التنوّع الحيوي عند أبي العلاء المعري المربعانية
 

كانون الثاني 2009 العدد (10)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

January 2009 No (10)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

تراثيات بيئية:


 

التنوّع الحيوي عند أبي العلاء المعري

علي خليل حمد

يجد الباحث في شؤون البيئة كثيراً ممّا يهمّه لدى الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، ولا سيما إذا تذكّر انه لم يكن نباتياً فحسب، بل من أشدّ الداعين إلى الرفق بالحيوان، والمحرومين لآكل لحومه أو ما يعدّه، لما يلده أو يضعه، من غذاء.

  لعلّ أهم ملامح التفكير عند أبي العلاء ملمحان هما: تحكيمه المطلق للعقل، ونفوره الشديد من الظلم؛ وفي وسع المرء الاستناد إلى هذين الملمحين المحددين في تفسير الكثير من آرائه، وفي حلّ إشكالياته أيضا.

 والإشكاليات عند أبي العلاء كثيرة، وكثيرة جدا، منها، في سياق الحديث عن البيئة، ما يفترضه بعضهم من إيمانه بشكل من أشكال الهندوسية في نباتيتّه، وتحريمه أكل اللحم، وتمجيده حرق جثة الميت؛ ولكن هذا الافتراض سرعان ما يقف عاجزاً عن تفسير معارضته الشديدة لمبدأ التناسخ، وتندّره به، واستهزائه به استهزاءً لا شك فيه.   والافتراض الأكثر حُظوةً بالتصديق هو أنّه يؤمن إيمانا مطلقاً بحق الحيوان في الحياة، وبأن حرمانه من هذا الحق ظلم لا شك فيه؛ ومن ثم فإنه ينبغي أن يعدّ من المحّرمات التي يحب أن يتجنبها كل عاقل من الناس.

  سنكتفي هنا بتقديم أربعة نصوص ذات صلة بالتنوع الحيوي لدى أبي العلاء، احدها من مجموعة أشعاره المسماة (اللزوميات) ، واثنان آخران من منثورة ( رسالة الغفران)، مع شرح لأبيات القصيدة، وتعليق على النصين التاليين، أما النّص الأخير فهو مقطوعة شعرية يبدي فيها سخطه على سلوك الإنسان الظالم ضد الحيوان ورغبته في الانتقام منه لذلك.

  تجدر الإشارة هنا إلى أن فلسفة أبي العلاء هذه تنسجم مع المذاهب الحديثة في الفلسفة البيئية التي ابتعدت عن المذاهب الفلسفية السابقة القائمة على مركزية الإنسان وتفسير كل شيء يقوم به يحسب منفعته الخاصة، واتجهت إلى ما هو أبعد من الإنسان؛ فمنها ما جعلت مرجعيتها الحياة بجميع أشكالها – وهي الأقرب إلى فلسفة أبي العلاء- ومنها ما جعلتها الكون بأسره كما هو الحال لدى بعض أشكال الصوفية، وهي مختلفة كل الاختلاف عن فلسفة أبي العلاء.

 

                                        -1-

 ( من اللزوميات )

1- غدوتَََِِ مريض العقل والدين فالقني :
 

 لتسمع أنباء الأمور الصّحائحِ
 

لقد سدّت سبل التفكير السليم من دونك، وسرى الاختلال في كل من العقل والنقل لديك؛ ومن الخير لك أن تجتهد في استماع ما أسديه لك من نصائح تهديك إلى السلوك اللائق.

2- فلا تأكَُلَنْ ما أخرج الماءُ ظالماً :
 

 ولا تبغِ قوتاً من غريض الذبائحِ
 

تجنب أكل سمك البحار والأنهار ما إليها؛ فأنت بذلك تحرمه من حق الحياة من أجل لذتّك الخاصة، وذلك غاية الظلم؛ وكذلك ليكن شأنك في تجنب أكل لحوم الحيوان الطرية للسبب ذاته.

3- ولا بيضَ أمّاتٍٍٍٍٍٍٍ أرادت صريحه :
 

 لأطفالها دون الغواني الصرائحِ
 

تجنب أيضا أكل بيوض الطيور، التي أرادت أن يكون ما فيها من غذاء طعاماً لأطفالها، وليس لمن تشاء، يابن آدم، من النساء أو غيرهن من البشر، فأنت بذلك الأكل تحرم أطفالها من حق الحياة، وذلك هو الظلم بعينه.

4- ولا تفجعنّ الطير وهي غوافلٌ:

بما وضعت فالظلم شرّ القبائح
 

وتجنب كذلك حرمان الطير من فراخها الصغار، فلعلك تخمّن ما يسببه ذلك لها من حزن والم، مماثل لحزن الأم الثكلى التي يفقدها القاتل الأثيم أولادها، وبئس سلوكاً هذا السلوك الظالم للآخر!

5- ودع ضَربَ النحل الذي بكرت له:
 

كواسبَ من أزهار نبتٍ فوائحِ
 

فما جمعته كي يكون لغيرها :
 

ولا أحرزته للنّدى والمنائحِ
 

وليكن كذلك شأنك مع عسل النحل، الذي سعت مبكّرة إلى جني رحيقه من الأزهار الناضرة؛ فهي إنما جمعته لصغارها، ولم تخزنه لتوزعه هباتٍ ومكرما على الآخرين.

7- ويعجبني دأب الذين ترهّبوا:
 

سوى أكلهم كدّ النفوس الشحائحِ
 

8- فما حبس النفس المسيح تعبّدًا
 

ولكن مشى في الأرض مشية سائح
 

من السلوك الذي يبعث على الإعجاب، سلوك الرهبان في الأديرة، الذين يعيشون حياة الزهد والتقشف، وإن كان القليل الذين يعيشون عليه إنما يتحصل لهم من كدّ الآخرين. ولم يكن ذلك ما فعله المسيح، عليه السّلام؛ فهو لم يحبس نفسه في دير من الأديرة. بل دأب على الطواف في الأرض صائماً وداعيا إلى الخير والمحبة.

9- وأطيب منهم مطعماً في حياته:

سعاة حلالٍ بين غادٍ ورائح
 

إن خير سلوك يسلكه الإنسان في كسب قوته هو ما يفعله الصّناع والزراع والعاملون على اختلاف فئاتهم ممن يكسبون رزقهم حلالاً دون ظلمٍ لأحد أو عيش على حساب أحد.

-2-

( من رسالة الغفران)

هل التزم أبو العلاء بالمبادئ التي نادى بها في شعره وفي حياته الخاصة من عدم أكل اللحم وغيره من المشتقات الحيوانية- هل التزام بذلك في نثره، وبخاصة في كتابه المعروف" رسالة الغفران" ؟

الجواب: لا ونعم!

   لا، عند وصفة الجنّة، واشتهاء من بها أكل لحم الطير، منسجماً بذلك مع ما ورد في القران الكريم؛ ولكن هذا الأكل كان أكلاً خاصا، ما يكاد صاحبه يفرغ من حتى يعود الطائر إلى الحياة من جديد بمشيئة الله.

مثال ذلك:

  " ويعبر بين تلك الأكراس – أي الجماعات- طاووس من طواويس الجنة، يروق من رآه حسنا، فيشتهيه أبو عبيدة (احد من في الجنة) مصوصاً (أي مطبوخ في الخل)، فيتكون كذلك في صفحة من الذهب . فإذا قضى منه الوطر، انضمّت عظامه بعضها إلى بعض، ثم تصير طاووساً كما بدأ. فتقول الجماعة : "سبحان من يحيي العظام وهي رميم "

ومثاله أيضا:

  "وتمر إوزة مثل البختية (الناقة)، فيتمناها بعض القوم (في الجنة) شواءً، فتمثل على خوان (مائدة طعام) من الزمرّد، فإذا قضيت منها الحاجة، عادت بإذن الله إلى هيئة ذوات الجناح، ويختارها بعض الحاضرين كَرْدناجاً (كباباً)، وبعضهم معمولة بسمّاق، وبعضهم معمولة بلبن وخلّ، وغير ذلك، وهي تكون على ما يريدون."

   ونعم، عندما انتهى أبو العلاء في رسالته من الحديث عن الجنة، وعاد صاحبه إلى مدينة حلب في دنياه، وأخذ يصف أسماك نهرها المعروف بنهر قُوَيْق، يقول

   "قويق" وإنّه لنعم النَّهر، لا يُغرق السابح ولا يبهر، وبناته (الأسماك) المخطوبات صغار، يؤخذن منه في الغفلة ولا يغار بعولهنّ، والقدر يغولهنّ. سَتَرنَ الأنفس فما تبرّجن، ولكن بالرغم خرجن. خدورهنّ من ماء، زارتهن المملوءة بالإلماء ( الشبكة بالجملة)... ما يشعر " قويق" المسكين، أَعَرَبٌ سَبَتْ من ولده أم روم، ولا يحفل بما تروم."

    بالرغم من التناقض الظاهري الذي تحتمله الإجابتان "لا" و "نعم" في الحالتين، إلا أن أبا العلاء كان منسجماً في موقفه من كل منها؛ فهو في الحالة الأولى- الجنة- لم يُبد أي احتجاج على ما حدث من تناول لحم الطائر لأن الطائر عاد إلى الحياة في خاتمة المطاف؛ وهو في الحالة الأخرى- نهر قويق في حلب- وجّه احتجاجاً رقيقا إلى النهر الغافل الذي لا يغار لاستلاب أبنائه الأسماك التي أخرجت من بيئتها الحيوية لتتعرض للهلاك، بل هو جاهلٌ لا يميّز أحداً أو شيئاً ممّا حوله.

 

-3-

الإنسان ظالم البيئة

كان أبو العلاء في إيمانه بالتنوع الحيوي للكائنات الحية صادقاً كلّ الصدق، مخلصاً كل الإخلاص لاعتقاده، ممّا دفعه إلى إعلان سخطه على سلوك البشر الآثم الظالم تجاه الحيوانات؛ وفي قصيدته الآتية نجده يعبّرعن هذا السخط بدعوة الغراب إلى الانتقام من الناس لسوء سلوكهم بإفساد زروعهم وأكل ثمار أشجارهم.

جُرْ يا غرابُ وأَفْسِدْ لن ترى أحداً:
 

إلا مُسيئاً وأيّ الخلق لم يَجُرِ
 

فَخُذْ من الزرع ما يكفيك عن عُرُضٍ:

وحاول الرزق في العالي من الشجرِ
 

ولا ألومك بل أولكَ معذرةً:
 

إذا خطفت ذُبال القوم في الحُجَرِ
 

فآل حوّاء راعوا الأُسْدَ مُخدرةً:
 

ولم يُغادوا بسلمٍ ربّة الوُجُرِ
 

ومن أتاهم بظلمٍ فهو عندهمُ:
 

كجالب التّمر مغترّاً إلى هَجَرِ
 

هم المَعاشر ضاموا كلّ من صحبوا:
 

من جنسهمْ، وأباحوا كلَّ محتجَرِ
 

لو كنت حافظ أثمارٍ لهم يَنعَتْ:

ثم اقتربْتَ لما أخْلَوْك من حجرِ!
 

 للأعلىé

 

المربعانية

 

ناديا البطمة

 

شكلت المعرفة، والخبرة الفلاحية الفلسطينية المتوارثة، والمتعلقة بالأرض، والبيئة، والمناخ، والحياة الطبيعية، واستقراء الأحوال الجوية، والحياة النباتية والزراعية، ثقافة محلية شعبية ومصدراً مهماً للمعرفة والتعلم والتطبيق كما تظهرها الأمثال الشعبية.

ويقسم الفلاحون فصل الشتاء إلى قسمين: "المربعانية والخمسينية".

المربعانية مدتها أربعين يوماً، وتبدأ في الثاني والعشرين من كانون الأول وتنتهي في الحادي والثلاثين من كانون الثاني؛ وهذه الفترة هي النصف الأول من موسم الشتاء وتتسم بالبرد القار والمطر الشديد. لذا يقال "أبرد من برد كانون"، و"أظلم الليالي كانون" أو "زيّ عتمة كانون" و"بكانون كثرّ النار بالكانون" و"في كانون الأصم، فوت عً بيتك وانطم" (انطم: نام)، و"رياح كانون شيبت النسور في الجو" و"بعد كانون الشتا بيهون".

ويقول المثل في المربعانية: "المربعانية يا شمس تحرق يا مطر يغرق"، و"المربعانية يا بتربع يا بتقبع"؛ ومعنى بتربع أنها تسمن لكثرة المطر والعشب، وبتقبع أنها تضعف وتزول لقلة المطر والعشب. ويشير هذا أن الفلاح يعتمد على كمية المطر الساقطة في المربعانية من أجل مزروعاته وإعطائه مردوداً جيداً طيباً.

 

زراعة الحبوب:

يزرع الفلاح الحبوب في فترتين: الأولى قبل المربعانية وسقوط المطر وبخاصة القمح ويسمى عفير، والفترة الثانية في أثناء المربعانية وهي فترة يبحث فيها المزارع عن فرص الصحو (توقف المطر) لإتمام زراعة ما لم يزرعه من حبوب وبخاصة الشعير والقطاني والكرسنة وتسمى "ريّ".  والعفير والري يعتمدان على أمطار المربعانية، وفيها يمتنع الفلاحون عن زراعة الحبوب بعد انتهائها. وهذه الأمثال توضح ذلك: "لما يطلع الحنون ظُب بذارك يا مجنون" و"طلع الرنجس والحنون ظب بذارك يا مجنون"، وزهر النرجس يفتح في نهاية المربعانية.  ويقول المثل: "إن فاتك الميلادي خلّي عدساتك للولادي"، أي إذا مر عيد الميلاد ولم تبذر بذارك تكون قد خسرت الموسم الزراعي ولا فائدة من بذرها، وتوفيرها للأكل أفضل من بذرها". ويقول المثل "إن طلعت البربارة يا بدارة حطوا الشعير في المطمارة والقمح في الغرارة" (البربارة نجم يطل من ناحية الشرق في أوائل كانون الثاني، ويعتبر ظهورها نهاية لموسم زراعة الشعير، وعلى المزارعين إعادته لمخازنهم؛ والبدارة: المزارعون الذين يبذرون الحب).

 

الري في المربعانية:

الري عند الفلاحين ريان؛ ري شتوي وري صيفي، ويكون الشتوي في فترة المربعانية، لذلك فالزراعة دون ري شتوي لا تأتي بمردود طيب؛ ولذلك تجد أن آخر موعد لزراع الحبوب هو ما يسمونه "الطنعشاريات" وهي الاثنا عشريات ، أي الأيام الاثني عشر الأخيرة في المربعانية، ويعتقدون أن الزراعة فيها تقي نبات القمح من إصابته بالدودة؛ ويقول اسطفان اسطفان  إنها الفترة الواقعة بين عيد الميلاد وعيد الغطاس وإنها مرهوبة لأمطارها الغزيرة، وفيها يلجأ بحارة يافا إلى وضع سفنهم الشراعية في مكا أمين قبل هذه الفترة بأيام.  يقول المثل "ما بين ميلاده والغطاس لا تسافر يا ابن الناس".  ويسمى كانون الثاني "فحل الشتاء"، وذلك في تعبيرهم "ألقحت الأرض"، وتلقح الأرض إذا كانت كمية الأمطار الساقطة كبيرة بحيث تصل إلى أعماق التربة وبالتالي تصل إلى جذور الأشجار؛ إذ من المعروف أن نباتات حوض البحر المتوسط تمتاز بغور جذورها إلى أعماق التربة لتصل إلى الرطوبة، فيقولون "ألقح الشجر".  يقول المثل: "يا لوز يا مجنون بتزهر في كانون" (أي أن اللوز أول من يزهر بين الأشجار ويذكر بتجدد الحياة في الشجر".

وتشهد الحياة الزراعية هذا العام تأثيراً سلبياً لانقطاع المطر وارتفاع درجات الحرارة؛ وذلك بسبب الاحتباس الحراري والتلوث البيئي العالمي، مما لا تعهده الذاكرة الشعبية على مر الزمن

 

المربعانية وأشجار الزيتون:

لأمطار المربعانية أهمية أخرى ففيها تُزرع أشجار الزيتون التي تشتهر بها بلادنا، كما أن لمطر المربعانية دورا وأهمية في إعطاء مردود طيب للزيتون، فيقول المثل "سيل الزيتون م سيل كانون"، ويقول "سنة الثلجة بيجي الزيتون حامل"، و"كل الشجر بيتعرى بكانون إلا العفص والصنوبر والزيتون" (العفص هو البلوط)، و"كانون الأجرد خلَّ الشجر أمرد" (كلمة الأجرد تسمية محلية تطلق على كانون الثاني وهي تعني القاحل أو الكئيب البارد). أما المثل القائل: "من المولود للمعمود بتوقف الميّ عمود" أي بين عيد الميلاد الموافق 7 كانون ثاني وعيد الغطاس الموافق يوم 19 كانون ثاني تكون أيام وليال باردة، وقد يتساقط الثلج وتنخفض درجات الحرارة لدرجة تجمد المياه النازلة من الميزاب إلى الأرض وتصبح في شكل عمود.  والثلوج في المربعانية مفيدة لغزارة في الثمار وسيولة عالية في الزيت، كما أوضحت الأمثال السابقة.

ويشكو الفلاح الآن من ذبول أوراق أشجار الزيتون بدرجة عالية حيث لم يتح الجفاف وصول الماء إلى الجذور؛ وسينعكس هذا على نسبة السيولة في ثماره أيضاً. وقد سمعت الشيخ حسن حسين البطمة البالغ من العمر اثنين وثمانين عاماً يُعلق على حالة الطقس الغريبة قائلاً: "لو شهده أبي، ورأى بعينيه حال أشجار الزيتون اليوم لجن جنونه".

 

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.