مستعمرتا "أرئيل" و"بركان" خطر بيئي – وجودي على بروقين وكفر الديك
رائد جمال موقدي
خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعتبر قرية بروقين الفلسطينية نموذجا حيا لمدى المعاناة الحقيقية التي كرسها الاحتلال في فلسطين المحتلة في شتى الجوانب الإنسانية منها والبيئية والاقتصادية والزراعية، فقرية بروقين فقدت ما يزيد على 8000 دونم من مجمل أراضيها البالغ مساحتها نحو13237 دونماً لصالح أعمال توسعة المستوطنات الثلاث التي بنيت بالأصل على أراضيها الزراعية؛ ففي عام 1987 عشية اتفاقية كامب ديفيد تم تأسيس نواة مستوطنة أرئيل في الجهة الشمالية الشرقية من بلدة بروقين، ثم تلاها بسنوات عديدة تأسيس مستوطنة بركان من الجهة الشمالية الشرقية ومستوطنة بروخين من الجهة الشمالية، التي اشتقت في الأصل من اسم قرية بروقين، وبذلك أصبحت بروقين محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفاقية التي تحيط بالقرية كالأفعى، تطوق وتلتهم أراضي القرية دون أي حساب.
 |
|
خزان مياه المطوي بجانب مجاري أرئيل وهو لا يبعد سوى أمتار قليلة عن مجرى المياه العادمة |
ولكن المشكلة في القرية تفاقمت بالفعل بعد أعمال التوسعة في المستوطنات المذكورة، وبعد تأسيس منطقة صناعية في مستوطنة بركان حيث باتت تلك المستوطنات مصدر تهديد حقيقي على حياة الإنسان والحيوان والبيئة في المنطقة لدرجة أنها أصبحت تهدد التنوع الحيوي نتيجة المياه العادمة والغازات المنبعثة من تلك المستوطنات.
مجاري مستوطنة "أرئيل"
يذكر أن معظم البيوت والمنشآت في مستوطنة 'أرئيل' مشبوكة بشبكة صرف صحي، يتم من خلالها جمع المياه العادمة من بيوت المستوطنة وإلقائها في منطقة تعرف بباطن الحمام وواد البئر غرب مدينة سلفيت لتلتقي هناك مع مجرى المياه العادمة المتدفقة من مدينة سلفيت التي تعاني عدم وجود شبكة صرف صحي كباقي القرى والبلدات الفلسطينية، والتي بدورها تجري في الوديان بجانب بئر المطوي وصولاً إلى وادي بروقين، ومن ثم تخترق بيوت القرية حتى تصل إلى أراضي كفر الديك الجنوبية حيث يجتمع هناك ما يتبقى من المياه العادمة بعدما تكون قد قطعت مسافة 8 كم، علماً بأن المياه العادمة كلما سارت مسافة أكثر يتم امتصاص جزء كبير منها؛ وبالتالي يؤدي ذلك إلى إتلاف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية ونشر الأمراض وتلويث البيئة الفلسطينية.
يعتبر بئر المطوي الواقع بالقرب من مدينة سلفيت والذي يتم تغذيته بالمياه من خلال الينابيع الجوفية المتواجدة والمنتشرة على السلاسل الجبلية المجاورة - من المصادر المائية المهمة في المنطقة، حيث يغطي 30% من حاجة مياه مدينة سلفيت وقرية فرخة وخربة قيس، ويبلغ معدل قدرته الإنتاجية 100 كوب / يوم.
المياه العادمة التي تعتبر خليطا من مياه مجاري أرئيل وسلفيت عبر السلاسل الجبلية المحيطة بالبئر، أدت إلى تلويث بئر المطوي. وبينت الدراسات والفحوصات الطبية والبيولوجية لمياه بئر المطوي والتي تجريها بلدية سلفيت وجود ارتفاع حاد في نسبة الكائنات الدقيقة الخطيرة في الماء وبالتالي فان ذلك ينعكس سلبيا على صحة الإنسان والحيوان والنبات في المنطقة.
يشار إلى أن المياه العادمة عملت بشكل كبير على تلويث خزان المطوي من خلال زيادة نسبة الأملاح والنيترات مما جعلها غير صالحة للاستخدام البشري ولا حتى الزراعي منه، إلا بعد إجراء عملية معالجة لها علماً بأن هذه العملية تكلف بلدية سلفيت المزيد من الأعباء المالية؛ إذ إن عملية المعالجة تستمر لفترات طويلة.
 |
 |
مياه المجاري المتدفقة من بركان عبر أنبوب ضخ من مستوطنة بركان |
المياه العادمة تدمر الزراعة والثروة الحيوانية
تلعب المياه العادمة الصادرة من مستوطنة أرئيل ومجاري سلفيت دوراً كبيراً في تلويث أراضي سلفيت الزراعية المحيطة والتربة فيها، علاوة على أن المياه العادمة تساهم إلى حد كبير في زيادة التأثير على عصارة النباتات وخاصة تلك المزروعة بالقرب من مجرى المياه العادمة، من خلال ارتفاع نسبة الأمونيا في عصارة النبات وبالتالي جعل النباتات غير صالحة للاستهلاك البشري، نظرا لما لهذه المخلفات من ثأثيرات سمية تراكمية قد تصيب الإنسان في حال تناول هذه النباتات، علما بأن المياه العادمة تجري عبر مئات الدونمات الزراعية بمسافة يزيد على 40 كم.
كما أثر هذا التلوث على طبيعة المنطقة نفسها، فمنطقة 'المطوي' تشتهر منذ القدم بمناظرها الخلابة وتوفر الينابيع المائية بها، وتلوث تلك المنطقة أدى إلى هجرها من قبل كثير من الناس. بل على مستوى الزراعة انخفضت نسبة المزارعين الذين يستغلون الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، خصوصاً الزراعات الحقلية، بسبب تلوث تربة تلك المنطقة.
من ناحية أخرى، تضرر قطاع الثروة الحيوانية في بلدة يروقين بشكل مباشر من الملوثات الناتجة عن مياه مجاري أرئيل – سلفيت، وذلك من خلال ترسب المواد السامة والملوثات البيولوجية في أنسجة الحيوانات من خلال شرب الحيوانات للمياه الملوثة، وبالتالي، تنتقل الملوثات من خلال السلسلة الغذائية من الحيوان إلى الإنسان، مما يؤدي إلى انتقال الأمراض إلى الإنسان. الأمر الذي دفع كثير من المواطنين، وبخاصة الفئة المتعلمة، إلى التحذير من أكل لحوم تلك الحيوانات أو تناول مشتقات ألبان الحيوانات التي ترعى بالقرب من مجاري 'أرئيل'؛ وبالتالي أصبح الكثيرون يفضلون شراء اللحوم والألبان من خارج بلدة بروقين، مما أدى إلى ضرب قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة، بسبب الشك في تلوث لحوم تلك الحيوانات.
بالإضافة إلى ما تقدم، لوحظ في الفترة الأخيرة ازدياد ملحوظ في عدد الخنازير البرية التي تتكاثر في محيط التجمعات المائية الراكدة والملوثة؛ حيث إن هذه الحيوانات لها بالغ الأثر السلبي في إتلاف الزراعات في المنطقة، ومن ثم إلحاق خسائر زراعية واقتصادية بالمزارعين بالمنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن المياه العادمة المتدفقة من مستوطنة 'أرئيل' لا تبعد عن بيوت قرية بروقين سوى أمتار قليلة، ويوجد أربعة منازل بالقرب من المياه العادمة التي تلوث آبار مياه الجمع المحيطة بتك المنازل والتي يعتمد عليها السكان في سد حاجياتهم الأساسية من المياه.
تساهم مياه المجاري المتدفقة في انتشار الحشرات والقوارض وخاصة حشرة اللشمانيا التي تنتشر في قرية بروقين البالغ عدد سكانها حوالي 3800 نسمة، مسببةً العديد من الأمراض الجلدية منها والمعوية، وحالات الفشل الكلوي، كما وتشكل الروائح الكريهة المنبعثة من المياه العادمة وسيلة لنشر أمراض الربو عند الإنسان.
نهر المياه العادمة في المطوي
وكخطوة في سبيل معالجة مياه المجاري المتدفقة من مدينة سلفيت، تقدمت بلدية الأخيرة بدراسة إلى KFW للحصول على تمويل لإقامة محطة تنقية للمياه العادمة، وفي عام 1999م تم الحصول على موافقة على هذا المشروع، وكمرحلة أولى اشترت بلدية سلفيت قطعة أرض في منطقة المطوي لعمل المحطة؛ ولكن الاحتلال أخذ يضع العراقيل لإعاقة تنفيذ تلك المحطة، وأبلغ المجلس البلدي بوقف البناء في تلك المحطة بحجة وقوعها في المنطقة المصنفة C حسب اتفاق أوسلو، وبالتالي يجب الحصول على التراخيص اللازمة من ما يسمى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال الإسرائيلي. وعليه شرعت بلدية سلفيت بإجراء التراخيص اللازمة لذلك، إلا أنها اصطدمت برفض الاحتلال ترخيصها. واقترحت الإدارة المدنية فكرة بديلة كشرط أساسي لترخيصها، وهي أن تكون محطة التنقية مشتركة ما بين بلدية سلفيت ومستوطنة أرئيل، وهذا ما رفضته بلدية سلفيت التي لا تريد أن يكون هناك شيء مشترك مع مستوطنة أرئيل التي أقيم جزء كبير منها على أراضي مدينة سلفيت المصادرة. لذا، تم تجميد المشروع. وشرعت بلدية سلفيت بالبحث عن منطقة أخرى بحيث تكون المنطقة الجديدة ضمن المناطق المصنفة B وتم العثور على منطقة تبعد مسافة 6 كم عن مسطح البناء في سلفيت، إلا أن الموقع المقترح لم يلقى قبول المانحين بحجة أن المنطقة بعيدة عن المدينة، وتكلفة إعادة تكرير المياه العادمة ونقلها من جديد إلى مدينة سلفيت تبلغ ضعف تكلفة شراء المياه العذبة. هذا من جانب، ومن جانب آخر تشكل مياه مجاري سلفيت وبلدة بروقين 20% من المجاري التي تسير باتجاه وادي المطوي، في حين تشكل مياه مجاري أرئيل 80% فما فائدة تكرير نسبة قليلة من مياه المجاري في الوقت الذي يسير معظمها في الوادي، وتحديدا بجانب محطة التنقية دون تكرير. وفي المحصلة جمد المشروع إلى اجل غير مسمى، ويبدو أن مشكلة مياه مجاري المطوي هي موضوع سياسي أكثر من كونه موضوعا بيئيا، تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض واقع مستوطنة أرئيل في المنطقة وتسويقها أمام الرأي العام العالمي بأنها حقيقة واقعة لها ارتباطاتها ومصالحها مع الفلسطينيين.
يذكر أنه منذ قدوم السلطة الفلسطينية عام 1993م إلى يومنا هذا، لم يتم إقامة محطة تنقية واحدة في الأراضي الفلسطينية، وذلك بسبب التكلفة العالية لمثل هذه المحطات، وبسبب المعوقات التي تضعها إسرائيل أمام الممولين خصوصا أن إسرائيل هي سيدة القرار في النهاية في مثل هذه المواضيع، فلا يوجد خيار لعدد كبير من القرى والبلدات سوى التخلص من مياه المجاري بإلقائها في الوديان القريبة، مما يتسبب في حدوث مشاكل بيئة كثيرة في المنطقة، علما بأن مجاري العديد من المستوطنات تساهم أيضا في تلويث البيئة الفلسطينية عبر ضخها لمياه المجاري في الأراضي الفلسطينية.
 |
 |
مياه المجاري المتدفقة من بركان عبر أنبوب ضخ من مستوطنة بركان |
مستوطنة "بركان" تهديد وجودي آخر لقرية بروقين
تعمل إسرائيل بشتى الطرق والوسائل على تلويث البيئة الفلسطينية من خلال إقامة المناطق الصناعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي تعمل إسرائيل على نقل الصناعات الملوثة إلى هذه الأراضي، فهناك في الضفة الغربية حسب مؤشرات منظمة "يش دين" الإسرائيلية 250 مصنعا إسرائيليا في الضفة الغربية، تتجمع داخل المستوطنات أو المناطق الصناعية، ومن بينها منطقة بركان الصناعية شمال بلدة بروقين التي تحو العديد من الصناعات الشديدة التلويث للبيئة والصحة العامة، مثل مصنع (كيتر ) الذي ينتج الصناعات البلاستيكية، ومصنع ( تسيفكا) الذي ينتج المعلبات الغذائية، وغيرها من المصانع التي تنتج الألمنيوم، والفيبرجلاس، والمطاط، ومواد التنظيف، والدهان، والبطاريات، وصناعة المبيدات، والنسيج، ومصانع ذات طابع عسكري سري وغيرها، وبشكل عام هناك شح في المعلومات المتعلقة بكمية إنتاج تلك الصناعات، وحجم القوى العاملة فيها والنفايات التي تخلفها.
 |
: مجرى مياه مجاري أرئيل بجانب بيوت قرية بروقين |
وتحتوي النفايات الناتجة عن هذه الصناعات على عناصر سامة مثل الكروم، الرصاص، الخارصين، النيكل، فمثلا مصانع الألمنيوم ينتج عنها مخلفات الألمنيوم والحوامض، أما الصناعات الالكترونية فينتج عنها النيكل والكروم والحوامض، كذلك الصناعات البلاستيكية ينتج عنها مواد ضاره ومسرطنة. ويتم التخلص من هذه المخلفات السامة بطريقة عشوائية مثل إلقائها بشكل نفايات صلبة أو سائلة أو غازية في وديان بلدة بروقين، وبجوار المناطق المأهولة بالسكان دون أي احتياطات للحفاظ على البيئة في المناطق المحيطة، وهي تشكل مصدر خطر على البيئة والكائنات المحيطة وبخاصة الأطفال الذين يعبثون بهذه المخلفات، والحيوانات التي ترعى بجانب المياه العادمة المتدفقة من مستعمرة بركان، مما يزيد احتمالية التأثير على نوع وجودة لحوم وحليب هذه الحيوانات، فضلا عن تلويث التربة من خلال رفع نسبة سميتها وجعلها غير صالحة للزراعة.
الجدير بالذكر أن سلطات الاحتلال وأصحاب المصانع الإسرائيلية في الضفة الغربية لا يطبقون الشروط الصحية والبيئية المتعارف عليها دوليا في معالجة النفايات الكيمائية، والدليل على ذلك هو إلقاؤها المخلفات الصلبة أو السائلة في أراضي بلدة بروقين، دون معالجة.
وأمام هذا الواقع البيئي – الصحي المأساوي تقف السلطة الفلسطينية عاجزة عن فعل أي شيء سوى إطلاق الشعارات والبيانات التي لا تؤثر بشيء على أصحاب القرار الإسرائيلي.
|