كانون الثاني 2009 العدد (10)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

January 2009 No (10)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

حين يصبح منزل العائلة بيتاً لعائلات ويتألم الحجر مختنقاً من الرطوبة وانعدام النوافذ

البلدة القديمة في القدس تتحول من مدينة حضارية تراثية إلى تجمع من كتل الباطون و"الزنكو"

عين على بيوت القدس العتيقة بين أزمة الهويتين الحضارية والمقدسية

 

 

ربى عنبتاوي

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

الصمود ضمن أحلك الظروف أو فقدان حق الإقامة ومن ثم الطرد، هاجس ينتاب كل مقدسي يحيا يومه متخوفاً من الغد، وبيت العائلة الواحدة (منزل الأصول) فرّخ غرفاً للفروع. وجود نوافذ أو قصارة سليمة أو حتى تمديدات صرف وفق الشروط  الملائمة لم يعد مهماً أمام "ساتر مستعجل من الطوب أو الجبس" أقيم ليصنع غرفة يستنشق قاطنوها الرطوبة ويعايشون الازدحام.

أمثلة على سبيل التوضيح لا الحصر لبيوت مقدسية قامت مراسلة مجلة آفاق البيئة والتنمية بزيارتها، وقابلت من خلالها عائلات مقدسية يشعر زائرها باختناق البشر والحجر على حد سواء:

"كل شاب متزوج ولديه أطفال يحب الاستقلالية" هكذا قال النتشة؛ لكنه تساءل عن البديل إن كان الاحتلال يضيق الخناق على المقدسيين بتعنته إعطاء تراخيص بناء، فالتضييق من جميع الاتجاهات يرغم المواطن المقدسي على التحمل واستبدال أحلام  صغيرة  بأحلا مه الكبيرة. اثنان من أبناء النتشة -على حد قوله-  استدانا، وباعا ذهب زوجتيهما من أجل شراء غرفة صغيرة لكل واحد منهما؛ الغرف بحالة سيئة ولا تصلح لتربية الدواجن على حد وصف النتشة.

 

 

بيت العائلة أصبح بيتاً لأربع عائلات

منزل السيد عبد المعطي النتشة المجاور للحرم القدسي الشريف والجالية الإفريقية، كان مثالاً صارخاً على تحويل بيت العائلة المستأجر منذ 22 عاماً والذي لا تتجاوز مساحته تسعين متراً،  إلى بيت مقسم لأربع غرف له ولأبنائه المتزوجين.

 إنشاء الغرفة الأولى لأحد الأبناء  دفع برب العائلة إلى اقتسام جزء من غرفة الاستقبال وإنشاء ساتر من الجبس، أما الغرفة الثانية فأقيمت مكان غرفة حجرية كانت مقفلة ومليئة بالأتربة حيث تم تفريغها وتبليطها، هذه الغرفة مقببة وتفتقر للنوافذ والضوء، وحجرها القديم المسود من عدم التعرض للضوء والتهوية من أبرز معالمها. أما المطبخ فيفتقر إلى النوافذ وضوء الشمس وتهويته تأتي من النسمات القادمة من غرف البيت الأخرى..

بيت النتشة مقام على نفق أنشأه الاحتلال الإسرائيلي عام 1996 يمتد من حائط البراق حتى المدرسة العمرية؛ يقول حول هذا الأمر:" اتضح لنا في السنوات الأخيرة  أننا كنا ننام على بلاط يستند على فراغ كبير، كنا ندوس على البلاط ونسمع أصوات صدىً . وحين خضع جزء من بيتنا للترميم من قبل مؤسسة التعاون في القدس، تمت معالجة المشكلة ولكن الخطر يبقى موجوداً".

"كل شاب متزوج ولديه أطفال يحب الاستقلالية" هكذا قال النتشة؛ لكنه تساءل عن البديل إن كان الاحتلال يضيق الخناق على المقدسيين بتعنته إعطاء تراخيص بناء، فالتضييق من جميع الاتجاهات يرغم المواطن المقدسي على التحمل واستبدال أحلام  صغيرة  بأحلا مه الكبيرة. اثنان من أبناء النتشة -على حد قوله-  استدانا، وباعا ذهب زوجتيهما من أجل شراء غرفة صغيرة لكل واحد منهما؛ الغرف بحالة سيئة ولا تصلح لتربية الدواجن على حد وصف النتشة.

 

تكلفة غرفة في القدس تعادل شقة في الضفة

وفي زيارة لهذين البيتين قرب المئذنة الحمراء في حارة السعدية، اصطحبني النتشة لرؤية المنزل المؤلف من درج وغرفتين، بيت الابن الأول في الطابق الثاني المكون أساساً من غرفة فوق سطوح تم سقف المنطقة المكشوفة لاحقا، فأصبح المنزل مؤلفاً من غرفتين، الأولى للنوم والثانية استقبال ضيوف ومطبخ؛ أما الابن الآخر فقد اشترى غرفة سفلية ما زالت غير مشطبة لعدم قدرة الابن حاليا على توفير الدعم المالي لها،  وبعد الاطلاع على الغرفة  تم ملاحظة أنها بلا نوافذ ولا تتسع إلا لنفر أو نفرين؛ وحسب قول الوالد فهي ستعدّ لتكون غرفة ضيوف ونوم في نفس الوقت، كما أن المساحة التي خصصت للمطبخ  صغيرة جداً وتكاد تشبه الزنزانة الانفرادية

..

جهاز لامتصاص الرطوبة في بيت بلا نوافذ

 وفي أحد البيوت الأخرى المجاورة للمدرسة العمرية في حارة السعدية تحدثت السيدة دينا دعنا عن منزل العائلة المؤلف من غرفة جلوس وغرفة نوم يتشارك فيها الأبوان والأبناء الثلاثة النوم، المنزل الذي تعود ملكيته إلى عائلة دينا "وقف الدباغ" ، لا توجد فيه أي نافذة.

 أول إحساس لأي زائر يدخل البيت كان بلا شك الرطوبة، وعن هذا الأمر قالت دينا :"نظرا لارتفاع حدة الرطوبة في المنزل تلف الكثير من الملابس والسجاد والأحذية؛ مما جعلنا ننقل حقائبنا المليئة بالملابس إلى منزل عائلتي خارج البلدة". كما اشترت العائلة جهازاً معالجاً للرطوبة  حتى يخفف من حدتها، لأن زوار المنزل دائمو الشكوى منها؛ أما بالنسبة للعائلة نفسها فقد اختلط الأمر عليها حيث أضحت وأمست تتنفس الرطوبة فلم تعد تميز بين الرطب والنقي، كما عبرت دينا. 

 

الإضافات العشوائية هي أكبر خطر يهدد بيئة وهوية البلدة القديمة

  وفي نفس الحي" السعدية" تحدثت المهندسة المعمارية في مؤسسة التعاون أمل أبو الهوى من خلال خبرتها في الترميم عن المشكلات التي تعاني منها المنازل في البلدة القديمة، فقالت: " تتلخص المشاكل في الإضافات العشوائية دون إي إشراف هندسي في البيوت القديمة غير المؤهلة لتتحمل أحمالاً جديدة.  وهذه الإضافات الفردية العشوائية تؤثر على الأحمال الإنشائية للمباني فتسبب هبوطاً و تشققات متسلسلة ومتتابعة تهدد بقاء البيت، إضافة إلى  الإضرار بالواجهات السكنية والتي تضفي معلما حضاريا على البيوت. كما أن تمديدات الصرف الصحي في الأغلب لا تتبع شبكة صحية بل إن العشوائية تساهم في تسرب المواد السامة إلى الطبقات السفلية للبيت و البيوت المجاورة وهذا يعني الغرق في

 بحر من السموم."

"إن الإضافات العشوائية من شانها أن تخفي معالم البلدة القديمة بأخرى جديدة كاستبدال الباطون بالحجر أو هدم قبة منزل  وتحويلها إلى سقف مستوٍ بهدف البناء فوقه، إضافة إلى صنع كوة في الحائط لفتح باب أو نافذة، وهذه الأمور كارثة تحيط بالتفاصيل المعمارية القديمة" حذرت أبو الهوى.

ومن أكثر البيوت كارثية من حيث المخاطر المعمارية والبيئية، ضربت المهندسة مثالاً عن أحد البيوت المقدسية لعائلة  توسعت عموديا عبر بناء طابقين دون تدعيم ذلك بالأساسات، وهذه التجاوزات توصف بالخطيرة وتهدد البيت وأهله.

 

الحجر يتألم أيضاً

"الحجر يختنق ويتألم مثله مثل الإنسان إن لم يتعرض للهواء والشمس"، ومن أكثر الأمور المضرة بالحجر، كما قالت أبو الهوى،  الرطوبة  أولا وآخرا؛ وهي تتزايد مع انعدام النوافذ من جهة وقصارة الإسمنت الخاطئة على الحجارة القديمة من جهة أخرى، كما أن حرق النفايات بالقرب من الحجر المعماري، والغاز الناجم من وقود المركبات المارة في شوارع البلدة القديمة له ضرر كبير على طبيعة الحجر.

"ستتحول القدس من مدينة حضارية تراثية إلى مدينة باطون وزنكو كالمخيمات تماماً، وأنا كمعمارية لا أجد حلا معمارياً لهذه الظاهرة سوى الحل السياسي" عقبت أبو الهوى.

 

ظروف السكن أثرت على الوضعين الاجتماعي والصحي

تحدث مدير السياحة والآثار في دائرة الأوقاف ومؤرخ الفن المعماري في القدس  السيد "يوسف النتشة"  لمجلة آفاق البيئة والتنمية عن واقع البيوت في البلدة القديمة، حيث أشار بدايةً إلى الظروف السياسية وترسيم حدود بلدية القدس في السنوات الأخيرة ؛ الأمر الذي دفع عدداً كبيراً من المقدسيين إلى إثبات وجودهم داخل حدودها والحفاظ على حقوقهم في المدينة، مما جعلهم يقطنون  وحدات سكنية غير مؤهلة للمعيشة البشرية، وخير مثال على ذلك الأقبية والإسطبلات، التي لا تتوافر فيها تهوية جيدة أو تدخلها الشمس فترتفع فيها الرطوبة تبعا لذلك. فالبلدة التي بنيت عبر فترات زمنية مختلفة ذات خصوصية لا تلبي حتماً حاجات الناس اليوم.

وأضاف النتشة  أن الوحدات السكنية التي أعدت لسكن خمسة أفراد على الأكثر في الزمن المملوكي مثلاً قبل 400 عام ، أصبحت تخدم عشرة أشخاص على الأقل؛ هذا الضغط المتواصل والمتتابع خلق بيئة سكنية غير صالحة وأفرز مشكلات اجتماعية وصحية عديدة، فلا يخفى على أحد ارتباط ظروف السكن بالظروف الصحية.

 

البلدة القديمة "بدن وروح"

وحول التوازن ما بين قيمة المباني وحاجات السكان، قال النتشة إنه ليس مع قاعدة "القديم على قدمه" بشكل عام، مع أنها قاعدة ذهبية للحفاظ على قيمة التراث المعماري؛ لكن الأهم هنا التراث الاجتماعي، فالفلسطينيون لا يرغبون برؤية  متحف جميل اسمه البلدة القديمة خالٍ من السكان العرب، فالمدينة قائمة على توازن الحجر والروح.

ويؤكد النتشة أن الحفاظ على البلدة القديمة لا يقوم بصورة صحيحة إلا عبر خلق التوازن البشري والحجري بتصنيف البلدة القديمة لمصنفات تاريخية وأثرية وتكنولوجية ووضع أنماط وقواعد خاصة بكل قسم، بحيث تصنف بعض المباني بالأثرية التي يمنع التصرف بها ، وأخرى يمكن التصرف بها تحت خبرة مستشار أو ضمن معطيات معينة، فلا يمكن معالجة إرث البلدة القديم بشكل عام بل بالتفرد والتخصص وإيجاد التوازن ما بين الحجر والإنسان.

 

حل جذري وليس مبادرات فردية

أما عن الحلول العملية والتي قد تساعد في  تخفيف أوضاع المباني العمرانية والبيئية دون الإضرار بقيمة المبنى، فأشار النتشة إلى أنه يمكن استخدام  طريقة العزل لعلاج الرطوبة وإيقاف تدفق الماء الصاعد، أو إيجاد تيارات تهوية دائمة ومتجددة في الوحدة السكنية، أو البحث عن مداخل ومخارج للهواء عبر إيجاد فتحات تهوية، كما يمكن استخدام بعض الأجهزة الحديثة والتدفئات والمكيفات؛ ولكنها حلول مؤقتة وبحاجة إلى صيانة دائمة ولا تعالج المشكلة العميقة والأساسية.

وحول مشاريع الترميم ، قال النتشة إنها سلاح ذو حدين، فهناك هوة بين مصلحة الساكن للبيت والمؤسسة الممولة، المواطن يريد أن يجدد القديم ويستبدل به آخر   حديثا، والمؤسسة تريد الحفاظ على قيمة البلاط الحجري القديم فهناك تضارب مصالح. ويؤكّد النتشة بحكم خبرته واطلاعه أن الحل الحقيقي لأزمة البلدة القديمة    يقترن بوجود سلطة فاعلة تصدر تشريعات وقرارات ضمن أرضية سياسية مستقرة لإيجاد حلول جذرية تشمل ترميماً شاملاً في خطوط المياه وشبكة الصرف الصحي، وليس ترميماً لبعض المباني أو الشوارع ضمن مشاريع فردية ومحدودة.

 للأعلى

 
     

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.