تراثيات بيئية
إدوارد سعيد والإيكولوجيا السياسية
أدوات وأواني المطبخ الفلسطيني (2)
زهرة من أرض بلادي-
القيقب
إدوارد سعيد والإيكولوجيا السياسية

علي خليل حمد
تعرّف الإيكولوجيا السياسية بأنها دراسة العلاقات بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة والقضايا والتغيرات البيئية من جهة أخرى.
ويعد المفكّر الفلسطيني الكبير، إدوارد سعيد، أحد مؤسسي الإيكولوجيا السياسية، وذلك لكشفه عن العلاقات بين التقسيمات الجغرافية والقوى السياسية، وبخاصة الإمبريالية الغربية، وذلك في كتابه الشهير "الاستشراق".
وقد تأثرت دراسات الإيكولوجيا السياسية بأفكار إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق؛ وكانت الدراسات الأولى في هذا الشأن تتركز في القضايا ذات الصلة ببلدان العالم الثالث، غير أنّها اتسعت بعد ذلك لتتناول الإيكولوجيا السياسية في بلدان العالم الصناعي المتقدم، وفي هذا الشأن يقول جوئيل فانرايت:
"إذا كانت الإمبريالية ذات علاقة جوهرية بإنتاج العالم وتنظيمه، وكذلك في معارفنا عنه، فإن الإيكولوجيا السياسية تنطبق إدراكيا على جميع الفضاءات ومنها بلدان العالم الأول [أيضا].
تحدث إدوارد سعيد عن الإيكولوجيا وعلاقتها مع الإمبريالية، قي كتابه الشهير "الثقافة والإمبريالية"، وذلك في ثلاثة نصوص رئيسة نقدّمها بتصرف فيما يأتي:
1) [الصراعات السياسية تمزّق نسيج البيئة الكونية]
إن الأمم المعاصرة في آسيا، وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، مستقلة سياسيا؛ لكنها من وجوه عديدة ما تزال خاضعة لقدر من السيطرة والتبعيّة يعادل ما خضعت له حين كانت القوى الأوروبية تحكمها حكماً مباشراً.
وقد كرّرت دورة القرن الماضي الإمبريالية نفسها بصورة ما، في أواخر القرن العشرين، رغم أنه لا توجد اليوم فعلاً مساحات كبيرة فارغة، أو حدود تزداد توسّعا، أو مستوطنات جديدة مثيرة تنتظر التأسيس [كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر]؛ ويعيش الناس الآن في بيئة كونية واحدة تمزّق نسيجها أعداد لا تحصى من الضغوط البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ينبغي ألاّ يتظاهر المرء بأن ثمّة نماذج جاهزة قريبة المتناول لنظام عالمي متناغم؛ ويقال مثل ذلك عن افتراض أن أفكار السّلام وروح التآلف الجمعية يمكن أن تتاح لها فرصة حقيقية بالوجود، في الوقت الذي تضع التصورات العدوانية للمصالح القومية الحيوية، أو السيادة غير المحدودة، القوة موضع الاستخدام الفعلي، كما حدث في صدام الولايات المتحدة مع العراق...
2) [التحويل الإمبريالي للبيئة]
إن الإمبريالية، بعد كل حساب، فعلٌ من أفعال العنف الجغرافي الذي يتم عن طريقه، فعليّا، استكشاف كل فضاء في العالم، وتخطيطه، وإخضاعه أخيراً للسيطرة. ولقد افتُتِح تاريخ العبودية الاستعماري، بالنسبة للسكان الأصليين، بفقدان المكان المحلّي لمصلحة الغريب الخارجي؛ ومن بعد، يجب البحث عن هوية المكان الجغرافية واستعادتها بصورة ما؛ لكن حضور الخارجي المستعمِر يجعل استعادة الأرض متعذرة، في البداية، إلا من خلال الخيال.
من الأمثلة المهمة للتحولات الجغرافية الإمبريالية، ما ذكره "كروسبي" في كتابه "الإمبريالية البيئية" بقوله:
"إن الأوروبيين حيثما ذهبوا بدؤوا فوراً بتغيير البيئة المعيشية المحلية، وكان غرضهم الواعي هو تحويل الأراضي إلى صورٍ ممّا كانوا قد خلّفوه وراءهم [في المراكز الاستعمارية]؛ ولم يكن لهذه العملية من نهاية؛ فقد أدى إدخال عدد هائل من النباتات والحيوانات والمحاصيل، فضلاً عن طرائق البناء، إلى تحويل المستعمرة تدريجيا إلى مكان جديد، مكتمل بأمراضه الجديدة، واختلالاته البيئية، وإزاحاته المؤلمة لسكان الأصليين المغلوبين على أمرهم. وقد خلقت البيئة المغيَّرة أيضاً نظاماً سياسيا مغيّراً. وأدّى هذا في عين الشاعر أو الرؤيوي القومي اللاحق إلى تغريب البشر عن تقاليدهم، وطرق حياتهم، وتنظيماتهم السياسية الأصيلة. ولقد دخل قدر كبير من التشكيل الرومانسي لهذه الصور القومية لكيفية استلاب الإمبريالية للأرض؛ بيد أنّنا ينبغي ألاّ نشكّ في أن التغيرات الفعلية التي أحدثتها كانت واسعة النطاق.
3) [الإيكولوجيا والديمقراطية]
تعاني روح البشرية المعذّبة من الضغوط والأزمات الناتجة عن مختلف الأمور، بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية وانتهاءً بالقوى الكونيّة الكبرى. ويسود الاختلاف في وجهات النظر حول مختلف القضايا باستثناء مجالين عامّين اثنين، يوجد اتفاق عليهما في كل مكان تقريبا؛ وهذان المجالان هما أن الحرّيات الشخصية ينبغي أن تصان، وأن بيئة الكرة الأرضية ينبغي أن تحمى ضدّ المزيد من التّدهور. وتتموضع الديمقراطية وحماية البيئة، اللتان توفّر كل منهما سياقاً محلياً وميادين قتال ملموسة إزاء ستارة المسرح الكوني. وسواء أكان الأمر أمر الصراع بين القوميات أم أمر مشكلات نزع الغابات أو التسخين العالمي، فإن التفاعلات بين الهوية الفردية (المتجسدة في نشاطات ثانوية مثل التدخين واستعمال علب الإيروسول) والإطار العام هي تفاعلات مباشرة بدرجة كبيرة؛ وتبدو الأعراف العريقة التي ظلت زمناً طويلاً موضع احترام في الفنّ، والتاريخ أو الفلسفة، ضعيفة الملاءمة لتلك التفاعلات.
أدوات وأواني المطبخ الفلسطيني (2)
أواني الجلد والحجارة والقش والفخار والطين

ناديا البطمة
أواني الجلد:
صنعت المرأة البدوية والريفية من جلد الحيوانات أدوات تفي بحاجتها ومن أهمها:
1. أدوات صناعة الألبان: مثل السقاء وهو من جلود الماعز بعد إزالة الشعر عنه حيث يعفر بالرماد ويوضع بالمواقد والطوابين مدة ثلاثة أيام فيسهل نزع الشعر، ثم يكشط بسكين ويدبغ بدباغ يأخذونه من قشر ماء جذور شجر البلوط.
وبالسقا يخض اللبن الرائب فتفصل الزبدة عن اللبن ويصير لبناً سائلاً خفيفاً ويدار ويحفظ في (الشراع) وهو آنية جلدية تصنع من جلد الماعز ولكن تبقى دون دباغة؛ والهدف من (الشراع) أن يبقى اللبن سائلاً كثيفاً دون أن ينزل (ميص البن بكثرة) أي الماء المنفصل عنه كما في الخريطة التي تصفى منها اللبنة، ويقدم اللبن من الشراع للعائلة أو من يزورهم وهو طازج شراباً مغذياً مبرداً.
2. جلود البقر: ومن جلود البقر يصنع الغربال المستعمل لتنظيف الحبوب من الشوائب والتراب وهو من الأدوات التي حافظت على وجودها عند البدو والفلاحين حيث لا يتوفر لها بديل ولم تغن عنها المصافي أو المنخل السلكي؛ ويمكن شراء الغربال بأحجام مختلفة من مدينة الخليل القديمة في السوق العتم أو سوق اللبن؛ وكانت سابقاً تأتي بالغرابيل نساء النور المتجولات حيث يسوقنها ويقمن بقراءة البخت بالكف والودع ويقدمن بعض الوصفات مقابل أجر.
ويتكون الغربال من:
أ. الطارة: وهي الإطار الخشبي الدائرة.
ب. الشدة: وهي خيوط جلدية رقيقة مثبتة في الطارة.
كما استعملت المرأة الجلد في تبطين أوعية القش كما في (قبعة الطحين) حتى لا يتساقط الطحين من فتحة النسيج كما بطنت (القدح) ليشكل غلافاً خارجياً يزيد من متانة الوعاء ويعطي فرصاً لاستعمالات أكثر.

أواني الحجارة:
من الأدوات التي صنعت من الحجارة:
1. الطاحونة أو المجرشة: وهي من حجر البازلت الذي يتصف بالقوة والصلابة زيادة على ثقل وزنه حتى يوثر على الحبوب كما أنه لا يخرج (الشراء) عند نحته (دقه)، ويميل لون هذه الحجارة إلى السواد ويستخرج من محاجر معينة ويقوم أشخاص متخصصون بصنعها.
والحق يقال إن ربات البيوت في بلادنا وكذلك المغتربات منهن لا زلن يفضلن الفريكة المجروجة على المجرشة البلدية حيث تجرش بالشكل المطلوب إما ناعمة للشوربة أو خشنة لتحضيرها(مغلفة بمرق اللحم).
2. ومن الأدوات الحجرية المِسَن أو المشحد (حجر المية) حيث تحرر عليه السكاكين فتصير حادة.
3. وهناك حجر (الدرداس) وهو حجر ثقيل نسبياً يشذب في الجوانب حتى يصبح مستديراً تقريباً وينحت له حوض حجري في منطقة صخرية قريبة ويستعمل هذا الحجر (لدرس) الزيتون القليل الذي يجمع في آخر الموسم قبل إرساله إلى المعاصر.
وتجلس أمام هذا الحجر امرأة تضع الحب وتحرك الحجر حركة مكوكية ويمكن أن تساعدها أخرى، أو تدفعه مع تحريك الحب بين الحين والآخر حتى يتغلف وينفرم ناعماً فتضعه في لجن واسع وتصب عليه الماء المغلي وتحركه جيداً وتقلبه حتى يخرج منه الزيت ويطفو على وجه الماء، فتقوم (بجول) الزيت عن وجه الماء يكفيها وتضعه في آنية ويكون هذا الزيت صافياً لذيذاً.

أواني القش:
وهي أوان أبدعت في صناعتها النساء لتظهر مدى نشاطها واستغلالها لخامات البيئة في إعداد ما يسد حاجة العمل والبيت ولا مانع من إعداد ما يجمل زوايا البيت (كالمشط)، والقش المستعمل هو سيقان نبات القمح الذي تجمعه من (اشمال) الزرع عندما تكون في البيدر أو (الجرن) وتنقع العش أو (القصل) في الماء البارد والملح والشبة ليكس بالمرونة وتضيف اليه الأصباغ للتلوين وتستعمل في الحشوة نبات بري يدعى (نبات السنام). ولأواني القش ميزات وصفات؛ فهي خفيفة وسهلة التنظيف كما أنها لا تتأثر بالحرارة أو البرودة فهي عازلة ولعل المسامات الموجودة في جسم النسيج تحتفظ بالهواء في هذه الفراغات وهذا يجعلها صالحة لتغطية العجين فيخمر، أو تغطية الخبز عند حفظه بعد تبريده. كما أنها أفضل آنية يوضع عليها الكعك والخبز الساخن حيث لا يتكاثف على سطحها البخار كما يحدث في أواني الألمنيوم وغيرها؛ وهذه الميزة لم تتوافر في أية آنية حديثة حتى تحل محلها وبقيت أواني القش محافظة على حضورها؛ ومن الأواني والأدوات المنسوجة من القش:
1. المنقلة أو أطباق القش: ولها عدة استعمالات فهي تستعمل كمائدة توضع عليها صحون الطعام وتلتف حولها الأسرة وهي لتغطية باطية الخبز ولتغطية العجين وعندما يقلع خبز الطابون ساخناً يوضع على المنقلة كي يفوج ويبرد دون أن يبتل فهو على نسيج القش الذي لا (يتعرق) عليه الخبز، ويمكن أن توضع لوقاية الأثاث من حرارة الأوعية والأواني الساخنة، وهي لوحة فنية مطرزة تعلق على الجدران كشهادة على عدلها وذوقها الرفيع.
2. وهناك القدح: وتستعمله الفلاحات كسرير للطفل الحديث الولادة؛ فهو لين ويحافظ على استقامة الجسم كما تستعمله أيضاً لحفظ الفواكه والخضر أو لتسويقها ويكون مبطناً بالجلد من الخراج ليعطي قوة ومتانة.
3. القبعة: بأحجام مختلفة، وكانت توضع فيها خميرة العجين المسماة (خميرة عربية) وهي قطعة عجينة خامرة تحفظ لوقت إعداد عجينة جديدة فتستعمل للتخمير وهكذا تنقص الخميرة من كل عجينة لتضاف إلى العجينة الجديدة القادمة. وقد استعيض عنها بالخميرة الإفرنجية السريعة بأشكالها المختلفة.
4. القوطية (أو القوطة): وهي علبة لها غطاء تحفظ فيها أدوات عمل خاصة بالمرأة أو يحفظ فيها حبوب القهوة أو حب الهال.
5. الجونة: وهي آنية لها تجويف تختزن فيها المواد أو الأشياء كالقطين والزبيب والبندورة الناشفة وغيرها.
6. ولما كان القمح غذاءً أساسياً ووفرته دلالة على الخير والبركة، كانت المرأة تصنع المشط وهو عبارة عن مجموعة من سنابل نسجت القشات في نهايتها بشكل يشبه المشط وتعلق على زوايا الجدران للزينة وللتعبير عن قيمة القمح ومكانته في حياة الفلاح والناس بعامة.
7. سلات وسلال: وهذه يصنعها رجال متخصصون في نسجها وتنسج سلات دائرية متينة وبأحجام مختلفة تستعمل في المنزل أو ينسج سل كبير تعبأ فيه الخضرة وتنقل إلى الأسواق ولا يزال مستعملاً حتى الآن.
أواني الفخار والطين:
إن صناعة الفخار من أقدم الصناعات، وقد رافقت حياة الإنسان عبر الزمان والعصور المختلفة وهي وسيلة من وسائل معرفة ودراسة حضارات الأمم السابقة وفي المتاحف الأثرية أوانٍ فخارية تروي تاريخ أصحابها. فقد وجدت صناعة الفخار في فلسطين منذ 6000 سنة قبل الميلاد واقتصرت على التشكيل باليد وبعد 3000 سنة بدأ الحرفي باستعمال الدولاب وتطورت الصناعة من حيث الشكل والشي والزخرفة..الخ حتى دخلت الكهرباء في عملية الشي.
وفي مجال الأدوات المنزلية بشكل خاص صنعت المرأة عدداً كبيراً من الحاجات الخاصة بالبيت والمطبخ؛ وذلك لوفرة الطينة الفخارية في الأتربة المكونة لها وتعتبر من أجود الأنواع في العالم وبخاصة الطينة الفخارية في منطقة الجيب. وفي منطقة بيت لحم صنعت أدوات من الصلصال الأبيض المسمى به (الحور) المخلوط (بالفروح) أو التبن الناعم. وفي جميع أنحاء الريف الفلسطيني كانت تصنع الأدوات الطينية التالية:
1. الخوابي ومفردها خابية: وهي كالخزانة لحفظ الحبوب والفواكه المجففة ولها باب علوي واسع وفتحة سفلية تغلق بعد إخراج المواد منها. والخوابي أحجام مختلفة ويمكن أن تكون خابية كبيرة مقسمة إلى عدة أقسام وهي تجف في الشمس ولا تشوى.
ومن ميزات الخابية أنها لا تتأثر بالحرارة الخارجية، وهذا عامل مساعد على حفظ الأطعمة أو الحبوب من التلف السريع أو التسوس.
2. الكانون والموقدة: وهي أدوات طينية لحفظ النار وإشعالها إما للتدفئة شتاءً أو للطبخ على مدار العام.
3. قحف الطابون: وهو آنية نصف دائرية مفتوحة من الجهة السفلى التي ترتكز على الأرض ومن الأعلى يوجد فتحة أخرى بحجم رغيف الخبز، ويثبت هذا الإناء في حفرة ويغطى ويحاط قحف الطابون بالنار؛ ويتم خبز العجين الذي يوضع فوق (الرضف) وهي قطع حجارة تسخن وتساعد في إنضاج الخبز؛ ويستعمل الطابون أيضاً لشوي الطبخ.
ومن هذه الطينة تصنع المرأة حاجات أخرى للبيت، أما ما ذكر فهو من أدوات وأواني المطبخ.
ومن الفخار المشوي توفرت أدوات وأوان كثيرة جداً من أوعية للماء والزيت والسمن وأوعية للطهو ويعتبر الفخار البلدي من أكثر المواد استعمالا في صناعة الأدوات المنزلية حتى أنها نسبت إلى مصادرها كالزبدية النحالينية والقدور في الجيب مثلما تشتهر قرية جبع بالجرار ومنطقة جنين أيضاً بصناعة الجرار؛ ولعل اسم العائلة الفلسطينية في تلك المنطقة وهي التي كانت تتزعم المنطقة لها علاقة بالحرفة (عائلة جرار).
وأوعية الطبخ المصنوعة من الفخار لها ميزات فهي لا تتفاعل مع الحوامض كاللبن والبندورة، ولا تتحلل المادة في الطعام؛ لذلك يصلح الفخار لحفظ الأطعمة المختلفة كالخل الحامض والدبس الحلو والزيت والسمن..الخ.
وفي الأوعية الفخارية التي توضع على النار، كالقدور، كان الطبخ يتم على نار هادئة وأوعية مغطاة بطريقة التسبيك للخضار وباستعمال الزيت البلدي وهذه الطريقة من الطبخ تسمى (الحوس) أي تقليب البصل ونوع من أنواع الخضر بالزيت حتى ينضج ويضاف اليه قليل من الماء أو عصير البندورة. وفي القدور الفخارية تطبخ كل أنواع الطعام بالطرق البلدية.
كما أن الفخار سهل التنظيف ولا يحتاج إلى عناية خاصة كالمعادن فتقول المرأة في المثل "بغسلها بريقي أحسن ما يكفيها شي ابريقي" فهي مقتصدة حتى في استهلاك الماء خاصة عندما تكون في الخلاء (معزبة)، وتنظيف القدرة حال تفريغها بأقل قدرة من الماء كأنه بمقدار الريق في الفم. والفخار له ميزة أنه يعيش طويلاً ويخدم ما لم ينكسر، لذا يعامل بلطف؛ ويقولون (لولا الكاسورة ما عمرت الفاخورة)، والمقصود أن عوامل الحرارة والشمس والمطر وبرد الشتاء لا تؤثر في مادة الفخار كثيراً؛ لذلك لم يجد الناس أفضل من أواني الفخار للزراعة المنزلية حتى الآن.
والفخار البلدي يكون ذا مسامات خاصة للماء؛ وهذه صفة أخرى تساهم في حفظ الماء بارداً بشكل طبيعي ومعقول لا يزيد عن الحد فلا يكون ساخناً ولا يبرد إلى درجة تؤذي الصحة، فهو يؤخذ من النبع مباشرة ويحفظ في أواني الفخار.
وسنذكر الآن أسماء وأوصاف هذه الأدوات الفخارية:
1. القدرة: وهي وعاء يصنع بأحجام مختلفة ويستخدم للطبخ على النار. وهي بيضاوية الشكل أي تجويفها من الداخل دائري وهذه صفة جيدة في الأوعية حيث لا يتلصق أو تختبىء بقايا الأطعمة ويسهل التقليب والتحريك والتنظيف، ولها يدان صغيرتان في أعلاها حول فوهتها، ولها غطاء فخاري أيضاً وكانت الأحواش القديمة التي كانت غالباً تضم بيوتاً عدة من نفس العائلة أو الحامولة أو الأقارب تجد فيها جهة مخصصة للمواقد وعليها قدور لكل ربة بيت موقدها وقدرها، ويجلسن لاعداد الطعام قبل المساء ويتبادلن الحديث ويتعاون في العمل؛ وتؤكد هذه النساء أن الطبخ كان ألذ مذاقاً ورائحته شهية طيبة رغم بساطة المحتويات وبساطة التركيب. ومع الأطعمة والروائح كان التعاطف والتواد والتكافل وتبادل الأطعمة والكرم والحرص على رغبات الصغار من أبناء الحارة فتغرف لهم وتطعم بلا جلبة أو كلفة وتشعر أن (تنجية) الصغار أمر واجب وعادي.
2. الفخارة: وهي آنية فخارية بغطاء يطبخ فيها أهل الخليل خاصة طبخة الفخارة وهي إنضاج اللحم على نار الفرن الهادئة في وعاء محكم الإغلاق ولا يسمح للنار بالتسرب إلى الداخل. وهي في مبدأ عملها تشبه مبدأ عمل طنجرة الطهو بضغط البخار ولطبخة الفخارة قيمة غذائية عالية حيث تحتفظ بنكهتها ولا تؤثر الحرارة على قيمة المواد الغذائية المطهوة.
3. الهشة: وهي الجرة الكبيرة وتكون أكبر من الزير وكانوا يحفرون لها حفرة في الأرض خاصة في الخلاء ويثبتونها ليبقى الماء بارداً ولها غطاء محكم فهي وعاء يجمع فيه الماء في البيت.
4. ومن أوعية الماء: الزير والجرة والأباريق والشربات التي تختلف في أحجامها وأشكالها.
5. القور: وهو وعاء مثقب من أسفله كالمصفاة وهو إناء خاص يطبخ فيه (المرمعون) أو المفتول حيث يعرض المفتول للبخار المتصاعد من إناء الماء المغلي الذي يثبت عليه القور وتسمى هذه العملية (تهبيل)، وأكلة المفتول من أكلاتنا الشعبية الغنية بالمواد الغذائية وهي في الغالب أكلة شتوية.
6. العسلية: وهي جرة فخارية لها استعمالات عدة فهي لحفظ العسل ولذلك سميت عسلية، وهي لحفظ الحليب ومشتقاته والدبس ولنقل الماء عن العين على رؤوس الصبايا حيث يستعرض قدرتهن على التوازن في حملها.
7. القعقور: وهو إناء كالزير ولكن بحجم صغير وله فتحة واسعة، ويستعمل للحلب ولحفظ الزبدة والسمن واللبن والرائب والعسل والدبس والمربى.
8. الزبدية: وقد اشتهرت بصناعتها (النحالينيات) أي نساء قرية نحالين في منطقة بيت لحم وهي أوعية يسكب فيها الطعام كالصينية فهي صحن كبير.
9. ومن الأواني الفخارية: صحن العجين، وصحن سكب الطبيخ، وصحن اللبن الذي يستعمل لمرسى اللبن (لبن الجميد أو الكشك).
10. الفخار الريفي: في أيامنا هذه اقتصر على إنتاج أصص الزراعة المنزلية للزينة وهناك إنتاج للخزف المصقول أو المنقوش ينتج ما يلبي حاجات السياحة المختلفة. الحرفيون والحرفيات في أنحاء الريف انقطعوا عن العمل ولم يورثوا المهنة للأجيال المعاصرة وأصبحت هذه الأواني في بيوتنا تحفا وذكريات؛ وهذا سلوك باعتقادي يعتبر سلبياً فعلينا أن نعيد النظر في أساس الحرف العريقة الإنسانية التي رافقت الإنسان منذ وجوده وأعطاها اهتمامه وصبغها بطابعة وشكل منها ما يناسب حاجات زمنه وعصره، وأن ندرس إمكانية التطوير والإنتاج بشكل فعال وعملي وأن تخصص المدارس أو المعاهد لتأهيل الحرفيين.

المواقد والأفران البلدية المحلية:
لقد أبدع الحدادون في صنع الأفران البيئية وفقاً لحاجة الناس ومسايرة لنوع الوقود المتوفر والرخيص؛ فبعد حرب 1967 انتشر استعمال الأفران الحديدية واستعمل بريموس الكاز بماسورة طويلة حيث كان سعر الكاز رخيصاً.
وفي السبعينيات حين انتشرت الكهرباء في الريف الفلسطيني ظهرت في الأسواق الأفران الكهربائية (الخبازة)، وحاول الصناع تحسينها باستعمال الأيدي العازلة ورفعها عن الأرض وتوفير فتحات لمشاهدة ما بداخل الفرن دون الحاجة لفتحه.
وهناك فرن الغاز الذي اشتهرت به مدينة الخليل وشكله كالخزانة وهو من طبقتين أو أكثر، وأحجامه عدة، ويصنع من الصاج وأفضل أنواعه ما كان سميك الجدار مبطن يحتفظ بالحرارة في داخله.
صناعات شعبية تواكب الزمن:
تتعرض أوجه الحياة التقليدية لوطأة التبديلات والتعديلات الناتجة عن التنمية وتبني أساليب حياتية حديثة متأثرة بتغير البنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية وفقاً لمستلزمات التحضر، وتبعاً لظروف خاصة يمر بها الشعب. إلا أن الشعب الحي يواجه عوامل التغيير هذه بقدرته على التكيف مع هذه الظروف ومسايرتها وإنشاء بدائل لأدواته وتقنياته التي تفقد وظيفتها أو تختصر بأخرى، وتكتسب صفة البديل لها وتحافظ في الوقت نفسه على أداء الوظيفة لتلك الأداة بشكل أفضل، مع صيانة هويتها الشعبية والوطنية لأنها وجه من أوجه ثقافتنا المادية. فهذه الأيدي الماهرة التي تخرط المعادن كالحديد والألمنيوم والصاج أبدعت في صناعة الأفران والمواقد البلدية المحلية وجاءت هذه الصناعات لتسد حاجة الناس وكبدائل لطابون الريف وأفران الأسواق في المدن والصاج في الريف والبادية معاً.
وتكمن قيمة هذه الصناعة اليدوية الشعبية في أنها محلية ذاتية الإبداع تتلمس الحاجة الخصوصية التي تنسجم مع نمط الحياة وطريقة العمل والتحضير والمواد الخام المتوفرة. أي أن الصانع الفنان يخلق علاقة وثيقة بين الأداة والمستفيدين منها، حيث يستخدمها الناس في البيوت والمطاعم ومحلات الحلوى لإنجاز أطعمة معينة وأشكال من الخبز. وليس من السهل استعمال الموقد والأفران الميكانيكية والحديثة المستوردة مكانها. كما أن رخص ثمنها نسبي وقدرة تحملها القوية لضغوط العمل تجعلها مرغوبة.
والصانع المبدع هو الحداد أو السمكري الذي ساهمت في تعليمه المعاهد المهنية المختلفة، ولم يعد ذاك الحرفي التقليدي الذي ورث مهنته عن أبيه وجده، وهذا ساهم في انتشار الورشات أو المصانع الصغيرة في أرجاء البلاد من قرى ومدن، ومن نواتج ازدهار هذه الصناعة ازدهرت صناعات غذائية شعبية أخرى، فعلى سبيل المثال، تم تطوير الصاج بأن الصق في قاعدة ثابتة تحمل في وسطها موقداً من الغاز يرتبط بأنبوبة غاز متنقلة تمكن "الخباز" أن يقف في أية فسحة في السوق أو الشارع ويخبز خبز "الشراك" المفرود ويبيعه ساخناً وطازجاً.
وفي مدينة الشارقة الخليجية اتخذت إحدى النساء الفلسطينيات من إعداد الخبز مهنة لها في أحد مطاعم السمك على شاطئ البحر. وبعد حرب 1967 انتشر استعمال الأفران الحديدية واستعمل "البريموس" الكاز بماسورة طويلة. فقد كان سعر الكاز رخيصاً.
أما فرن الغاز الذي اشتهرت به مدينة الخليل فشكله يشبه الخزانة وبالإمكان استعمال الحرارة المباشرة، وفي الطبقات الأخرى بالإمكان استعمال الحرارة بالإشعاع للخبز والطهي، ومن ميزاته أنه يصنع بأحجام مختلفة. أما في الانتفاضة فقد انتشر استعمال مواقد الحطب الحديدية، وجاءت هذه منافسة للمدفأة الإيطالية المستوردة، وقد خصص فيها مكان للخبز على "الرضف" أي حجارة الوادي الصغيرة، ومكان للطبخ والطهي علاوة على التدفئة التي تعم أرجاء المنزل وتعتبر صحية لأن نواتج الاحتراق تخرج من المدخنة في سقف البيت وقد اعتبرت اقتصادية لتعدد الأغراض المستعملة ولإمكانية توافر الحطب عند انقطاع أو صعوبة الحصول على الوقود الآخر من غاز أو كهرباء. ومن هذا العرض نرى أن هذه الصناعة الشعبية تحمل طابعنا وفيها فننا المحلي تقضي حاجتنا، وتعكس مهارات وقدرات صناع وحرف حية نامية تستحق التقدير والتشجيع والدعم الفني.

إن نمط الحياة الحديثة يفرض علينا كأصحاب تراث غني أن نعدل ونطور ونغير في التصميم والشكل وفقاً لتغير أساليب العمل والإعداد والمواد الخام المتوفرة والتغير في أساليب المعيشة.
كما أن الإنتاج لحاجات السياحة رفع أسعار كل ما هو بلدي وشعبي سواء في الملابس والأدوات وغيرها؛ وأصبح اقتناء حاجاتنا الطبيعية مقتصراً على الأغنياء القادرين على شرائه لعرضه في متاحف البيوت وللتباهي بمخلفات السابقين، واستعراض مدى وعينا الحضاري دون الاهتمام والتركيز على ما نعيشه فعلاً من هذه الموروثات، أو ما سنورثه من حياتنا الخاصة كشعب وأمة للاحقين من الأبناء والأحفاد على أرض الوطن.
إني أرى ضرورة تكافل الجهود من كل جانب وتعاون أهل العلم والخبرة كالمهندسين المعماريين المصممين للبيت العربي الفلسطيني وأصحاب الحرف والصناعات من نجارين وحدادين وغيرهم، في إنتاج ما هو أصيل ومحلي؛ مما يجعل الناس يقبلون على العودة إلى أصالتهم واستعمال حاجاتهم والثقة بأنفسهم ونبذ التقليد والانبهار بحضارات الآخرين وتفضيلها.
إن التمسك بالأصالة عمل وطني يثبت الهوية ويوقظ الحس الحضاري الذي نراه بوضوح على تلك المخلفات المسروقة زيادة على تشويهها وهدمها.
زهرة من أرض بلادي
القيقب

د. عثمان شركس / جامعة بيرزيت
الاسم العلمي: Arbutus andrachne L.
اسم العائلة: Ericaceae العائلة الأريكية
الاسم الإنجليزي: Strawberry Tree
الاسماء العربية المحلية الشائعة: قيقب، قطلب، قوقح
الوصف: شجرة دائمة الخضرة، إرتفاعها يتراوح من 2 – 4 متر، سيقانها عديدة، ذات قلف أحمر قرميدي القشرة، أملس وناعم ويمتاز بسهولة تقشره. الأوراق طولها 4 – 5 سم، بيضاوية – إهليلجية، حافاتها كاملة ونادرا مسننة عندما تكون صغيرة، ملساء، جلدية كالكاوتشوك.
الأزهار بيضاء – قشدية اللون، جرسية الشكل كالقناديل، توجد في مجاميع، متدلية. الثمار عنبة، حمراء، كروية، سطحها خشن، تشبه الفراولة وطعمها حلو.
التوزيع الجغرافي: تنمو أشجار القيقب أو القطلب في الأحراج مثل احراج أم صفا وأحراج دير إستيا وحرج جامعة بيرزيت وأم الريحان في منطقة جنين.
فترة الإزهار: نيسان – أيار.
استعمالات القيقب أو القطلب: تؤكل الثمار الناضجة فقط وبكميات قليلة. والبعض يحضر مربى القيقب من الثمار الناضجة. والبعض يستعمل أوراقها المجففة بعد طحنها وغليها بالماء مدة 5 دقائق، ثم يستعمل الماء بعد تبريده لتنظيف البشرة وإعطائها النضارة بعد تكرار العملية لعدة أيام.
تعتبر أشجار القيقب من الأشجار المحمية والمهددة بالتراجع نتيجة القطع الجائر لهذه الشجرة الجميلة واستخدامها لعمل الفحم والتدفئة وكذلك الزحف العمراني على الأراضي الحرجية. وقد تم قطع ثلاث شجرات نادرة من القيقب في حوض السماقة في رام الله بسبب إقامة الأبنية الأسمنتية وشق الطرق.
|