تغذية الخزان الجوفي في قطاع غزة بالمياه ومنع الاستخدام متعدد الأغراض للمياه السطحية في وادي غزة.

يضاف إلى ذلك تدهور البيئة الطبيعية للوادي حيث اختفت وقلت عشائر العديد من الأنواع النباتية والحيوانية التي تعتمد على الماء في حياتها ولعل الأسماك التي كان سكان وادي غزة يحصلون عليها من مياه الوادي خير شاهد على هذا التدهور، حيث يحكي سكان منطقة وادي غزة دوما أن العديد من الأنواع السمكية كانت تقطن مياه الوادي مثل أسماك البوري والذهبان والبلطي وكانت تصطاد بكثرة من قبل المواطنين قبل 4-5 عقود، أما الآن فلا وجود لها بسبب حجز مياه الوادي وجفافه وتلوثه بكميات هائلة من المياه العادمة. إن الطبيعة الجافة وشبه الجافة التي يحياها وادي غزة حاليا ألقت بظلالها على كافة مناحي البيئة بل وجعلت من وادي غزة أرضا سهلة الانتهاك من قبل السكان المحليين.

المياه العادمة

يعتبر تلوث وادي غزة بالمياه العادمة غير المعالجة هو الصورة الأكثر شيوعا والأكثر خطورة وتدميرا لجميع المواطن البيئية والحياة البرية، فقد ازدادت كمية المياه العادمة غير المعالجة التي تقذف في مجرى وادي غزة لتصل إلى عشرين ألف كوب يوميا بعد أن قدرت سابقا بمعدل ثمانية آلاف كوب يوميا ويأتي جلها من الكتل السكانية المحيطة والمتمثلة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين (البريج والمغازي والنصيرات) والمغراقة ومدينة الزهراء التي أنشئت بعد قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 إضافة إلى مدينة غزة. يستطيع كل من يزور منطقة وادي غزة مشاهدة الكميات المهولة من المياه العادمة غير المعالجة بالعين المجردة والتي لم تبق عنصرا من عناصر البيئة الطبيعية إلا وأثرت فيه.

لقد أوضحت العديد من الدراسات الآثار البيئية السلبية للمياه العادمة على مجمل الوضع البيئي في وادي غزة. إذا ذكرت موارد المياه الجوفية في منطقة وادي غزة فإن تلوثها الكيميائي والبيولوجي هوالموقف السائد بسبب الكميات الهائلة من المياه العادمة التي تصل مجرى وادي غزة يوميا.

وأشار إلى وجود تراكيز عالية من النترات وأملاح الكلورايد والموصلية الكهربية في المياه الجوفية في منطقة وادي غزة في إشارة لتلوثها بالمياه العادمة. تكمن خطورة المياه العادمة في احتوائها على خليط من المواد السامة وعوامل الأمراض المتمثلة في البكتيريا والفيروسات والطفيليات التي تشكل خطرا حقيقيا على صحة وبيئة عناصر الحياة البرية المختلفة.

وتشكل المياه العادمة خطرا على الوضع الصحي للسكان المحليين بسبب انتشار البعوض والآفات المزعجة والروائح الكريهة المزعجة والطفيليات المعوية كما أوضحت ذلك العديد من الدراسات العلمية في وادي غزة والمناطق المجاورة.

 وأوضح أن تلوث الهواء بالروائح الكريهة المزعجة الناجمة عن التحلل اللاهوائي للمياه العادمة في وادي غزة يلقي بظلاله على شكاوى السكان المحليين المستمرة إذ يعاني المواطنون من أعراض صحية جمة وقت التعرض لهذه الروائح وقد تستمر لفترة بعدها حيث تتمثل الأعراض في تهيجات الأنف والبلعوم، الصداع، الكحة، الغثيان، احتقان الأنف، ضيق الصدر والإجهاد، وبالطبع تزداد حدة هذه الأعراض عند الأفراد الذين يعانون أمراضا صدرية كالتهاب الشعب الهوائية والربو.

منطقة ساخنة

 يؤثر تلوث وادي غزة بالمياه العادمة على مجمل البيئة البحرية في المنطقة القريبة إذ يعتبر وادي غزة من أكثر وأخطر النقاط الساخنة وبؤر تفريغ المياه العادمة في البحر الأبيض المتوسط. تكمن الخطورة في محتوى المياه العادمة من المواد الكيميائية والسموم والمواد العضوية الذائبة وعوامل الأمراض المختلفة من بكتيريا وفيروسات وطفيليات.

ولفت النظر إلى أن الملوثات تشكل خطرا على صحة المواطنين الذين يستجمون في مياه وعلى رمال البحر والذين يتناولون الأسماك الملوثة، تؤثر المياه العادمة على السلاسل الغذائية البحرية بدءا بالعوالق أو الطافيات النباتية البحرية (Phytoplankton) وانتهاء بالأسماك حيث تغير من نمطها. وقد تتركز العديد من الملوثات الكيميائية والسموم في المستويات العليا في السلاسل الغذائية ؛ مما يؤدي إلى هلاك العديد من عناصر التنوع الحيوي البحري. إن الحمل العضوي للمياه العادمة يؤدي غالبا إلى استنزاف الأكسجين المذاب في مياه البحر بسبب تحلل تلك المواد العضوية مما يشكل خطرا على الحياة البحرية.

 وخلال جولتنا كانت تتراكم  كميات ضخمة من النفايات الصلبة متعددة المصادر (المنزلية والإنشائية والإسفلتية والزراعية والصناعية والبلاستيكية والطبية والخطرة بما في ذلك الحيوانات النافقة) في مواقع مبعثرة على طول مجرى وادي غزة وهي بدورها تهدد صحة النظام البيئي والتنوع الحيوي في وادي غزة.، هكذا يقول د. عبد ربه.

 وكما هو الحال بالنسبة للمياه العادمة فإنه يستطيع كل من يزور وادي غزة رؤية أكوام النفايات الصلبة، وكأن أراضي الوادي أصبحت مكبا ومدفنا للنفايات الصلبة التي يطرحها السكان المحليون والبعيدو؛ مما يشكل كارثة بيئية وصحية محدقة. على الرغم من عدم وجود دراسات توضح مكونات النفايات الصلبة في وادي غزة، إلا أنه يعتقد بتشابهها مع مكونات النفايات الصلبة في كامل قطاع غزة وهي 70% من المواد العضوية، 8% ورق وكرتون، 8% بلاستيك، 6% زجاج، 3% معادن و5% مكونات أخرى.

وأوضح د. عبد ربه أن، المخاطر الناجمة عن تراكم النفايات في وادي غزة تشمل انتشار وشيوع القوارض الضارة ولاسيما الأنواع الكونية الثلاثة وهي الفأر النرويجي والفأر الأسود والفأر المنزلي، وانتشار الحشرات الضارة مثل الذباب المنزلي والصراصير والبعوض حيث يمثل البعوض مشكلة خطيرة في منطقة وادي غزة يعاني منها المواطنون كثيرا، ويتلوث الهواء أيضا من الروائح الكريهة المنبعثة من أكوام النفايات والحيوانات النافقة مما يسبب إزعاجا للسكان المحليين والزائرين ويتفاقم الأمر عند حرق النفايات في وادي غزة حيث تتصاعد الجزيئات والغازات السامة بما فيها الديوكسين شديد الخطورة على صحة الإنسان.

 تساهم النفايات الصلبة المتراكمة في تلوث التربة وتغيير الملامح التضاريسية بل يتعدى الأمر ذلك إلى نفوق العديد من الحيوانات المنزلية التي يقوم عادة المزارعون بتربيتها مثل الأغنام والماعز والتي كثيرا ما تشاهد وهي تتناول الأكياس البلاستيكية المتواجدة بكثرة في النفايات.

إن تلوث المياه الجوفية في قطاع غزة يمثل مشكلة خطيرة وقد تساهم عصارات النفايات في تلوث تلك المياه والحد من استعمالها. يبقى أن نشير إلى أنه لا يوجد فصل بين النفايات الخطرة وغير الخطرة في الأراضي الفلسطينية وغالبا يتم طرحها معا في الحاويات والمكبات مما يشكل خطرا على البيئة الفلسطينية والموارد المائية والتربة والنباتات والحيوانات والإنسان، وبالطبع فإن هذا الأمر ينسحب على وادي غزة الذي يستقبل يوميا كميات مهولة من النفايات الصلبة الخطرة وغير الخطرة.

وللآثار نصيب من التدمير

دمرت خلال السنوات الماضية العديد من المواقع الأثرية والتراثية في منطقة وادي غزة بغرض إنشاء المشروعات السكنية واستصلاح الأراضي والتوسعات ومن أوضح الأمثلة على ذلك التجريف والتدمير الكامل لتل الصنم المجاور للنظام البيئي الرطب، كما أن سرقة ونهب بعض المحتويات الأثرية لتلك المواقع وبيعها لجهات معينة أو  للاحتلال الصهيوني قد سجل مرارا كما أشار بذلك بعض سكان المنطقة. تجدر الإشارة هنا إلى أنه تم تسجيل عدة عمليات تنقيب من قبل بعض المواطنين لبعض الآثار في مواقع أثرية متعددة في منطقة وادي غزة، وقد تم تصوير العديد من القطع الفخارية والنقود (السحاتيت) التي عادة يتم بيعها بأثمان زهيدة جدا لبعض تجار الآثار في قطاع غزة.

تدمير المواطن البيئية

وقال:  شهد وادي غزة في العقدين الماضيين تدميرا واسعا في مواطنه البيئية المختلفة التي تزخر بتنوع حيوي عال نسبيا، إذا ما قورن بمواطن بيئية أخرى في قطاع غزة، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك تدمير الكثبان الرملية التي تحيط بالأجزاء الغربية من وادي غزة. ولا يخفى على أحد دور الكثبان الرملية كملامح تضاريسية هامة في البيئة الفلسطينية وأهميتها في إيواء عناصر متنوعة من النباتات الطبيعية والحيوانات البرية، وكذلك أهميتها في تغذية الخزان الجوفي الساحلي الرئيس في قطاع غزة. لقد طال التدمير أيضا الأحراش والغابات التي كانت تزين ضفاف الوادي وتعتبر موطنا للطيور المقيمة والمهاجرة وعناصر أخرى هامة للتنوع الحيوي، ولعل آخر صور التدمير لحقت مؤخرا بالجزء الأخير من الوادي حيث ردم أكثر من 80% من النظام البيئي الرطب في وادي غزة وألقيت فيه كافة أنواع الملوثات البيئية بما في ذلك النفايات الصلبة الإنشائية والحيوانات النافقة والتي تعود بالضرر على البيئة والإنسان. ولا يخفى على أحد كذلك أهمية الأراضي الرطبة في اكتناز عناصر متنوعة من التنوع الحيوي الحيواني والنباتي ولاسيما الطيور المهاجرة التي تجد فيها المكان الآمن لعملياتها الحيوية من تغذية ومأوى وتكاثر وراحة.

تدمير الملامح التضاريسية

تنتشر مقالع الحصى والكركار بشكل كبير في حوض ومجرى الوادي منذ 1948 حتى 1964، وبشكل أقل في فترة ما بعد 1967 وحتى يومنا هذا حيث جرى في الفترة الأخيرة مشاهدة الشاحنات والعربات، وهي تنقل رمالا وحصى وزلطا من مجرى الوادي إلى مناطق أخرى في قطاع غزة. تلعب هذه النشاطات دورا  في ترك حفر عميقة في مجرى الوادي وعلى ضفافه مما يشوه الملامح التضاريسية والسمات الجيومورفولوجية له.

 

القطع الجائر للغطاء النباتي

يتعرض الغطاء النباتي الطبيعي منذ عقود إلى عمليات القطع الجائر المستمرة بغرض إنتاج الأخشاب وخشب الوقود والفحم إضافة إلى الفوائد الغذائية والطبية التي يجنيها السكان من العديد من النباتات السائدة في المنطقة. يشيع قطع الأشجار بين العائلات البدوية الميسورة التي تقطن أراضي وادي غزة والمناطق المجاورة، وقد لوحظ بكثرة قطع أشجار الأثل المنتشرة في مجرى الوادي وعلى ضفافه بغرض استخدامها كدعامات وأدوات سند لشجيرات العنب التي يكثر زراعتها في الكثبان الرملية المحيطة بالوادي، ومهما كانت الأسباب فإن عمليات قطع الأشجار والشجيرات تهدد بيئة وصحة النظام البيئي في وادي غزة وتنوعه الحيوي وتجعله نظاما بيئيا هشا كما أن القطع يساهم في انجراف التربة وضياعها.

الرعي الجائر للغطاء النباتي

 

نظرا لغياب المراعي الطبيعية في قطاع غزة، يلجأ سكان وادي غزة ولاسيما العائلات البدوية إلى رعي أغنامهم وماشيتهم على النباتات الطبيعية المنتشرة في المنطقة مثل أشجار الأثل والطلح والأكاسيا والسنط العربي (الغيلانة) والعوسج وأعشاب النجيل. على الرغم من الآثار السلبية للرعي الجائر على النظم البيئية من حيث تجزئتها وانجراف التربة وتدمير الشتلات والبادرات النباتية فيها، إلا أن كثافته في وادي غزة تساهم أيضا في تدمير أعشاش الطيور وتدمير المواقع الأثرية والتي لا يكترث الرعاة عادة لأهميتها التاريخية والثقافية، وكثيرا ما لوحظ انتشار الأغنام في التلال الأثرية وبالقرب منها مما ساهم في انجرافها وتدميرها المتلاحق.

 

الصيد الجائر للحيوانات البرية

يعتبر الصيد حرفة لبعض المواطنين في قطاع غزة حيث تصطاد الأرانب البرية وطيور الشنار والفر والحسون الذهبي والطيور الجارحة وغيرها، ويرتاد منطقة وادي غزة العديد من السكان المحليين ومن مناطق أخرى يمارسون مهنة الصيد لأنواع مختلفة من الحياة البرية. لا تكمن المشكلة عادة في الصيد المنظم ولكنها تتفاقم وتشكل خطرا عندما يكون الصيد غير منظم ويستنزف الأنواع النادرة. كما شاهد الباحث في كثير من الزيارات صيد الطيور المائية التي تقطن الأراضي الرطبة في وادي غزة مثل المرعة والغرة ودجاجة الماء والبط بمختلف أنواعه، كما شاهد صيد الطيور الجارحة في المناطق الشرقية والغربية لوادي غزة مثل العوسق والعويسق والرخمة السوداء ومرزة البطائح. يعتبر الحسون الذهبي من أهم الطيور التي يسعى الصيادون لصيدها نظرا لصوته ولحنه الجميل وثمنه الباهظ حيث شوهد بيع الحسون الذهبي مرات عديدة بمبالغ تقدر من 30 – 40 دولارا أمريكيا للطير الواحد. جدير بالذكر أن غياب القوانين والتشريعات البيئية في فلسطين يشجع كثيرا على عمليات الصيد الجائر في قطاع غزة، حيث يتعرض مدى واسع من الحيوانات البرية لخطر الاختفاء وتدني عشائرهم البيئية، ولنا في الأرانب البرية والقنافذ والورل الصحراوي وطيور الحسون الذهبي والمرعة وغيرها الكثير المثل الأوضح.

انتشار البعوض

كان البعوض شريكنا في رحلتنا التي أوشك المساء أن يحيط بها لنستذكر برفقة خبيرنا أن البعوض يعتبر عالميا من أكثر المجموعات الحشرية في الأراضي الرطبة التي يشكو الإنسان منها لما تسببه له من إزعاج وتنقل له الأمراض، موضحا أن غالبية سكان وادي غزة يعتبرون المياه العادمة هي السبب الرئيس في انتشار البعوض. بينت دراسة حديثة أجريت في وادي غزة أن الوسائل التي يتبعها المواطنون والجهات المسئولة في مكافحة البعوض تشمل تدميرا وردما للأراضي الرطبة وقطع وحرق غطاءها الأخضر مما يساهم في تدمير البيئة في وادي غزة.

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: helmiyousif@hotmail.com

الموضوع: الرئيسي 2-العدد 8

التعليق:

لا استغرب هذه الروعة في هذا الانتاج العلمي من مدرسي العزيز دكتور عبدالفتاح عبدربه ، الدائم الحيوية والنشاط .تحياتي له ولجميع من شاركو في اخراج هذا العمل حلمي الفرا


البريد الالكتروني: josephm@yahoo.com

الموضوع: الرئيسي 2-العدد 8

التعليق:

المنطقة الرطبة في وادي غزة والحياة البرية فيهما مهددتان بالانقراض ليس فقط  بسبب العدوان الصهيوني ضد أرضنا وبيئتنا، بل أيضا بسبب تخريب بعض العابثين والمارقين الفلسطينيين...لذا لا بد من التحرك الفلسطيني الفوري من قبل الجهات الرسمية المعنية، وعلى رأسها سلطة جودة البيئة وأجهزة الأمن لتنفيذ القانون الذي طالما ادعت الأجهزة بأنها تعمل على تطبيقه ولا أحد فوق القانون...علما بأن بعض المخربين والمعتدين على وادي غزة هم من المحسوبين على بعض الأجهزة والفصائل حاليا وسابقاأو من \"المتمتعين\" بحمايتها...

ج. معلولي - بيت لحم


البريد الالكتروني: majedi@gmail.com

الموضوع: الرئيسي 2-العدد 8

التعليق:

لماذا اعتدنا دائما التشكي على مصائبنا البيئية.  إن استمرار التدهور والتآكل الحاصلين في الأراضي الرطبة بوادي غزة سيؤدي، إن عاجلا أم آجلا، إلى انقراض الحياة البرية في الوادي...لذا، آن آوان الفعل البيئي الطارئ والمكثف، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه...الأمر الذي يتطلب فعل السلطات المختصة بشئون البيئة إلى جانب قوات الأمن والشرطة لفرض القوانين والأنظمة البيئة على الأرض ومنع تواصل ضربها وانتهاكها، ليس فقط من العدو الصهيوني بل أيضا من قبل العديد من المارقين والعابثين الفلسطينيين بأرضنا وبيئتنا الغاليتين...

ماجد عبيدات


ا

 

 

 

 

 
     
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.