خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يضع أهالي سبسطية، شمال غرب نابلس، أيديهم على قلوبهم عقب قرار جيش الاحتلال الإسرائيلي تحويل قرابة ثلث بلدتهم إلى موقع تراثي، ما يعني أنهم سيواجهون استعمارًا من بوابة المزاعم التراثية هذه المرة، وذلك مقدمةً لنزع ملكيتهم عن أرضهم، قد تنتهي بحرمانهم من الوصول إلى حقول الزيتون المعمرة، وخنق البلدة. تواكب "آفاق البيئة والتنمية" الشكل الاستعماري الجديد، الذي بدأ يتمدد على حساب الأراضي الفلسطينية، ما يعني حقاً ضمها إلى دولة الاحتلال، وخلق واقع جديد وثقيل على أهلها.
|
 |
| بلدة سبسطية التاريخية الوادعة |
يضع أهالي سبسطية، شمال غرب نابلس، أيديهم على قلوبهم عقب قرار جيش الاحتلال الإسرائيلي تحويل قرابة ثلث بلدتهم إلى موقع تراثي، ما يعني أنهم سيواجهون استعمارًا من بوابة "المزاعم التراثية" هذه المرة، وذلك مقدمةً لنزع ملكيتهم عن أرضهم، قد تنتهي بحرمانهم من الوصول إلى حقول الزيتون المعمرة، وخنق البلدة.
تواكب "آفاق البيئة والتنمية" الشكل الاستعماري الجديد، الذي بدأ يتمدد على حساب الأراضي الفلسطينية، ما يعني ضمها حقًا إلى دولة الاحتلال، وخلق واقع جديد وثقيل على أهلها.
مزاعم للضم
يشبّه الناشط الشبابي وابن البلدة، أيهم أبو بكر القرار الإسرائيلي، الذي كشف جيش الاحتلال عنه في 5 آب الماضي بـ"الحلقة التالية" في مخطط استعماري يستهدف سبسطية منذ بدء الاحتلال، لكنه اليوم يدخلها بذرائع جديدة بعيدة عن "التبرير العسكري" أو "الحجج الأمنية" أو "الاستعمار الرعوي" أو مزاعم الحرص على "المحميات الطبيعية".
ويشير إلى أن الاحتلال استخدم في أمره الاستعماري تسمية "خربة العقيل" وهي المرة الأولى التي يسمع بها الأهالي الذين يتداولون مصطلح "الخربة"، ما يكشف عن نوايا الاحتلال بفرض أمر واقع صعب في البلدة.
ويؤكد الناشط أبو بكر أن الأراضي المهددة تقع في المنطقة المسماة (ج)، وسبقتها قرارات وإجراءات احتلالية استهدفت البلدة التاريخية.
وينقل لنا صدى الإعلان الاستعماري على أهالي سبسطية، الذين يخشون من فرض أمر واقع صعب جدًا عليهم، دون أن يكون بمقدورهم فعل شيء لمجابهة مخططات الاحتلال، باستثناء بعض الخطوات "الرمزية" مثل مخاطبة منظمة "اليونسكو" للتدخل، والطلب من الجهات الرسمية المتابعة القانونية لإحباط المخطط، وسط غياب ردود فعل ميدانية.
ووفق أبو بكر، فإن ما يجري في بلدته غير معزول عما يحدث في الضفة الغربية، التي تعيش على وقع ضم ومصادرات ونهب وطرد للمواطنين، ومنع للرعاة والمزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
ويقول إن المنطقة الغربية من البلدة تشكل نحو نصف مساحتها، يملكها آلاف المواطنين في منطقة الخلة، وها قد أصبحت بجرّة قلم مهددة، وهو ما تكرر في مواقع أخرى في الضفة الغربية.
 |
 |
| قرابة ثلث بلدة سبسطية قرر جيش الاحتلال تحويلها إلى موقع تراثي |
قرار جيش الاحتلال تحويل قرابة ثلث بلدة سبسطية إلى موقع تراثي |
حديقة استعمارية
من جهته يفيد محمد عازم رئيس بلدية سبسطية، في حديثه مع مراسل "آفاق" أن المواطنين تفاجأوا بإلصاق "قرار احتلالي" على أعمدة رومانية تاريخية فيها، يحول بمقتضاه مساحات شاسعة من أراضي البلدة إلى "موقع أثري إسرائيلي"، كما سلموا الأمر للمزارع محمد شهاب، وطلبوا منه تسليمه للمجلس البلدي.
ويؤكد أن قرار الاحتلال أُرفق بخريطة للموقع المستهدف، تضمنت ما يُسمى "خط ترسيم" يهدد 1775 دونمًا، هي ثلث مساحة البلدة، ويتبع لعائلاتها.
ويوضح أن البلدة ممتدة على 5200 دونم، فيما تصل مساحة المخطط الهيكلي منها إلى 2400 دونم، إضافة إلى 300 دونم أخرى يعمل المجلس على هيكلتها، وتتميز أراضي البلدة بتسويتها الأردنية منذ عام 1956، ما يعني عمليًا أن المواطنين يملكون وثائق ملكية رسمية لأرضهم، التي صنفها الاحتلال لاحقًا مناطق (ج).

قرار جيش الاحتلال مصادرة قرابة ثلث بلدة سبسطية
ولا يفصل عازم ما يجري في بلدته عما يُسمى مشروع "حديقة السامرة" الاستعماري، ويراه تهديدًا فعليًا لسبسطية التاريخية، وحرمانًا للأهالي من التمتع بأملاكهم، وخرقًا لاتفاقية جنيف الرابعة واتفاقات حماية التراث الثقافي، خاصة لاهاي 1954 و"اليونسكو" 1972.
ويقول رئيس البلدية إن الأراضي المهددة مزروعة بالزيتون المعمر منذ مئات السنين، والذي يشكل مصدرًا اقتصاديًا هامًا للمواطنين.
وحسب عازم فإن مناطق "البرج" وشارع الأعمدة التاريخي، والامتداد الغربي للبلدة أصبحت في دائرة الاستهداف المباشر.
وبشأن موقف المجلس المحلي، فقد سارع إلى مخاطبة "اليونسكو"، وطلب منها التدخل وإصدار قرار ملزم يمنع الاحتلال من تمرير مخططاته، إضافة إلى التواصل مع الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوقية إسرائيلية لاطلاعهم على ما يجري، وسبل إحباطه، كما يقول.
ويشدد على أن الظروف الراهنة لا تسمح بتنظيم حراك ميداني لرفض القرار، بالنظر إلى ما يُرتكب من فظائع في غزة، ومن جهة ثانية، صدرت تعليمات من الاحتلال بالقتل المباشر وبدم بارد.
ولا يعوّل عازم على قدرة "اليونسكو" اتخاذ خطوات جادة لتغيير قرار الاحتلال، خاصة أن المنظمة الدولية اكتفت بإصدار بيان ضعيف في إثر قرار سابق للاحتلال بمصادرة 1300 متر من الموقع الأثري.
وينقل رئيس المجلس حالة الترقب التي يعيشها الأهالي من طريقة ترجمة قرار الاحتلال، إذ يخشون من خطوات تمنعهم من فلاحة أرضهم أو مجرد الوصول إليها أو قطف ثمارها.
ويفنّد مخطط الاحتلال، ويطرح أسئلة عن المعايير الإسرائيلية المزعومة في تحويل الأرضي كلها إلى منطقة أثرية، بالرغم من أن مساحة الآثار محدودة، ولم يجرِ الاحتلال تنقيبات فيها منذ سنوات طويلة، ولم يتخذ قرارًا مماثلًا بعد النكسة، ما يعني أنها "مجرد ذرائع وقرارات سياسية استعمارية لا سند لها" تبعاً لرأيه.
ويشير عازم إلى أن عميت هاليفي عضو "الكنيست" عن "الليكود" قدم في تموز2024، مشروع قانون حافل بالمزاعم التاريخية "لضم الآثار في الضفة إلى سلطة الآثار الإسرائيلية"، وأُحيل المشروع إلى ما تُعرف بــ "لجنة التعليم والثقافة".

الآثار الرومانية في بلدة سبسطية الفلسطينية
عودة إلى التاريخ
بدوره، يصف ضرغام الفارس مدير وزارة السياحة والآثار في نابلس، إعلان الاحتلال بـ" مخطط هو الأخطر في المنطقة"، ما يعني أن المنطقة المستهدفة "ستتبع مباشرة لقوانين الاحتلال المباشرة، وسيعيق ذلك وصول المواطنين إلى أملاكهم وحقولهم، في خطوة تشبه "الضم الفعلي، وهو ما ينطبق أيضًا على محطة قطار المسعودية المجاورة، التي عدّها الاحتلال موقعًا أثريًا إسرائيليًا".
ويعود إلى تاريخ البلدة، الواقعة على بعد 12 كيلومترًا إلى الشمال الغربي من نابلس، عند تقاطع طريق السهل الساحلي مع الطريق الشمالي الذي يربط نابلس وجنين والطريق المؤدي إلى وادي الأردن.
فالبلدة تتمتع بإطلالة جميلة ومشهد خلاب تظهر فيه الأراضي الزراعية الخصبة، فيما تشير التقاليد المسيحية والإسلامية إلى وجود قبر يُوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) في البلدة، وأظهرت التنقيبات العديدة التي نُفِّذت في الموقع منذ مطلع القرن العشرين أن أقدم الدلائل الأثرية تعود للعصر البرونزي المبكر (3200 ق.م.).
ويقول الفارس إنه كُشف عن قسم من معالم سبسطية، مدينة العصر الحديدي الثاني التي تعود للقرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، والتي بناها الملك عمري الكنعاني واتخذها عاصمة لمملكته الكنعانية متعددة الآلهة (وثنية)، التي ذُكرت في لوحة الملك ميشع المؤابي باسم "مملكة يسرأل"، وقد اشتملت العليا منها "الأكروبوليس"، وكُشف كذلك عن الأسوار المحيطة بالموقع، وتحوي المنطقة المسورة ساحة مركزية وقصرًا عُثر فيه على زخارف عاجية منحوتة.
ويغوص في تاريخ المكان، الذي وقع عام 722 ق.م. تحت سيطرة الآشوريين، ثم البابليين عام 612 ق.م، ثم الحكم الفارسي بين عامي ( 538 - 332 ق.م).
استمرت سبسطية بدورها الإداري في الفترة الهلنستية بين عامي ( 332 – 63 ق.م)، بعد خضوعها للإسكندر الأكبر، حيث أقيمت تحصينات ضخمة حول المدينة العليا "الأكروبوليس"، وأحيطت بأبراج دائرية.
ويواصل حديثًا بنكهة التاريخ لـ"آفاق البيئة والتنمية": "خضعت سبسطية للحكم الروماني من عام 63 ق.م. وحتى 324 م، وفي عام 30 ق.م، تَوَّج الرومان هيرود ملكًا على سبسطية بصفته ملكًا تابعًا لروما، وهو الذي أطلق على المدينة الاسم الإغريقي "سِبَستي" (وتعني المبجّلة) عام 27 ق.م؛ كان ذلك تكريمًا للإمبراطور أغسطس (المبجل)".
وفي عام 135 م، دمج الرومان فلسطين وسوريا في مقاطعة تحت اسم (سيريا بلستينا Syria Palaestina). في عام 200 م، منح الإمبراطور سبتيموس سيفيروس سبسطية مكانة إدارية "كولونيا".
وفي الفترة الرومانية، شهدت المدينة تنفيذًا لمشروع بنائي ضخم، شمل سورها والبوابة الغربية وشارع الأعمدة بطول 800 متر، إضافة إلى الساحة العامة (السوق)، والبازيليكا، والمسرح، ومعبد أغسطس، ومعبد كوري، والملعب، والقناة المائية، والمقابر.
ويفيد الفارس أنه بعد الفتوحات الإسلامية، عُرّب وأُنّث اسم البلدة من (سِبَستي) إلى (سبسطية)، وفي الفترة بين( 1099 - 1187 م)، أنشئت كاتدرائية ضخمة فوق أنقاض الكنيسة البيزنطية التي كانت مُقامة فوق ضريح يوحنا المعمدان. ثم حوِّل قسم منها إلى مسجد في الفترة الأيوبية بين ( 1187 - 1260 م)، وعُرف باسم "مسجد النبي يحيى عليه السلام"، وفي عام 1892م، بُني مسجد عثماني على القسم الشرقي من الكاتدرائية، الذي يُعرف أيضًا باسم مسجد النبي يحيى، وما زال قائمًا وتُقام فيه الصلوات.
ويؤكد مدير وزارة السياحة والآثار أن الاحتلال يسعى إلى سرقة تاريخ فلسطين والقرصنة على الهوية الثقافية لشعبها، والاستيلاء على الأرض وتفريغها من سكانها الأصليين، ومحاولة إضفاء نوع من الشرعية الدينية والتاريخية على احتلاله بتوظيف الخرافات والأساطير والروايات الدينية.
ويبين الفارس أن الاحتلال يستخدم الآثار وسيلة لإضفاء الشرعية الدينية والتاريخية، وتفسيرُ الشواهد الأثرية بما يتفق مع النصوص التوراتية بدأ منذ القرن التاسع عشر الميلادي.
وعبر عن قلقه بقوله: "في العامين الماضيين تسارعت إجراءات الاحتلال للتهويد والضم تجاه سبسطية خاصة والضفة الغربية عامة".
ويتوقف عند ما قدمه "عميت هاليفي" عضو الكنيست في 10 تموز 2024، حول مشروع قانون ضم الآثار في الضفة الغربية إلى سلطة الآثار الخاصة بالاحتلال، كما أعلن في 24 تموز 2024 الاستيلاء على 1300 متر مربع في سبسطية لإقامة ثكنة عسكرية في الموقع الأثري، وهي تلة مرتفعة تقع إلى الشرق مباشرة من قصر عمري، ومعبد أغسطس، وتشرف على الموقع المناطق المحيطة.
وعلى نحو متكرر، منع الاحتلال موظفي وزارة السياحة والآثار من تنظيف أو ترميم الجزء المصنف (ج) من الموقع الأثري في سبسطية، وأحيانًا منع "التنقيب الإنفاذي" في مناطق (ب)، فضلاً عن حجز الموظفين لساعات والتحقيق معهم، حسب حديث الفارس.

امير داوود مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان
1444 دونمًا مستهدفًا
بالانتقال إلى أمير داوود، مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يؤكد أن الأمر الاحتلالي في سبسطية يشمل 1444 دونمًا، ولا يُصنف أنه نزع مباشر للملكية، لكنه يحد من استخدامات المواطنين لأراضيهم، ويغير من طبيعة أراضيهم.
ويربط ما يجري في البلدة من مخططات بالحدائق التوراتية، وهي غير معزولة عن قرار الاحتلال في 7 أيار 2023 تخصيص 32 مليون شيكل لتطوير الموقع الأثري في سبسطية في المناطق المصنفة (ج) وفصله عن بقية البلدة.
ويلفت إلى مشروع قانون إسرائيلي يغير من صلاحيات ما تسمى "سلطة الآثار" في الضفة الغربية، التي تعد إحدى وحدات جيش الاحتلال، ويطلق يدها للعمل فيها.
وحسب حديث داوود، فإن حكومة الاحتلال أضافت إلى مشروع القانون إشارة إلى وجود أكثر من 3 آلاف موقع أثرى في الضفة الغربية منها 2400 في المناطق المسماة (ج).
هذا، ويزعم الاحتلال وجود اعتداءات ممنهجة من السلطة الفلسطينية على هذه المواقع وإهمالها وتخريبها، وفق كلامه، مبيناً أن "المعركة" على الآثار مفتوحة في "اليونسكو"، التي شنت دولة الاحتلال حربًا عليها.
نسأل داوود: "ماذا بيد الفلسطينيين في هذه الحالة؟" فيجيب: "علينا استصلاح المواقع الأثرية حتى لو أعاد الاحتلال تدميرها، والمضي في العمل على ساحة "اليونسكو" التي تثبت المواقع، وتقديم أدلة "أدبية قانونية" بغض النظر عن موقف الاحتلال منها".
ومجدداً، يحذر من أن ما جرى في سبسطية يمهد لضمها، وهو ما تكرر في محافظة سلفيت ومواقع أخرى، إذ وضع المستعمرون لافتات في مواقع أثرية، وكتبوا عبارات لمنع المواطنين من دخولها.
ويتوقع داوود أن تشهد محافظات الضفة الغربية هجمات مماثلة على المواقع الأثرية، وأن يقدم الاحتلال ذرائع مماثلة؛ "لكن النتيجة واحدة".

امين ابو بكر أستاذ التاريخ في جامعة النجاح
تاريخ وعربدة
بدوره، يرى أمين أبو بكر، أستاذ التاريخ في جامعة النجاح الوطنية، أن الاحتلال يزيّف الحقائق التاريخية الخاصة بسبسطية ومحطة قطار المسعودية القريبة منها.
ويشير إلى أن المحطة كانت أساسًا ملكًا خاصًا لعائلة المسعود، واشتراها الخط الحديدي الحجازي برئاسة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وأصبحت وقفية لكل المسلمين الذين جُمعت منهم الأموال لتسديد ثمنها، ومع ذلك يرصد الاحتلال الآن 2 مليون شيقل لترميمها.
ويشدد أبو بكر على أن "البعد الأبرز في نهب أراضي سبسطية يدخل من بوابة المزاعم التراثية والعربدة، ويتعارض مع وجود أملاك خاصة للمواطنين الفلسطينيين، ويتبع جزء منها للعائلة الهاشمية في الأردن".