الراصد البيئي
الوقود الحيوي: هل بإمكان المزارعين الحلول مكان أمراء النفط في دول الخليج؟
الطاقة المستخرجة من النبات مجرد مرحلة انتقالية في الطريق نحو ثورة عالمية في الطاقة النظيفة
الوقود الحيوي: هل بإمكان المزارعين الحلول مكان أمراء النفط في دول الخليج؟

ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية
ازداد، في السنوات الأخيرة، عدد رجال السياسة الذين يتبنون رؤية حقول الطاقة الخضراء، وبالتالي يستثمرون رأسمال كبير في الأبحاث المتصلة بالوقود الحيوي. والسؤال المطروح من قبل العديد من الناس: ما هو الوقود الحيوي؟ وهل من المجدي حقا إنتاج أنواع مختلفة من الوقود ذات الأصل النباتي؟ وهل بإمكان المزارعين الحلول، مستقبلا، مكان أمراء النفط في دول الخليج؟ أو أن الأمر لا يعدو كونه قصصا غير واقعية حول عالم يتحرك بطاقة الذرة وقصب السكر؟ أم إن الطاقة المستخرجة من النبات مجرد مرحلة انتقالية في الطريق نحو ثورة عالمية في الطاقة؟
سمات الوقود الحيوي
يمكننا القول إن الوقود الحيوي (البيولوجي) عبارة عن الطاقة الناتجة من أي استخدام ممكن للمادة الحيوية. إلا أن تعريف الوقود الحيوي، من المنظور الاقتصادي، يختلف بعض الشيء؛ حيث يدور الحديث عن الوقود القادر على استبدال النفط الذي يتسبب بتلوث بيئي كبير، ويتعلق سعره بمدى الاستقرار السياسي في مناطق مختلفة من العالم.
وبشكل عام، يوجد حاليا نوعان من الوقود الحيوي يستطيعان تشغيل جميع أنواع المحركات الشائعة: الديزل الحيوي والإيثانول الحيوي. النوع الأول يرتكز على الزيوت، أما الثاني فيرتكز على الكحول. ويتم إنتاجهما، غالبا، من المواد النباتية. وتكمن ميزتهما الأساسية في أن استعمالهما يشبه الاستخدام الحالي للنفط؛ إلا أن عيوبا كثيرة تكتنف استخدامهما.
الإيثانول الحيوي عبارة عن كحول يتم إنتاجه بطريقة مشابهة لعملية إنتاج أي مشروب كحولي؛ فمشروب الفودكا يمكن اعتباره إيثانول حيوي أيضا إذا ما ارتفعت فيه نسبة الكحول إلى مستوى كاف. وحاليا، يعد استخدام الإيثانول الحيوي الحل الأكثر تطبيقا. فالبرازيل، على سبيل المثال، تشغل سياراتها، منذ بضع سنوات، باستخدام الكحول المستخرج من قصب السكر.
أما الديزل الحيوي فيستخرج ويكرر من الزيوت التي مصدرها أجزاء معينة من النبات. وكما الزيت المستخرج من عصر الزيتون، يوجد حاليا توجهات لتزويد المركبات بزيت الصويا أو زيت القطن. ويتمثل أحد الحلول الحديثة التي تكتسب باستمرار مزيدا من المؤيدين والمستثمرين، في استخراج الزيت من الطحالب وحيدة الخلية؛ إذ تبين أن لتلك الكائنات المجهرية المائلة إلى الاخضرار، قدرة عالية على إنتاج الزيت.
عيوب الوقود الحيوي
يتطلب الكحول المستخرج من النباتات المرور بعملية تكرير؛ حيث تتضمن هذه العملية حرق بعض المواد بهدف التسخين، أي أن الحرق يتطلب وقودا، مما يؤدي إلى تلويث الهواء وانبعاث غازات الدفيئة.
ويجب ألا ننسى أن النباتات التي تستخدم في استخراج الوقود هي غالبا محاصيل زراعية تستعمل في الصناعات الغذائية، ويرتبط سعرها بمدى الطلب عليها. فلو تم تخصيص كل محصول الذرة في الحقول الزراعية لغرض إنتاج الوقود؛ فستكون النتيجة كمية ذرة أقل للاستعمالات الأخرى، فضلا عن ارتفاع سعرها، كما سيرتفع أيضا سعر معظم المنتجات الغذائية التي نتناولها.
يضاف إلى ذلك سعر الأرض الزراعية؛ إذ كلما تم تحويل المزيد من الأراضي الزراعية إلى حقول "النفط الأخضر"، كلما تناقصت مساحات الأراضي المخصصة للزراعة. وفي الواقع، بينت الحسابات الأخيرة أنه لا يوجد في العالم ما يكفي من الأراضي الزراعية لاستبدال النفط (الوقود الأحفوري). ومع ذلك لا يتورع العديد من أصحاب الأراضي الزراعية من تحويل أراضيهم لزراعة المحاصيل التي يمكن أن يستخرج منها الوقود؛ وبالتالي بيع المحاصيل لشركات الوقود الحيوي، بدلا من شركات الأغذية. وبالطبع، الاعتبار الوحيد هنا هو اقتصادي؛ إذ إن شركات الوقود تدفع أكثر، لأن من يقف خلفها سوق أقوى من سوق الأغذية. هذا، علاوة على أن طلبات شركات الوقود الحيوي، من ناحية جودة المحصول، أقل، لأن الشكل الخارجي الجميل للذرة ليس هاما؛ فالذرة المعوجة تصلح أيضا لعمل الوقود. كما لا توجد قيود على كميات المبيدات المرشوشة، لأن المحصول غير معد للغذاء. بمعنى أن المزارع غير ملزم باستعمال المبيدات الأكثر دقة والأقل سمية والأغلى ثمنا.
وتستند جميع المشاكل السابقة على تقديرات وحسابات لم تأخذ في الاعتبار التطور التكنولوجي المستقبلي؛ إذ إن طرقا متقدمة في الهندسة الكيماوية يمكنها تسهيل عملية تكرير الكحول، وبالتالي تخفيض مستوى التلوث. كما أن معالجات زراعية معينة يمكنها إنتاج محاصيل تحوي كميات زيوت أكبر. إلا أن الزراعة التقليدية لا تكفي لرؤية مثل هذه التغيرات قريبا. فتقنيات الهندسة الوراثية تعد الطريق الأسرع لإكساب النباتات صفات معينة مرغوبا بها في صناعة الوقود، إلا أن لهذه التقنيات مساوئ وعيوب بيئية وصحية خطيرة. ويعتقد العديد من الخبراء أنه لا يمكننا، في القرن القادم، استبدال نصف كمية النفط المستعملة بالوقود الحيوي؛ دون استخدام الهندسة الوراثية. إلا أن خلافات علمية وأخلاقية كبيرة تحاصر الهندسة الوراثية التي يمكنها حل مشكلتي الغذاء والوقود، من ناحية، ولكنها تتضمن تدخلا خطيرا في الطبيعة، لا نستطيع التنبؤ بعواقبه المستقبلية.

الحل
بالرغم مما ورد، تبقى الأسئلة المطروحة هي: لماذا لا يتم تغيير مفهوم الطاقة كليا؟ لماذا التقيد بأن تكون طاقة المستقبل بصورة وقود سائل؟ لماذا لا يتم كسر أنماط التفكير القديمة؟
يعتقد البعض أن الهيدروجين يعد أحد النماذج الأكثر نظافة من الناحية البيئية؛ إذ يمكن إنتاج هذا الغاز بطريقة صناعية من خلال التحليل الكهربائي للماء. كما يمكن إنتاجه بيولوجيا من خلال تفاعل بعض الإنزيمات مع أنواع معينة من البكتيريا والطحالب. ومن المرجح أن يكون استعمال الهيدروجين كوقود للمحركات أكثر سهولة من استخدام الوقود النفطي. وبالرغم من كونه قابلا للانفجار، إلا أن طرقا آمنة جدا لتخزينه واستعماله قد طورت في السنوات الأخيرة.
إذن، ربما من غير المجدي الاستثمار في تطوير الوقود السائل من مصدر نباتي؛ إذ إن تلويث الهواء يتواصل أثناء استخراجه، والطاقة التي يولدها أقل، فضلا عن تأثيره على السوق الغذائية واستيلائه على الأراضي الزراعية. إلا أن المشكلة تكمن في السوق القوية للوقود. فللتأثير على قوى اقتصادية قوية مثل منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) والصناعات العالمية للسيارات، لا بد من امتلاك ما هو أكثر من مجرد الحقيقة العلمية.
وقد يتم التدقيق في نوع الوقود الذي يقترحه العلم استنادا إلى معيارين: الشكل والمحرك. فحالة النفط المستخدم حاليا هي السائلة، وتكلفة نقله رخيصة، وهو يشغل محركات الاحتراق الداخلي.
ولو نظرنا إلى ما هو أبعد من الهيدروجين، نجد أن مأزق الطاقة يتطلب تغييرا جذريا في طريقة إنتاج ونقل الوقود، فضلا عن ابتكار سيارات من نوع جديد كليا. وقد تشكل هذه المسألة مادة للتفكير، وبخاصة أولئك الذين اعتقدوا أن الكهرباء ستحل قريبا محل الوقود، إثر إنتاج السيارات المهجنة. ولو توفرت الظروف المواتية لتعاظم هذا النهج الإنتاجي البديل للطاقة؛ فسيتضرر العديد من الناس الأقوياء الذين لن يتنازلوا بسهولة.
ويمكننا القول إن الميزة الأساسية للوقود الحيوي هي حالته السائلة؛ بحيث يمكن نقله من مكان لآخر دون مشكلة. كما أنه مناسب لمعظم المركبات المصنعة حاليا، وبالتالي لا حاجة للاستثمار في تطوير سيارات جديدة خاصة للوقود الحيوي؛ فشركات صناعة السيارات، مثل فولكسفاغن وبيجو وغيرها لا يهمها أن يشغل البرازيليون سياراتهم بالوقود الأحفوري أو بقصب السكر. وإزاء ذلك، لا تستطيع الدول النفطية عمل أي شيء. بل إن وضعا عالميا متحررا من الارتباط، ولو جزئيا، بالنفط الأسود، سيسهل عملية تسويق الحلول الأكثر تقدما. وربما سيكون المستقبل لأنواع أخرى من الوقود ولحلول أكثر تقدما وجذرية. لكنه إلى أن نصل إلى ذلك الوقود وإلى تلك الحلول، لا بد لنا أن نسافر بعض الوقت في مركبات تعمل بالوقود الحيوي.
|