مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
حزيــــران 2012 العدد-45
 
Untitled Document  

الباحث الموسوعي د. شكري عراف يتحدث عن الطبيعة، السياسة وفلسطين
شغفه لتوثيق كل حجر ورقعة في فلسطين هو أكسير وجوده

شكري عراف

حاورته: ربى عنبتاوي

حين يتحدث يبهرك كم المعلومات المعرفية التي يختزنها في ذاكرته كما يتلمسها قلبه ووجدانه، فتخرج منه حين يتحدث بالفصحى أنيقة ومثقلة بالبحث والخبرة الطويلة المرتكزة على الأمانة العلمية، فيعجز المستمع له عن تفويت جملة واحدة، فكلامه كنز ومؤلفاته التي تجاوزت الاربعين حول الجذور العربية في فلسطين، والوجود الفلسطيني (عائلياً واجتماعياً وتراثياً وقروياً ووقفياً وعقارياً وبيئياً) هي موروث فلسطيني ثمين. وبعيداً عن مكتبته المكتظة، له قصة حب وارتباط عميق بالأرض والبيئة، فتراه يحوم كل صباح في البرية القريبة من المنزل، يقلم الاشجار البرية ويتمتع بألوان الطبيعة الساحرة ومعالمها وتفاصيلها، عدا عن اهتمامه بأرضه الصغيرة التي يزرع فيها مختلف الأصناف والألوان، إنه الباحث الموسوعي وصاحب المجلس الشيق د. شكري عراف.
يقول ابن قرية معليا في الجليل الأعلى -الثمانيني في العمر، الشاب في النشاط- بصوت وهبه الله حنجرة ذهبية تعيد للعربية هيبتها، حيث يصف بداياته مع الطبيعة: "أنا فلاح، ابن قرية، أعيش الطبيعة بكل حذافيرها من صخرها وترابها وأوديتها وأعشابها، حتى أنها كانت في تخصصاتي الأولى "البكالوريوس" من خلال علم النبات.
ويضيف الحاصل على الدكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط من الجامعة العبرية، أنه وأبناء قريته كفلاحين، فقد اعتمدوا قديماً الزراعة التقليدية القائمة على الدواب لحرث الأرض والبيادر، حيث زرعوا القمح والشعير والكرسنة والعدس والفول والحمص والزعتر والزيتون، وحتى التبغ.
د. عراف الذي انتشر الشيب في رأسه، يشير إلى أنه لا يتوانى عن تغيير هوايته وهي الاستيقاظ صباحاً والاتجاه لأرضه التي تبلغ ثلاثة دونمات، فيتفقد أشجار الزيتون والفاكهة والأعشاب الطبية،  فالأرض بالنسبة لـ .د شكري توأمه السيامي، كما يثني في ذات الوقت على زوجته روزا التي تفهمت طبيعته منذ البداية، وتقبلت شغفه بالكتب والأبحاث والرحلات الاستكشافية والتي حتى اليوم قاد منها ما يزيد عن 2000 رحلة. يضحك وهو يردد مقولة زوجته لإحدى صحف الداخل: "من تتزوج شكري عرّاف، فعليها تحمل النتائج".

غياب الأرض يهدد اللغة والهوية
لكن يتحسر اليوم د. عراف على اختفاء الزراعات التقليدية التي ناقشها في كتبه، حيث حلّ مكانها الزراعة التجارية المعتمدة على  الماكينات، ما أضعف علاقة الإنسان بأرضه وخاصةً لمواطن فلسطين المحتلة عام 48. حيث صادر الاحتلال 95% من أراضيه، وما بقي لا يتسع  الكثافة السكانية الآخذة بالازدياد، فاضمحلت الزراعة ولم تعد مصدر اكتفاء ذاتي وقيمة يحيا الإنسان من أجلها كما الماضي.
وفي هذا الوقت ينشغل د. عراف في إعداد كتابه الجديد حول ارتباط أسماء المواقع والقرى بالإنسان والحيوان والنبات والتاريخ والجغرافيا والأديان، ويشير على سبيل المثال إلى وجود 30-40 موقع في فلسطين ورد فيه اسم الأسد وهذا دليل على وجود هذا الحيوان المفترس في فلسطين في الماضي، مستندا أيضا إلى التاريخ ومحاربة صلاح الدين وجيوشه للأسود في غابات شمال فلسطين.
يعتبر د. شكري عراف نفسه باحثاً مستقلاً لم يخضع في الماضي أو الحاضر لأي مؤسسة، وهذا ما يجعله كاتبا حيادياً غير مجامل في كتاباته، مشيراً إلى تأجيل نشر كتاب عن تاريخ شفاعمرو أعده بناءً على طلبٍ من البلدية،  بسبب اعتراض الأخيرة على بعض المعلومات التاريخية التي لم ترق للبعض وطلبهم حذف جزء بسيط منه، الأمر الذي يرفضه د. عراف،  حيث قال لهم بالحرف: " إن أردتم حذف أي سطر فاحذفوا اسمي عن الكتاب".
ما يؤرق د. شكري عراف وقد وثقه في كتبه هو عملية أسرلة المواقع والقرى وتغيير أسمائها، وقد عمل اليهود منذ أكثر من 120 عاماً على طمس أسماء القرى والمدن الفلسطينية وعبْرَنَتها، فهذه "ملبّس" تصبح "بيتَح تكفا" والتي تعني باب الأمل، وهذه "الجاعونة" تصبح "روش بينا"، أي رأس الزاوية. وهو لا يخشى على فلسطين بل على هويتها، وقد استطاع الاحتلال تغيير آلاف  الأسماء، وما زالت المحاولات سارية حتى اليوم.

شكري عراف في رحلة بيئية مع معلمي المدارس

د. عراف: أقول كما أريد وليس وفق مزاج الحضور
" نجح الاحتلال في أسرلتنا" وفق قول د. عراف، فالعبرية تخترق أحاديث الكثيرين وأسماء المواقع بالعبرية أصبحت هي مرجع الأجيال فالخطر هو عملية الترجمة للعربية من العبرية لعدم وجود توثيق كافي لكافة المدن والقرى الفلسطينية. وكل ذلك يؤثر على أعماق ووطنية عرب 48.
وأثناء إلقائه محاضرات تاريخية وجغرافية وخاصة في الجامعات الإسرائيلية مع انه يتجه أكثر لنظيراتها الفلسطينية، لا يتورع د. عراف عن ذكر بلاده باسم فلسطين عدا عن ذكر الحقائق وتفنيد أكاذيب إسرائيل، الأمر الذي لا يروق للجمهور وكثيراً ما يرد بالهجوم والإهانة، مؤكدا انه يتحدث دائماً كما يريد وليس كما يرغب الجمهور فهو ينفر من التفكير الرغبوي ويتجنبه.
ويضيف: "استدعيت عشرات المرات للتحقيق معي حول محاضراتي التي تتطرق للاحتلال واسرلته وتزويره للتاريخ، وللأسف دائما يوجد مدسوسون في القاعات يسارعون كلما سنحت الفرصة لإبلاغ الاحتلال"، الأمر الذي لا يخشاه فهو يقول الحقيقة وليجادلوه بها إن استطاعوا.

التحدي والتثقيف وراء دراسات د. عراف
وحول سبب كل هذا الإصرار لتوثيق كل صغيرة وكبيرة في تاريخ فلسطين، أشار د.عراف أنه كان لسببين، الأول: الرغبة في تحدي الإسرائيليين وتفنيد اكاذيبهم التي يعلمونها لأبنائهم وأكبرها: "مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".  أما التحدي الثاني فكان التمرد على جهل الطلبة نتيجة جهل معلميهم بتاريخ بلادهم، فكان يكتب وبنهم ليثقف ويعزز المواطنين بهوية وتاريخ شعبهم المتوارثة منذ آلاف السنين.
يرى د. عراف القدس عجيبة من عجائب العالم لأهميتها الدينية والتاريخية والحضارية، كما يعتقد بأهمية سبسطية، وقيسارية، ومدينة القمر أريحا. ويؤمن بأن طبريا وبيسان درتان على جبين الوطن.
وحول تحول خارطة فلسطين وفق اوسلو إلى الضفة وغزة وكم هذا أمر خطير على هوية وتاريخ فلسطين، فأشار د. عراف إلى اجتماع دعي إليه مع مسؤولين وجغرافيين فلسطينيين منذ سنوات، حيث قاطعهم بقوله أثناء اللقاء: "عن أي فلسطين تتحدثون؟؟ الانتدابية، أم 67، أم فلسطين اليوم بعد الاستيطان والجدار؟؟ الأمر الذي لم يرق للحاضرين فلم أدعَ مجدداً".

اسرائيل المنتهكة الأولى للبيئة
وحول بيئتنا الفلسطينية فأكد د. عراف أن الخطر الأكبر من إسرائيل، فهي توجه أبخرة مصانعها وملوثاتها باتجاه الشرق أي الضفة الغربية والأردن. كما يعارض بشدة مشروع "قناة البحرين" الذي يهدد المنطقة برمتها في حال المباشرة فيه،  حيث أن فائض المياه قد يتسبب في حالة الزلازل فيضاناً وكارثة بيئية. ويزعج د. عراف عدم حظر التدخين بعد في الأماكن العامة داخل الأراضي الفلسطينية المطبق في عشرات الدول، ما يعتبره تعديا صارخا على حرية الآخرين. ومن تجربته في التجول في الضفة الغربية فدائماً ما يعلن انتقاده اللاذع لسوء نظافة بيوت المياه ومحطات الوقود، الأمر المسيء للبلد.
ويذكر في الماضي وحين كان في الثلاثينيات،  قيامه بأعمال تطوعية مع شباب البلدة لجمع القمامة، حيث احضروا آنذاك 96 تراكتوراً لتنظيفها، ولكن مشهد اليوم قاتم حيث تنظف المدينة في الصباح وتصبح متسخة في المساء. ويذكر لنا قصة حين كان يقف مع شاب فلسطيني في ألمانيا حيث قام الأخير بإلقاء علبة سجائره على الأرض فقام رجل ألماني مسن بمخاطبته بالقول: "خذ نفاياتك إلى بلدك فهي لا تلزمنا".

أسئلة سريعة وإجابات رشيقة
وحول الحيوانات التي انقرضت في فلسطين فقال أنها الأسد والنمر. وفي لحظات الصفاء يوجد د. عراف في الوعر يقلم الأشجار البرية، أو يقرأ ويكتب. كما تباع كتبه في الدول العربية والوطن، منتقدا التزوير المنتهك للملكية الفكرية، ولكنه يعود ويبرر الوسيلة لغاية:  أن تكون كتبه في متناول الجميع خير له من أن تنفى على الرفوف.
أجمل كلمة يحب سماعها  د. عراف "السلام عليكم"،  ويكره من الكلام ويلعن "الطائفية"، ويحب اسمه الثوري الذي يناديه به أهالي فلسطين "أبو العبد" مع انه في الحقيقة أبو وحيدته "مريم".
في بيته ثلاث غرف ملأى بالكتب،  ويعتاش على مخصصات التقاعد كأستاذ سابق.

التعليقات
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية