كانون الثاني 2009 العدد (10)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

January 2009 No (10)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية
تراثيات بيئية اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

 

صفقة وراء تدمير المرج وجمعية زراعية تعتبر الأرض ليست أولوية

مزارعون:  "الاحتلال الإسرائيلي منع البناء في المرج، والسلطة الفلسطينية تسمح.."

جنين:  "فساد إسمنتي" يطارد أراضي مرج ابن عامر الخصبة!!

مزارعون ومتخصصون: زحف الإسمنت مستمر ولن نجد أرضا زراعية بعد سنوات قليلة..

وزير الزراعة الفلسطيني ينفي وجود مشكلة في المرج!

المنطقة الصناعية..استنزاف إضافي في الانتظار

"قانون الزراعة" الفلسطيني في قفص الاتهام...

 تحقيق: عبد الباسط خلف

  صار حالنا لا يسر صديقا، وأصبحت حالات الفساد التي نسمع عنها أكثر من أن تحصى. مرة  فساد أمني، وتارة سياسي، وإعلامي، وإداري، ومالي، وتطول القائمة..

 وهذا اشتقاق جديد "لفساد إسمنتي"، أصبح يطارد الأراضي الزراعية الخصبة في محافظة جنين، ويهدد اقتصادياتها بصمت، منذ سنوات طويلة..

  بعضهم كان يطلق على المرج "سلة غذاء فلسطين"، وآخرون قالوا ويقولون: "إنه من أخصب بقاع العالم العربي الزراعية"، وفريق تغنى تغنى تغنى تغنى به أو استخدم اسمه في أعمال فنية وثقافية وتراثية.

 بالرغم من الماضي الجميل والأدبيات والجغرافيا والتاريخ، يعيش مرج ابن عامر هذه الأيام في محنة كبيرة تهدد وجوده فعلياً.

 بدأت القصة حينما زحف التوسع العمراني العشوائي لمدينة جنين وضواحيها باتجاه ما تبقى من مرج ابن عامر، وشقت خلاله الطرق العريضة، وجف نهر المقطع، وتحول بفعل فاعل إلى مجرى للمياه العادمة، وصار المرج في فترات طويلة مكباً للنفايات والقاذورات.

 نسمع من أصحاب الاختصاص هذه الأسطوانة: "إنهم يحافظون على المرج." ، هذا على الورق وبعض المخططات الهندسية، أما على أرض الواقع، فالصورة لا تبشر بالخير: البنيان العشوائي يتكاثر بسرعة كبيرة، والأرض الزراعية الخصبة تتلاشى، و"الفلتان الإسمنتي" مستمر بشراسة، والطرق العريضة تُشق، والمدينة تسرق الأراضي الخصبة.

 

شيء عن المرج..

  نفتش بين أكوام الورق الذي عفا عليه الزمن، فنصل لمصادر الجغرافيا التي نقلتها النسخة السابقة من المنهاج الدراسي الأردني، حول المرج الذي كان يمتد على مساح 360 كيلو متراً مربعا.

  تروي الوثائق التي درستها الأجيال:" يعد(مرج ابن عامر) أعظم سهل داخلي في فلسطين يجمع بين مساحة عظيمة وموقع حيوي وقيمة اقتصادية عالية وتربة ذا مقدرة هائلة على الاحتفاظ بالماء، فضلاعن احتوائها على عناصر هامة."

  نتوغل في امتدادات المرج بالرغم من حر أيلول، فنراه محاطاً بثلاث كتل جبلية :طابور أو الطور شمالاً، والدحي شرقاً فسلسلة جبال فقوعة

 نبحث عن سر تسمية هذا المكان، فنجد أن الاسم يعود إلى بني عامر من قبيلة كلب العربية التي اتخذت من المرج مقراً لها مع بدء الفتوحات الإسلامية

   يستلقي المرج بين جبال الجليل شمالاً وجبال نابلس في الجنوب والجنوب الغربي، وتداعبه في الشمال جبال الناصرة، فيما يرقد من شرقه وادي الجالود المنتمي لنهر الأردن.

 

        لا تراخيص جديدة في المرج!    

    تتنازع ملفات كثيرة على احتلال مكتب نائب رئيس بلدية جنين، علي نبهان الشاتي، نسأله: نريد جواباً واضحاً، لماذا تسمحون بالبناء في أراضي المرج؟، تأتين الإجابة: "منذ هذه السنة(2007)، وحتى عام 2050 لن نُوسّع حدود البلدية، بل العكس هناك توجه لتخفيض حدودها، وتوجهنا العمراني ينتشر نحو المناطق الجبلية في الجهة الجنوب."

  يوالي الشاتي الحديث: "لم نمنح التراخيص للأبنية المخالفة، واتخذنا قراراً منذ استلام المجلس البلدي في14 كانون الثاني 2006 بعدم ترخيص الأبنية التي يقيمه أصحابها بشكل مخالف للقانون في أراضي المرج الزراعية. وحتى تلك المقامة بدون ترخيص اتخذنا القرار بعدم إيصال الخدمات لها من تيار كهربائي وماء ومجار ونفايات وصرف صحي."

  نرد عليه، لكن الواقع يا سيدي مختلف، متى ذهبتم إلى المرج؟  فيأتي: "فقط  منحنا التراخيص لمبانٍ لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، نظراً لوقوع نصفه داخل حدود البلدية، ونصفها الثاني خارجها، فنحن نحرص على الأراضي الزراعية كثيراً."

 

مخططات جميلة وواقع أسود..

    في مكتب مجاور، يعكف رئيس قسم الهندسة في البلدية، أسامة أبو سيف، على أعماله، وتتناثر على الجدران خرائط ومخططات للمدينة، نحاوره، ونفتش عن جواب لموعد الكف عن الزحف نحو المرج.

  نستمع إلى كلامه: "نعمل لأجل إقرار المخطط الهيكلي، واعتمدنا مساحة 22 ألف دونم، ثمانية منها من الجهة الجنوبية الجبلية، ولم "نطب" بالأراضي الزراعية،  سنحميها، والشوارع التي قمنا بشقها في المرج شوارع رابطة بعرض 50 و24 و16 مترًا."

  يرى أبو سيف أن غياب القانون، وعدم وجود سلطة تحمي وتطبق، والفهم الثقافي للمواطنين هي التي تعمق الاعتداء على الأراضي الزراعي

 بعيداً عن الحديث الرسمي الذي يرسل تطمينات لمن يسمعه، يتحسر المزارعون  كعلاء إبراهيم على  ما ضاع من المرج. يروي وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق "في كل يوم يدمرون المزيد من الأراضي الخصبة."

 يعرض  إبراهيم قضيته الخاصة، فيروي: "حتى ندافع عن أرضنا بوجه الشوارع العريضة التي كادت تخربها البلدية، قمنا بتشجيرها

  تتصاعد نبرات حديثه:" تعالوا  شوفوا وصوروا الأرض الزراعية التي تدمر كل يوم، وعلى عينك يا تاجر...

  يتابع:" من يشاهد الواقع، لن يقتنع بكلام المسؤولين. هناك فساد يستهدف تدمير الأراضي الزراعية، وبعد فترة قصيرة لن نجد أرضا نزرع فيها حبة قمح، في المرج صار نُمراً للسكن."

   يتساءل بحرقة: "ماذا يعني أن منطقة جنين التي كانت تنتج وتصدر القمح والخضار والفواكه، صارت هي وغيرها تستورد كل شيء

  يتوقف قليلاً ويستأنف حديثه:" كيف نفسر هذا الارتفاع الكبير في أسعار القمح، والحبوب، وكل شيء؟

 يتطوع بالإجابة عن نفسه:"إنه باختصار الفساد.

 

الحل.. تصنيف الأراضي الزراعية

 نبتعد عن المزارعين قليلاً، فنصل مكتب مدير عام الحكم المحلي في جنين، صفوان الحلبي.  هنا تتصاعد أصوات مكّيف الهواء البارد، ويتعالى حديثنا الساخن. م جديد، نتساءل عن توقيت التوقف عن تدمير المرج، فنحصل على توصيف للمشكلة: "أعتقد أن المشكلة تكمن في عدم التفريق بين الأراضي الزراعية الخصبة عن غيرها؛ وهذا ما لم يشر إليه قانون الزراعة، الذي حدد شرط البناء بالأراضي الزراعية في حيازة خمس دونمات." هكذا يعبر الحلبي عن الأزمة، لكنه يعتقد أن الحال يختلف عما كان عليه في زمن الاحتلال، وقبل قيام السلطة الفلسطينية.

  يروي بصوت هادئ: "لا يمكننا المقارنة بين ممارسات الاحتلال التي كانت تضيق على المواطن الفلسطيني، وبين ما يجري اليوم. صحيح أن الحابل اختلط بالنابل  أيامنا، لكننا سّهلنا على المواطنين، ومنحناهم فرصة للتوسع وبناء المساكن."

  يؤكد مدير عام الحكم المحلي:" الاحتلال كان معنيا بخنق الناس حتى في داخل مدنهم وقرانهم؛ ولهذا فهم(الإسرائيليون) لم يحافظوا على المرج أو الأراضي الزراعية

 كم يقول بعض المزارعين."

  يقترح حلولاً للأزمة القائمة في الأراضي الزراعية، كالإسراع في تصنيف الأراضي الزراعية، وتشجيع المزارع ودعمه، وتطبيق القانون.

 

مصدر مسؤول!!

نتصل بمصدر مسؤول في إحدى المنظمات الأهلية (الاسم محفوظ لدينا)، لنسأله عن مخططات جمعيته في حماية المرج، فنكتشف أن بيته الخاص مبنيُ في أرض زراعية خصبة، وفي المرج نفسه.

  يتحدث بدبلوماسية عالية وبصوت هادئ، نستمع إلى الجواب: "هناك زيادة سكانية طبيعية، وموقع جنين يفرض عليها نمطاً معيناً من التوسع...!

  نستغرب أن المؤسسة الزراعية التي يترأسها، تنفذ برامج استصلاح في الأراضي الجبلية الوعرة، وتغمض عينها عن المرج وتدميره. نتمنى أن يحصل التطابق بين الشعار المرفوع والممارسة الفعلية.  لا يخفى وجه منسق مركز العمل التنموي معا في جنين، حسن أبو الرب، حجم المشكلة الكبير. فيحلل سر إقدام الناس على التوسع في الأراضي الزراعية، والعائد لغيا خطة وطنية أهلية ورسمية وجماعية لحماية الأرض الخصبة.

  تتصاعد كلماته بالتدريج، فيروي: "حتى نضع إصبعنا على الجرح، ونتوقف  فعلاً عن تخريب مرج ابن عامر، لا بد من شق الطرق في المناطق الجبلية، وتقدي إغراءات وحوافز للمستثمرين لبناء شقق ذات توسع عمودي."

 يفيد أبو الرب: "صحيح أننا ندفع للمزارعين نحو 600 دولار لغرض استصلاح الأراضي الوعرة، لكننا لا نستطيع بمفردنا حماية الأرض الزراعية، والوقوف في وجه

 الفساد فيه، لأنها قضية أكبر من حجمنا."

 

محامية دفاع..

  تصّف آمنة دراغمة، التي تسمي نفسها "محامية الدفاع" عن مرج ابن عامر المسألة من منظور ثانٍ، فتستخدم يديها في الإشارة إلى حجم المشكلة: "تحوّل الحديث  المرج وما يتهدده من أخطار كفاكهة الموسم الذي لا ينقطع من مائدتنا، وفي كل يوم نتناول سبل حماية المرج، ونجري مقارنات بين السهول والجبال وطبيعة السكن في كل منطقة".

 في كل مرة كان يزور فيها مسؤول رفيع المدينة، تتطرق آمنة إلى القضية التي تشغل بالها، وتحاول ومجموعة من زميلاتها ورفاق عملها تشكيل "لوبي" بيئي يحاول قدر الإمكان الضغط على صناع القرار كي يستعيد المرج القليل من عافيته المسروقة.

  منذ ثلاث سنوات، كما تسجل ذاكرتها، ارتفع منسوب الاعتداءات على أراضي ابن عامر إلى  20 منزلا أو غابة إسمنت، وتقول: هذا يستوجب بذل المزيد من الجهود كتوجه البلدية والمسؤولين نحو تشريع قوانين لتشجيع التوجه في البناء لصالح المناطق الجبلية، كتوفير الخدمات وتقليل نسب الرسوم، وإيجاد طرق للتشجيع على السكن في المرتفعات.

  عمدت آمنة في وقت سابق إلى تنظيم لقاء تلفزيوني في محطة محلية، وبدأت تحاور مسؤولين عن سبب ِإطلاق اليد في الأرض الزراعية الخصبة، لكنها لم تسمع جوابا شافياً..

 تعزو سبب الاعتداءات الظالمة على البيئة والأرض الزراعية لغياب الوعي وقلة التنشئة التي تراعي الطبيعة وتصادقه

 تعود الحسرة لشغل حيز من وجه دراغمة، فتروي: " أذكر أنني سألت قبل استقالتي من العمل في سلطة جودة البيئة، وزير الزراعة في حينها  رفيق النتشة يوم زار جنين في مقر المحافظة المؤقت بحي الزهراء، عن الذي عملته الوزارة للتوقف عن تدمير مرج ابن عامر. فكان رده متحمساً وعنيفاً، وأنه لا يسمح بهذه الاعتداءات غير الموجودة، فمرج ابن عامر أرض زراعية خصبة، ولا يمكن تدميره بأي حال من الأحوال!"

 

المنطقة الصناعية: خطر إضافي

   ينهمك الناشط في لجان مواجهة جدار الفصل العنصري، محمد جرادات، في الحديث عن مرج ابن عامر، فيصف أراضيه بالمهمة جدا، لكونها ثروة وطنية عام بالرغم من أن أشخاصا بعينهم يمتلكون حيازاته الزراعيةً.

  يروي:"نعمل مع جمعيات زراعية أهلية ولجان محلية ومهتمين، لأجل الوقوف في مخططات تحويل أقسام كبيرة من مرج ابن عامر لمنطقة صناعية كبير بمساح ألف دونم، وتحديداً بمحاذاة منطقة مقيبلة، ونسعى إلى عقد ورش عمل في الميدان ببلدة الجلمة، للبحث في طرق الوقوف في وجه تدمير المرج، الذي صادر جدار الفصل العنصري مساحات كبيره مما تبقى منه."

  يتابع، وقد بدت عليه علامات الاندهاش من الإهمال الإعلامي لقضية المنطقة الصناعية: "نتحدث عن الموضوع بصراحة، لأننا نرفض أن يحولوا ما بقي لنا من أرض لمناطق صناعية، يستفيد منها  أولاً وأخيراً رجال أعمال كبار في البلد، وبعض المسؤولين المتنفذين."

  على أرض الواقع، يقر بعض المزارعين من بلدة الجلمة بأنهم باعوا مساحات من أرضهم لصالح إقامة منطقة صناعية قرب المعبر، إضافة للمنطقة الصناعي التي تدعمها الحكومة الألمانية.

  يفيد م.أ(الاسم محفوظ لدينا) إنه تلقى تهديدات مباشرة بالتعرض لشخصه من قبل مستثمرين، طالبوه بالتوقف عن طرح القضية، والكف عن الإشارة إلى الشركة  التي اشترت أراضي زراعية في مرج ابن عامر."

 

 

فساد متعدد

   يبدو المهندس الزراعي الشاب أيهم أبو بكر، المهتم بقضايا البيئة، والموظف في جمعية الإغاثة الزراعية، على درجة كبيرة من القلق:" صحيح أن هناك فساداً في مرج ابن عامر، وتدميره؛ وهو لا يقتصر على البناء في الأرض الخصبة، وشق الشوارع، ومد شبكات الكهرباء فيه؛ فهناك ممارسات بيئية خطيرة، يقوم بها مزارعون أيضاً."

 يفصل بحرارة: سبق لي أن سجلت أن بعض المزارعين يقومون بري مزروعاتهم بمياه المجاري العادمة، وقد نشرت  رسالة إلى المسؤولين في جريدة الحياة الجديدة، وكتبت إلى  محافظ جنين قدوره موسى، وأوقفنا القضية، وأتلفنا عشرات الدونمات قبل أشهر قليلة."

 من حديث المهندس الزراعي أبو بكر، غير الرسمي، يتضح أن التعليقات الجانبية التي سمعها من زملاء، حاولوا ثنيه عن المتابعة، فكانوا يقولون له بالحر الواحد" سيبك من هذه القضية، بكرة بتنطخ بإجرك (يطلقون النار على رجلك).."

  يوالي أبو بكر: "حاولت ومجموعة من الزملاء المهتمين بالبيئة، أن نوقف تدمير الأراضي الزراعية، عبر تشكيل "لوبي" ضاغط على أصحاب صنع القرار، لوقف هذه الفساد في مرج ابن عامر، إلا أن جهودنا منيت بالفشل الذريع، لأسباب كثيرة، منها الوضع العام، وحال القانون، وأولويات المواطنين الذين لا يجدون في هذه القضية أهمية كبيرة."

 

 

معادلة مقلوبة..

  على هامش لقاء نظمه محافظ جنين قدروة موسى للصحافيين،  نهاية شهر آب الماضي، كان عنوانه الرئيس، تحسس هموم المواطنين، والاهتمام بالقضايا الأخرى غي السياسة وأخبار الاحتلالان الإسرائيلي، تسأل السيد المحافظ عن رأيه في قضايا الفساد في  إدارة أراضي مرج ابن عامر وتدميرها، فيأتي الرد العفوي: "نحن مع الزراعة الحديثة وخصوصاً البيوت البلاستيكية، وليس مع الزراعة المتخلفة."

 يوضّح بمثال: "إذا كنا نتحدث عن قطعة أرض صغيرة، يؤجرها صاحبها بعشرين ديناراً في السنة، فأنا ضد استمرارها لأنها غير مجدية. أما إذا تحدثنا عن بيوت بلاستيكية مدرة للدخل فنحن مع هذا التوجه، وفكرنا في إنشاء برك زراعية لتجميع المياه لمساعدة المزارعين.

 يتابع:" معادلة الزراعة في محافظة جنين غير صحيحة، فهي تستنزف الماء، وتستغل النساء في العمل، ولا تنتج ما يكفي من مال."

 يواصل حديثه: "المناطق الصناعية المقترحة في المرج، ستوفر فرصة لأربعة آلاف عامل من المحافظة".

 

مرج ابن عامر يُعطل التراخيص!

   بنبرة حادة ومرتفعة، يشرع المهندس عدنان ربيع، سكرتير اللجنة المركزية للتنظيم والبناء المنبثقة عن وزارة الحكم المحلي، في الحديث عن قضية مرج ابن عامر والأراضي الزراعية.

    يروي:" لقد عطلت مشكلة المرج الكثير من الملفات التي يتقدم أصحابها لغرض الحصول على ترخيص بناء، فنحن نرفض منحهم رخص بناء، لكنهم يذهبون للبناء دون رخصة."

  ينتقل ربيع إلى قانون الزراعة بإسهاب فيصف: "هناك مشكلة في قانون الزراعة الفلسطيني، الذي قيد استخدام الأراضي الزراعية في مجالات البناء؛ لكونه و شرطاً عاماً يمنع من لا يملك أكثر من خمسة دونمات  زراعية البناء فيها".

 يتابع: "واجهتنا هذه المشكلة خلال عملنا، بسبب أن القانون لم يضع تصنيفات محددة تُفرق بين الأراضي الخصبة، والأراضي الوعرة، وقد اتخذنا قراراً في اللج المركزية للتنظيم والبناء قراراً في 15 -8-2007، يطالب بحل مشكلة المادة رقم (11) من قانون الزراعة لسنة 2003، التي تعطل عملنا، وسبق لنا أن خاطبنا الجهات العليا بتواريخ(4-2-2007، و8-7-2006، و14-11-2006) لأجل حل مشكلة تعريف الأراضي الزراعية، غير أننا لم نلق جواباً، وما زالت المشكلة قائمة، فنحن لا نفرق ين الأراضي الخصبة والأراضي غير الخصبة، مما يعني أن المواطن امتنع عن التوجه إلينا، وصار يبني دون ترخيص، لأننا لا نساعده.."

 يصف القانون الزراعي بأنه "دمار للمرج، وللأراضي الزراعية، وليس العكس".

 يوالي حديثه بصوت مرتفع:" في زمن عبد الله لحلوح، (رئيس بلدية جنين في بداية الثمانينيات)، بدأ الزحف على مرج ابن عامر، وتأسست ضاحية صباح الخير وانتشار العمران على يمين شارع حيفا، وفي شارع الناصرة، وعلى الشارع العسكري الذي يربط بينهما، وهذا يعني أن الاحتلال دمر مرج ابن عامر، وليس كما يدعي البعض." يستند إلى ملفات رسمية ومراسلات، حاولت حل المشكلة، ومنع تفاقمه.

 

مزارع: ليخرجوا من مكاتبهم ويشاهدوا التدمير.

 نعود لنتجول في أراضي المرج، نستكشفه ونلتقي مزارعين، نحاورهم، ونستمع لهمومهم الكبيرة، فكلهم يتخوفون من أن السنوات القادمة ستقلص لهم مساحة أرضهم، أو تلغيها نهائياً؛ فالبيوت تزحف في قلب المرج، والشوارع، والمجاري، والمنشآت التجارية، ولا أحد يحاول فعل شيء

 أما رأيهم بالمسؤولين والمخططين، فيلخصه المزارع الشاب زيدان محمد باقتضاب: "وصلوا رسالة لهؤلاء أن ينزلواعن كراسيهم، ويخرجوا من مكاتبهم ليشاهدو بعيونهم التدمير المتواصل في الأراضي الزراعية، وليتوقفوا عن الكلام الدبلوماسي الذي يتحدثون به".

 يتابع الحديث بحرقة: "المؤلم أن الاحتلال الإسرائيلي كان يمنع البناء في المرج بطريقة أو بأخرى، أما نحن فنخرب بيوتنا بأيدينا".

  يتذكر محمد "التبرير الأعرج"- كما يصفه- الذي سمعه من مسؤول سابق في وزارة الحكم المحلي، حينما دافع عن البناء في المرج بالقول:" أرادوا (أي الاحتلا الإسرائيلي) منعنا من البناء في أراضي مرج ابن عامر، كي يشاهدوا من يخرج ومن يدخل إلى المدينة من جبالهم المرتفعة، مثل النملة وهي تسير في منطقة مكشوفة لا بناء فيها!"

 نستأنف مرة أخرى رحلة البحث عن توصيف دقيق للأزمة والمسؤول عن صناعتها، والمخرج الذي يمكن أن يوقف النزيف في أراضي مرج بن عامر الخصبة. نصل مؤسسة اتحاد لجان العمل الزراعي، والمفارقة أنها تتخذ من أطراف المرج مقراً مستأجراً لها.

 

غياب

 يتفق منسق الاتحاد المهندس سعادة أبو شيخة، مع منتقدي قانون الزراعة، فيعزو السبب إلى غياب تطبيق القانون. يتحدث بكلام سريع: "في كل دول العالم هناك أبعاد بيئية متعارف عليها لأية مبانٍ سكنية أو صناعية أو زراعية، وبالطبع نحن لا نلتزم بها، فلا نقيًم أية آثار بيئية لما نقترح من مبان في الأرض الزراعية، ولا نخطط للمستقبل، وتمنح الجهات المختصة التراخيص لإقامة محطات وقود ومنشآت صناعية في أراض زراعية خصبة".

 ينتقل إلى نقطة أخرى: "الجزء الثاني من المشكلة، أن المواطن يشعر بغياب عنصر الردع من السلطة، في حال انتهاكه للقانون، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فبعد عشرين سنة كحد أقصى، لن نجد أرضاً زراعية في مرج ابن عامر، لأن العمران  ينشر فيها بشكل جنوني".

 

 

 يتوقف عن الحديث قليلاً ليرد على هاتفه، ثم ينظر إلى المرج من نافذة مكتبه، يُشخّص الواقع: "هناك جوانب أخرى مرتبطة بقضية الأراضي الزراعية؛ إذ اختفت ثقة المزارع بأرضه، وصار يتكبد خسائر باهظة، وأصبح هدفاً للتجار الوسطاء الذي يربحون منه خلال عمليات بيعه لمستلزمات الإنتاج الزراعي المرتفعة، وخلال عمليات شراء محصوله. ويجب ألا  ننسى دعم السلطة الضعيف جدا؛ إذ تحظى الزراعة بأقل من 1 في المئة من الموازنة العامة؛ ولولا المؤسسات الزراعية الأهلية التي تنشط في مجالات الاستصلاح والري والإرشاد ودعم سياسات التجارة العادلة(البيع المباشر من المنتج للمستهلك) وغيرها لتعقد وضع الأراضي الزراعية أكثر، ولانتشر فيها العمران على نحو أكبر وأسرع"

 يرد أبو شيخه على منتقدي سياسة استصلاح الأراضي الجبلية، بعبارة" هنالك دور وطني وتنموي، فنحن نشجع التنمية وندعم صمود المواطنين في المناطق المستهدفة.

 يقترح حلولاً للحفاظ على ما تبقى من مرج ابن عامر، فيقول: "علينا أن نعالج جذور المشكلة بالقانون، ونضاعف من مساحة المخطط الهيكلي عبر التوسع في الأراضي الجبلية، وندعم المزارعين ومنتجاتهم."

   نكرر البحث عن حل لقضايا المرج، فنصل هذه المرة مقر سلطة جودة البيئة في جنين، وحال هذا المقر ليس بأفضل من غيره، فهو أيضاً في أطراف المرج، ومن نوافذه يمكن مشاهدة حجم المشكلة على حقيقتها.

تدمير الأراضي مسألة وقت!

  يجلس مدير المكتب المهندس عبد المنعم شهاب، وأمامه ملصقات لنباتات برية في فلسطين، يروي بقلق يبدو على وجهه: "هناك أزمة كبيرة، وعشر سنوات أخرى ستكون كفيلة بالقضاء على مساحات كبيرة جداً من أراضينا الخصبة. القضية باتت مسألة وقت لتدمير الأراضي الخصبة".

  بين  بعض الصور المعلقة في المكتب، والتي ينمو بعضها في المرج، وبين الواقع مسافة كبيرة."هناك أزمة خطيرة" هكذا يوجز شهاب.

   من حديثه نكتشف مدى تركيزه على تطبيق القانون وتفعيله؛ فهو يقدم مفارقة تحدثت في بلادنا، تتمثل في أننا نخالف الطبيعة، فالمواطن أحياناً يحاسب المسؤول، والمسؤول لا يجرؤ على تطبيق القانون، والفوضى هي الحال السائد.

 يروي: " القانون الملزم كفيل بمفرده أن يحمي المرج، وذلك عبر تصنيف جديد ومنطقي يفرق بين الأراضي الخصبة والأراضي غير الخصبة. وهذا ما حاولت وزارة التخطيط فعله في مرحلة سابقة."

  يسترجع شهاب طفولته الجميلة: " كنا نشاهد البيارات، والمزارع في داخل السوق، لكننا اليوم نخرب المرج بأيدينا.

  يشير بقلق بالغ: "سمعنا مؤخراً عن مقترح لنقل مناشير الحجر من منطقة قباطية إلى داخل الأراضي الزراعية في المرج، وإذا ما صار هذا الاقتراح واقعا فسندمر المرج بسرعة".

 

اعتداءات بالجمل

   يعدد المهندس الزراعي حسن أبو الرب، أنواع الاعتداءات التي تنتشر ضد مرج ابن عامر وفيه، يستخدم ورقة وقلمًا في التوضيح: "ليس الزحف العمراني وحده فهناك آبار المياه الجوفية المنتشرة في المرج، والطرق الواسعة، والمخططات لتأسيس مناطق صناعية لمستثمرين كبار، وممارسات خاطئة من المزارعين، الذي يفرطون في استخدام المبيدات الكيماوية السامة والمسرطنة بلا رقيب، ويسقون المزروعات من المياه العادمة".

 يتابع بقلق: "لدينا نمو سكاني طبيعي، وهذا يقتضي أن نتوسع عمرانيا، ولكن بخطة علمية مدروسة وليس بعشوائية تهدد في كل سنة المزيد من أخصب الأراضي ليس في مرج ابن عامر فقط، وإنما في معظم الأراضي الزراعية الخصبة في جنين وغيرها من المدن".

 من حديثه نكتشف عمق الأزمة التي يعانيها المرج، فهناك شوارع عريضة وشبكات كهرباء ومياه تخترق المرج، وتفتح الباب أمام المزيد من التخريب، فضلا عن خط بدأت بالظهور لإطلاق مدينة صناعية كبيرة فوق الأراضي الخصبة بمحاذاة  بلدة المقيبلة داخل الأراضي المحتلة عام1948 ، وجرت إغراءات لعشرات المزارعين الذي باعوا أرضهم بالفعل لغرض إقامة مدينة صناعية.

البلدية لا تحرم المخالفين من خدماتها!!

  يقدم حلاً واقعياً: "إذا أردنا حل المشكلة، فعلى بلدية جنين بالتحديد أن تحرم من يخالف القانون من خدماتها؛ فلا تشق الطرق، ولا تربط البيوت غير القانونية في عمق المرج بالكهرباء والماء وسائر الخدمات كالاتصالات والصرف الصحي والنفايات. لكن الواقع غير ذلك، فهناك الكثير من الشواهد التي تشير إلى العكس تماماً وعلينا توعية المواطنين بمخاطر البناء في  الأراضي الخصبة، سواء من الناحية التنموية والبيئية والمادية، إضافة لدعم فكرة التوسع العمراني العمودي وليس الأفقي".

  في مكان آخر من المدينة، يعيد محيط مقر وزارة الزراعة الذي تغطيه الأشجار وتطوقه أراض زراعية خصبة، الأزمة إلى بداياتها.

 

المادة (11) أساس المشكلة

  يعتقد المهندس رائد خليل، مدير وزارة الزراعة في المحافظة، أن المادة (11) من قانون الزراعة رقم(2) لسنة2003، والتي تنص على:" الأراضي الزراعية التي تبلغ مساحتها(5) آلاف متر مربع، يجوز لصاحبها إقامة بناء وحيد بقصد خدمة الإنتاج الزراعي، على مساحة لا تزيد على (180) مترا مربعاً، ومن طابقين"، تحمل بعدين مزدوجين؛ فهي من جهة تحمي الأراضي الزراعية، ومن جهة ثانية  لا تفرق بين أرض خصبة وأرض غير خصبة.  يمسك خليل بيده نسخة من القانون، ويروي بلهجة حادة: "وزارة الحكم المحلي وبلدية جنين، هما المسؤولتان المباشرتان عن إصدار التراخيص داخل المدينة وخارجهاإضافة لبعض المؤسسات؛ فعلى الحكم المحلي تحرير مخالفات للمواطنين الخارجين على القانون، وعلى البلدية التوسع في المناطق الجبلية. كما أن المزارعين أنفسهم شركاء في الموضوع، فهم يبيعون أرضهم لمستثمرين".

 يتابع استنادا لوثائق وإحصاءات رسمية "في محافظة جنين كلها، هناك 140 ألف دونم أراض صالحة للزراعة، وإذا ما استمر الوضع الحالي، فسنخسر الكثير من الأراضي السهلية".

 يشبه نائب مدير الزراعة، منذر صلاح، القانون بعملة ذات وجهين، فهو أخطأ في عدم تصنيف الأراضي الزراعية، وتسبب في إحداث تشتت عمراني فيها

 يستخدم الورقة والقلم في الإشارة إلى الأزمة:" القانون الحالي، يشير لبناء 180 متر مربع لخدمة الإنتاج الزراعي، وهذا غير منطقي، لأن بيتاً من طابقين وبهذه المساحة، هو "فيلا" بحد ذاتها، ولا يحتاج المزارعون إلا  لغرفة أو غرفتين من الصفيح أو الأسبست لخدمة مزارعهم ولراحتهم".

 يتابع بقلق: "وجه الأزمة الأخرى، أن البلديات توصل الخدمات للمباني في أي مكان، بغض النظر عن قانونيتها، وتشق لها الشوارع. كما أن المنطقة الصناعية الحدودية تتسبب بخطر إضافي وكبير، وستنهي موضوع مرج ابن عامر، الذي يعاني فساداً في إدارة مساحاته الخصبة، ولن يحل ذلك سوى قانون واقعي يصنف الأراضي ويحصر استخدام الخصب منها لغرض الزراعة فقط".

 

المرج ليس أولوية!!

   تُقدم اليافطة البيضاء والكلمات ذات اللون الأسود تعريفاً بجمعية مزارعي محافظة جنين، التي تتخذ من"حي البساتين" في المدينة مقراً لها.

  يبدأ نائب رئيس الجمعية، سعيد الخطيب، بوجهه المرح حديثاً صريحاً: " صحيح هناك مشكلة في المرج بسبب الاحتلال والتوسع العمراني والمواطنين والمسؤولين لكنن لم نعمل أي شيء؛ لأن الموضوع ليس أولوية بالنسبة لنا"

  يعزو الخطيب السبب لشح الإمكانات، ولغياب الوعي، وللأولويات المختلفة التي تعمل الجمعية على تحقيقها..

  يًقدم المهندس في جمعية التنمية الزراعية عمر الدمج ما يشبه "كشف حساب" بالجهات المسؤولة عن تدمير المرج: "السلطة التي لا تفرض القانون الذي يحم الأرض الزراعية، والمحافظة والبلديات التي لا تراعي  الأرض في المخطط الهيكلي وتحول المرج إلى منطقة كلها مجاِرِ ومساكن، والمزارعون باستخدامهم للمواد السامة في الزراعة ولري بعضم المزروعات بمياه المجاري العادمة، ولإقدامهم على بيع أراضيهم لمستثمرين، والمستثمرون الذين يتوسعون في السهول ويهربون من الجبال".

 

صفقة وراء تدمير الأراضي...

 يعيد الدمج عجلة التاريخ إلى الوراء فيتذكر الزيارة الأولى للرئيس الراحل ياسر عرفات لمحافظة جنين العام 1995، يوم اجتمع في قاعة البلدية بشخصيات عام وطالبها بضرورة إبعاد المنطقة الصناعية عن الأراضي الزراعية، فتحجج المستثمرون بعدم توافر الكهرباء والماء والطرق في الجبال.

 يستأنف حديثه: "كانت هناك صفقة في زمن بلدية جنين أيام عبد الله لحلوح، بينه وبين المستثمرين الذين طلبوا منه إدخال أرضهم في المخطط الهيكلي، مقابل حصوله شخصياً على قطع أرض منهم"

 يعود للماضي مجدداً فيتذكر أيام طفولته، يوم كان قلب المدينة مزروعاً بالأشجار والبساتين، وكانت المياه تمشي في ينابيع جنين.";

 يوضح:" ليس للاحتلال أية علاقة بتدمير المرج بعد عام 1993، لأن السلطة الفلسطينية أصبحت المسؤولة عن البناء والتراخيص منذ ذلك التاريخ."

 يرى المزارع علي عادل، أن الفساد في المرج لا يمكن حله إلا بدعم الزراعة وتطويرها وحمايتها، وتطبيق  القانون الذي يصون الأرض، لأن جنين لا تنتج النفط، ول تصنع السيارات بل الخضروات.

   نقفل ملفنا، وعيننا على المرج، ونتذكر مقولة المزارع السبعيني أبو عادل " نحن نخرب بيوتنا بأيدينا."، فيما العبارة التي خطها أحد المزارعين على صهريج الماء الخاص به، والمقتبسة من مثل أجنبي:( الأرض لم نرثها من أجدادنا، وإنما نوفرها لأطفالنا) ترفض الرحيل من ذاكرتنا.

 

للأعلىé

 
     

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.