كانون الثاني 2009 العدد (10)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

January 2009 No (10)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

لقاءات حوارية

القنابل الفسفورية.. حرق الأجساد وإذابتها وقتلها

شهادات حية من قلب الميدان يرويها المصابون والمرضى

 

سمر شاهين / غزة

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

هدفهم واحد وإن اختلفت المسميات.. إنها القنابل التي استخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة على قطاع غزة، التي استمرت على مدار "23" يوما ، وخلفت بجانب الشهداء الذين تجاوز عددهم 1333 شهيدا و5550 جريحا، بحسب إحصاءات رسمية، أطنانا من المخلفات الناجمة عن قصف المنازل والمؤسسات ودور العبادة .

حرب ضروس وآثار صحية ونفسية وبيئية ستدوم طويلا إن لم يسارع العالم أجمع لمعالجة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولاسيما الوضع البيئي الذي كان يئن سابقا وازداد أنينه  بصورة متسارعة.

في جولة سريعة ولقاءات حوارية نظمتها آفاق للبيئة والتنمية في قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب للوقوف عن كثب على الدمار البيئي الذي لحق بالإنسان والشجر والأرض الفلسطينية جراء أطنان المتفجرات التي حملت معها كل عنوان للدمار، حيث بدا شمال غزة، ولاسيما العطاطرة والسلاطين وعزبة عبد ربه، منطقة صحراوية لون تربها يميل إلى اللون الأسود، وبدت وكأنها لم تعرف العمران يوما، فالأرض مليئة بالحفر العميقة التي ابتلعت المباني، حيث عمدت قوات الاحتلال إلى تسوية المباني بالأرض.

والأشجار لم يبق منها إلا عيدان متناثرة هنا وهناك، وبدت المنطقة وكأنها جاءت من زمن وقرن آخر غير ذلك القرن الذي نعيش فيه.

المزارع محمد عبد ربه"55" عاما كان يجلس على الأرض وهو يبكى حتى كاد أن يغمي عليه من شدة البكاء ويقول لـ"آفاق للبيئة والتنمية" ما الذنب الذي ارتكبته ارضي ومنزلي وعائلتي؟ انظري فإن هذه الأرض التي كانت تعتبر من أجود أنواع التربة والمياه في منطقة شمال القطاع باتت عقيمة اليوم، وتحتاج إلى سنوات وسنوات لتعود إلى ما كانت عليه.

ويضيف عبد ربه أن التربة اليوم ملوثة بصورة كبيرة وأنها لا تصلح للزراعة ولا حتى للعمران، مشيرا إلى كومة من الحجارة كانت بيته ذا الطوابق الأربعة التي كانت تضم ما يزيد على 42 شخصا واليوم باتوا نازحين ومشردين في مراكز الإيواء في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين " الأونروا".

ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم مواد سامة ومشعة، علما بأن الجيش الإسرائيلي اعترف رسميا باستخدام قذائف الفسفور الأبيض خلال الحرب على غزة، مدعيا بأنه سيجري تحقيقا حول طريقة استخدامه وليس ضد المبدأ.

وادعى الجيش بأنه استخدم قذائف مدفعية تحتوي قطع قماش مشبعة بمادة الفسفور بهدف خلق ستار من الدخان لتغطية تحركاته، إلا أن المنظمات الدولية تصر على أن الحديث يتعلق بقذائف مختلفة تنشر الفسفور في كل اتجاه فور انفجارها على الأرض؛ الأمر الذي اعترف الجيش الإسرائيلي باستخدامه، مدعيا بأنها اقتصرت على المناطق المفتوحة "غير المأهولة" فقط وذلك بهدف تحديد الأهداف ، متذرعا بان استخدامه لهذه القذائف يتفق والقانون الدولي، نافيا بشكل قاطع استخدام القذائف الفسفورية داخل المناطق السكنية.

 

لؤي وضياع بصره

وهنا في مستشفى الشفاء لم يفكر لؤي ذو السبعة أعوام في يوم من الأيام أنه سيفقد بصره وسيحرم من ممارسة حياته التي رسمها بشكل طبيعي، إلا أن طائرات الاحتلال التي أمطرت القطاع على مدار 23 يوماً بآلاف من  الحمم والقذائف كانت كفيلة بحرمان مئات الأطفال من حياة طبيعية .

الطفل لؤي صبح خرج كعادته ليلعب كرة القدم مع أبناء عمه في فناء المنزل، وانقسموا  إلى فريقين، وبدأت المباراة دون أن يدرك أبناء العم الأربعة أن هناك فريقاً ثالثاً يحلق في السماء ويأبى إلا أن يدمر الفريقين.

مضت ساعة كاملة من اللعب وخلال ثوانٍ ودون سابق إنذار انشقت الأرض وتساقطت الحمم من السماء واشتعلت النيران في كل مكان، وتناثرت الدماء والأشلاء في كل شبر من الأرض وغطت سحابة من الدخان الأسود المكان.

وبعد دقائق تلاشت تلك السحابة السوداء لتكشف عن معالم الجريمة البشعة التي ارتكبتها طائرات الاحتلال.

لم يكن ما حدث انفجاراً لبركان ثائر أو كارثة طبيعية إنما كان قنبلة فسفورية حارقة ألقتها طائرات الاحتلال على الأطفال الأربعة لتحرق فناء منزلهم بالكامل وتشق أشجار الزيتون إلى نصفين وتحرقها كما حرقت أجساد الأطفال الأربعة.

والدة الطفل لؤي قالت:" كنت في المنزل أشاهد الجرائم الإسرائيلية على شاشة التلفاز وفجأة شعرت وكأن الأرض اهتزت من تحتي وتحطمت نوافذ المنزل بالكامل فركضت مسرعة إلى أسفل المنزل لأجلب الأطفال ولم أتوقع أن يكون ذلك الانفجار قد وقع بينهم".

وتضيف والدموع تتساقط من عينيها:  "فور وصولي شاهدت النيران وقد اشتعلت في كل مكان من فناء المنزل ورأيت الأطفال ملقين على الأرض، يحترق أحدهم وقد مزقت ملابس الآخرين تماماً".

تابعت والدة الصغير حديثها قائلة " لم أتوقع في يوم أن أقوم بحمل ابني وهو يحترق بين يدي"، موضحة أنه أغشي عليها أثناء حملها لابنها ولم تدر ما حدث بعد ذلك.

وسمع لؤي حديث والدته وأراد أن يشاركها الوصف فقال: " لقد كنا نلعب أنا وأبناء عمي في فناء المنزل وفجأة شعرت أني أطير في السماء وأن جسماً حاراً يرتطم في وجهي ومن ثم غشي علي ولم أدر ما حدث".

وتابع الصغير متسائلا:  "لم أكن أحمل سلاحاً. لماذا تقصفنا الطائرات الحربية الإسرائيلية؟ ولماذا يقتل ابن عمي شعبان؟ ولماذا أفقد بصري وعيني؟ ولماذا يقتل كل هؤلاء الأطفال؟ أريد أن أعرف السبب".

لم يجد لؤي أي إجابات لأسئلته ولم يكد يكمل حديثه حتى أطلق صرخة ألم هزت أرجاء المستشفى، فهرع الأطباء والممرضون مسرعين إلى غرفته وأعطوه بعض المسكنات التي لم تضيع ألمه الشديد.

بعد دقائق من الألم الشديد هدأ الطفل ولكنه لم يستطع أن يكمل حديثه نظراً لموجات الألم التي تباغته بين اللحظة والأخرى.

 

شهادات يرويها الأطباء

وكشف أطباء مصريون وعرب عائدون من غزة، عقب مشاركتهم في إجراء عمليات جراحية لضحايا الاحتلالان، أنهم شاهدوا أهوالا في غزة، وإصابات لم يروها من قبل، وقالوا :"إن إصابات بتر الأطراف كانت أهون ما رأيناه".

وذكر الأطباء الموفدون من قبل لجنة الإغاثة والطوارئ في اتحاد الأطباء العرب أن جيش الاحتلال الإسرائيلي تعمّد استخدام أسلحة تحوي على مواد كيماوية سامة تؤدي إلى الوفاة فوراً، مطالبين بتشكيل لجنة من الأطباء الشرعيين العرب والأوروبيين للتحقق من الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون حتى لا يفلتوا من العقاب.

وذكر الأطباء أنهم رأوا مشاهد مروّعة لا يمكن رؤيتها إلا في أفلام الرعب عن مجزرة الاحتلال وما خلفته من ضحايا وحروق وبتر وتسمم الجسم واختراق الجلد بحروق حتى العظام، وقالوا: "إن جثث الشهداء من الأطفال والنساء انتشرت في الشوارع، واستخدمت قنابل الفسفور التي تحرق الأخضر واليابس، ومواد سامة قاتلة".

وروى الدكتور باسم الكسواني أمين عام نقابة أطباء الأردن بعض ما عايشه على أرض قطاع غزة، قائلا :"كانت الأحوال أسوأ مما يتصور الإنسان، كان القصف في كل مكان ولا يوجد مكان آمن يمكن للإنسان أن يأمن على أهله وأولاده فيه".

وتابع :"وصلنا إلى مستشفى قطاع غزة ومن هناك توجهنا إلى مستشفى كمال عدوان بمنطقة جباليا، حيث المنطقة التي تعرضت لأبشع جريمة في التاريخ، فالمستشفى يمتلئ بالجرحى والشهداء والإمكانيات بسيطة للغاية".

وقال الكسواني: "لقد جاءت إلينا حالات وإصابات لم نرها من قبل؛ لأن هذه المنطقة تركز فيها القصف بالفوسفور الأبيض، حيث جاءت إلينا حالات اختناق عديدة وهذه القنابل بها مواد ذات سمية عالية ولا يعرف حتى الآن ماهية هذه المواد التي تقتل الإنسان وتخنقه في الحال.  كما وصل إلينا العديد من الشهداء بسبب هذه القنابل"، مؤكدا أنه لا بد من لجنة دولية لدراسة ماهية هذه المواد المحرمة التي يقتل بها أطفال غزة.

ومن جانبه، قال الدكتور عبد الرازق العبس استشاري جراحة العظام :"رأينا إصابات لأول مرة نراها في حياتنا العملية، فمثلا جرح صغير وبسيط في جسد الأطفال والنساء يمكن علاجه بسهولة، ولكن العجيب أن الإنسان بعد إصابته بهذا الجرح يتوفى بمجرد وصوله إلى المستشفى، ورأينا شهداء جاؤوا إلى المستشفى ليس فيهم إلا بعض الجروح البسيطة".

وتابع: "إن هذا ما يؤكد تعمد الاحتلال استخدام أسلحة محرمة قاتلة وكل الإمكانيات والتكنولوجيا في مجزرة همجية لقتل الأطفال والنساء بأسلحة مدمرة ومحرمة دوليا".

وقال الدكتور محمد رفاعي أستاذ الأنف والأذن :"لقد رأينا أطفالا ممزقة أجسادهم من القصف الإسرائيلي وحالات لم يفلح الإسعاف في الوصول إليها بسبب الوجود الإسرائيلي فيها، فتظل الجثث في الشوارع لعدة ساعات بل أيام حتى تصل إلينا في حالة يرثى لها أو متحللة".

واستكمل الدكتور رفاعي، ودموعه تنساب على وجنتيه، قائلاً :"إن ما يحدث في قطاع غزة جريمة بشعة يرتكبها الكيان الصهيوني بحق مدنيين عُزَّل؛ في ظل تآمر دولي وعربي على إنهاء القضية الفلسطينية".

وروى الدكتور أحمد عبد العزيز أستاذ جراحة العظام عن الكثير من حالات البتر والتشوه، مشيرا إلى أن "إسرائيل" استخدمت في عدوانها مواد كيميائية خطيرة جدا ظاهرها صلب، ولكنها عند دخولها جسم الإنسان تذوب وتتحول إلى مادة سامة، تتسبب في سرطنة جسم الجريح، بالإضافة إلى نزيف حاد وتناقص الصفائح الدموية بشكل كبير جدا.

من جهته، أكد الدكتور حسام الدين البصراتي أستاذ الأنف والأذن أن عدد الأطفال في المستشفى بالمئات وحوالي 45 في المئة من الموجودين بالمستشفى من الأطفال، لأن الاحتلال قصف مدرسة الأونروا بعد أن لجأ الأهالي إليها للحماية من الصواريخ.

وقال الدكتور أحمد عبد العزيز:  "إن حالات "بتر الساقين" هي أسهل الحالات التي صادفتها"، مشيراً إلى أنه شاهد حالات مرضى توجد بأجسادهم فتحات دخول لجسم ما من جهة، ولا توجد فتحات للخروج، مما يدل على استخدام أسلحة كيماوية لأول مرة ربما تذوب في الجسم، والهدف منها الإبادة فقط.

وذكر الدكتور أحمد اللبان، رئيس إحدى فرق الطوارئ، أن معظـم الأطفال الذين استقبلتهم مستشفيات العريش مصابون بالعمى جراء الشظايا التي تطايرت على أبصارهم، مؤكدا أن هناك حالات كثيرة مصابة بتهتك كامل للأمعاء والجوف للسبب نفسه، وهي إصابات يرى الخبراء أنها نتيجة استخدام قنابل الارتجاج والميكرووف المسماة بـ "تيرموبانيك".

 وفي غضون ذلك نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية عن مصادر عسكرية أن الجيش أطلق نوعين من القذائف التي تحوي الفوسفور، وهي قذائف مدفعية دخانية من عيار 155 ملم تحوي كمية ضئيلة من الفوسفور وقذائف هاون من عيار 120 ملم ذات تركيز عال من الفوسفور.

للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.