كارثة صامتة في خيام غزة.. حرارة وحشرات وأوبئة تطرق الأبواب
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في قطاع غزة المتعب، تحوّلت الحشرات والقوارض والحر الشديد إلى تهديدات وجودية، لا تقل فتكًا عن القصف؛ لتحكي عن مأساة إنسانية مستمرة لم تُواجه بعد بما تستحقه من استجابة دولية عاجلة. في ظل الانهيار الشامل للبنية التحتية، ونقص الخدمات الأساسية، يعيش الغزيون في خيام أو بين أنقاض البيوت وفي مراكز إيواء محاصرة بالآفات، وسط درجات حرارة يُقال إنها غير مسبوقة. تنقلت مراسلتنا بين خيام النازحين، واستمعت إلى شهادات مؤلمة أنهكها ليل النزوح والحرّ وسوء الظروف، كما تحدّثت إلى مسؤولين محليين، للوقوف على حجم المخاطر، وأسباب غياب التدخلات الكافية، والمقترحات الممكنة للحد من الكارثة المتفاقمة.
|
 |
| النمل يغزو خيام الغزيين - آفاق |
في قطاع غزة المتعب، تحوّلت الحشرات والقوارض والحر الشديد إلى تهديدات وجودية، لا تقل فتكًا عن القصف؛ لتحكي عن مأساة إنسانية مستمرة لم تُواجه بعد بما تستحقه من استجابة دولية عاجلة.
في ظل الانهيار الشامل للبنية التحتية، ونقص الخدمات الأساسية، يعيش الغزيون في خيام أو بين أنقاض البيوت وفي مراكز إيواء محاصرة بالآفات، وسط درجات حرارة يُقال إنها غير مسبوقة.
تنقلت مراسلتنا بين خيام النازحين، واستمعت إلى شهادات مؤلمة أنهكها ليل النزوح والحرّ وسوء الظروف، كما تحدّثت إلى مسؤولين محليين، للوقوف على حجم المخاطر، وأسباب غياب التدخلات الكافية، والمقترحات الممكنة للحد من الكارثة المتفاقمة.
على أرضٍ رملية تحرقها الشمس في شارع البركة بمدينة دير البلح وسط القطاع تنصب السيدة نزهة عوض (35 عامًا) خيمتها، وتحاول أن تحمي أطفالها الثلاثة من كارثة يومية تُحاصرهم من كل اتجاه، لكن الواقع أشد قسوة من القدرة البشرية على الاحتمال.
بصوتٍ يخنقه التعب تشرح نزهة لمراسلتنا معاناة عائلتها منذ أن اضطروا للنزوح من حيّ التفاح شرقي مدينة غزة في مارس/ آذار 2024، قائلةً: "نعيش وسط بيئة موبوءة لا تصلح للعيش الآدمي تختلط فيها الحشرات والبعوض والقوارض، وأنواع غريبة من الحشرات لم نرها من قبل".
كما تحاصر الخيام برك المياه الراكدة، وروائح الصرف الصحي المكشوف، والنفايات، وسط انعدام مقومات النظافة العامة.

برك المياه الراكدة تحاصر الخيام
لم تستطع نزهة النهوض من الفراش لأسبوع كامل، بسبب لسعة حشرة يسمونها (أبو مقص)، سبّبت لها تورمًا في صدرها، وآلامًا لا تحتمل في جسدها كله، خاصة مع هذا الحر الخانق الذي يزيد كل شيء سوءًا.
وبعدما اشتد عليها الألم، لم يكن أمامها خيار سوى مراجعة الطبيب، للحصول على مراهم مضادة للالتهابات. لكن المعاناة لا تقف عندها وحدها، فأطفالها الصغار يعانون من التهابات جلدية وحساسية تنتشر في أجسادهم الغضة، نتيجة قرصات البعوض وارتفاع حرارة الجو.
وحساسية الحر عبارة عن مرض جلدي يتمثل في ظهور بثور حمراء على سطح الجلد، يُسبب حكة شديدة.
وفي لحظة مرعبة لا تُنسى فوجئت نزهة، بثعبان يزيد طوله على متر ونصف، يخرج من تحت وسادة طفلها أثناء نومه، تقول بلهفة: "لولا لطف الله واستجابة أهل المخيم لصراخنا، لقتله".
العدو الخفي..
يغيب النور في ليل النازحين وتزداد المعاناة، فلا إضاءة في الخيام، ولا وسيلة لرؤية البعوض الذي يهاجمهم بصمت، تخبرنا أن أطفالها يستيقظون مذعورين على لسعاته التي تترك في أجسادهم آثارًا مؤلمة لا تختفي لأيام، وكأن الليل نفسه أصبح عدوًا خفيًا لهم.
"لا أحد يشعر بقسوة هذه الحياة إلا من عاشها بكل تفاصيلها المؤلمة"، بهذه الكلمات تختتم نزهة حديثها، بينما يلمع في عينيها بصيص أمل بأن تُطوى قريبًا صفحة النزوح.

يوسف هداف وطفلته - آفاق
يوسف يحرس طفلته بالسولار
في ذات المخيم الذي يضيق بأوجاع النازحين، يعيش يوسف هدّاف، نازح من القرية البدوية في بيت لاهيا شمالي القطاع، داخل خيمة بلاستيكية يُكابد يوميًا، نتيجة إصابة في قدمه خضع بسببها لعملية تركيب بلاتين تُعيق حركته.
لكن ذلك لم يكن أثقل ما يحمله، فطفلته الرضيعة، ذات السبعة أشهر، تعاني من أمراض حرمتها البصر والحركة، وزادت حرارة الخيمة ولسعات البعوض والذباب من آلامها، بينما يقف عاجزًا عن حمايتها وتوفير أبسط حقوقها في النوم، أو العلاج، أو حتى الأمان.
يصف حياة الخيام في الصيف قائلاً: "الحرّ خانق لا يرحم، والحشرات تنهش جسد طفلتي بلا هوادة. لا تجد نومًا يريحها، وأحيانًا أسهر طوال الليل أحاول تهويتها بورقة دفتر أو قطعة بلاستيك، في محاولة يائسة لتخفيف معاناتها".
أما لمكافحة البعوض فلم يجد يوسف سوى حل مضطر إليه مع غياب وسائل الوقاية؛ فما هو؟ يرد على استحياء: "أقوم بتدهين قدميها بالسولار قبل النوم، كي لا تستيقظ مفزوعة من شدة القرصات. أعرف أنه ليس آمنًا، لكن ليس بيدي حيلة".

جدار مخيم للنازحين في وسط قطاع غزة - آفاق
فئران في أواني الطعام
في إحدى زوايا المخيم ذاته، يبدو الموت لزينب أبو شلوف أهوّن مما تعيشه، فكل يوم في الخيمة بمثابة امتحان جديد مع تفاصيل الحياة الصعبة، فهي ترعى أطفالها وحدها منذ أن فُقد زوجها قبل شهور طويلة.
تروي زينب جانبًا من معاناتها: "الفئران تنبش أواني الطعام، لا نكاد نحافظ على لقمة لأطفالنا، وهذا يُصيبنا بنزلات معوية متكررة".
لكن الليل هو الجزء الأصعب من يومها، تتمنى لو أن يطول النهار، لأنه على قسوته أرحم من ظلمة الليل التي تمتلئ بالحشرات والقوارض والخوف.
بنبرة منهكة تُخبرنا: "لا أحب الليل... تبدأ مطاردة الحشرات، خصوصًا البعوض. لا نوم، فقط حكّة شديدة، عرق يتصبب، وقوارض تركض حول الخيمة. نخاف أن نغفو فتفاجئنا حشرة، أو فأر "يعض"، أو ينهش بقايا طعامنا".
ثم تضيف بأسى: "حتى النمل لا ننجو منه، يمشي علينا ونحن نائمون، وكأن أجسادنا أصبحت جزءًا من الرمال"، مشيرةً إلى أنّ لسعة الحشرات وتحديدًا البعوض تُسبب حكة شديدة لفترة طويلة حتى يصل الأمر إلى خروج الدم.
وبينما تكشف لنا عن آثار حساسية الحر واللسعات المنتشرة على جسد طفلها، تؤكد زينب، أنها استنفدت كل الطرق، دون جدوى، لمكافحة الحشرات وحرارة الجو، ففي كل يوم يعيدون نفس المعاناة.

خيام في مواصي خانيوس- دعاء الباز
خيمة بين الركام.. قبر أشجان المفتوح
في مخيم الشاطئ غرب غزة، لم يكن الوصول إلى خيمة أشجان سهلًا، فالمكان غارق في الركام وبرك المياه المحيطة به، وفي وسطه برزت خيمة صغيرة تقول إنها فضّلت أنّ تنصبها بين أنقاض منزلها وصالون التجميل الذي كانت تعمل فيه، رغم ثِقل الشعور عليها.
في ذلك المكان، تحاول أشجان، وهي مريضة بالقلب، أن تتأقلم مع بقايا الحياة بين الركام، لكنها تنهار في كل مرة ترتفع فيها درجات الحرارة. عندها، تتحول الخيمة إلى عبء إضافي، لا تمنحها سوى هواءٍ ثقيل يُطبق على صدرها.
بينما تلتقط أنفاسها بصعوبة والعرق ينساب من جبينها، تشير أشجان إلى أنّها تفقد وعيها أحيانًا من شدة الحرّ، فـ"لا هواء ولا تهوية، ولا مكان أهرب إليه"، وزاد الأمر سوءًا غياب دواء القلب من الصيدليات، ما يجعل معاناتها مضاعفة.
وذهبت أشجان مع أبنائها كما يفعل كثيرون -بحسب وصفة الجدات قديمًا- للاستحمام بمياه البحر على أمل التخفيف من حساسية الحر، لكن مياه البحر نفسها ملوثة، ما زاد من معاناتهم بدلًا من تخفيفها.
ولا يختلف حال الليل كثيرًا، إذ يتحول لمعركة أخرى مع الخوف والبقاء، تتناوب فيه مع أبنائها لمطاردة الكلاب الضالة، الفئران، والبعوض. تضيف: "كل ليلة أشعر أنني في ساحة نجاة لا تنتهي".

خيام عشوائية في مدينة غزة- داود أبو الكاس
عجز محلي أمام أزمة متفاقمة..
وعلى ضوء تصاعد المخاطر الصحية، تُعبّر بلدية غزة عن عجزها عن تنفيذ أبسط التدخلات لمكافحة البعوض، كما كان عليه الحال في السنوات السابقة قبل اندلاع الحرب.
ويقول ماجد سكر، رئيس قسم الصحة الوقائية في بلدية غزة، إن عمليات مكافحة البعوض كانت تعتمد على ثلاث طرق رئيسية: الميكانيكية، والبيولوجية، والكيميائية.
وفي اتصال هاتفي مع مراسلتنا، أوضح سكر أنّ الطريقة الميكانيكية كانت الأكثر فاعلية، وتُستخدم بشكل مكثف خلال ذروة انتشار البعوض من شهر مايو/ أيار وحتى أكتوبر/ تشرين أول من كل عام، إذ تشهد تلك الفترة ارتفاعًا في درجات الحرارة يُحفّز تكاثره.
وعادةً ما يبدأ البعوض بالاختفاء تدريجيًا مع بداية فصل الشتاء، لكن الوضع هذا العام مختلف تمامًا، بسبب تداعيات الحرب والدمار الذي طال البنية التحتية، بما في ذلك مرافق الصرف الصحي.
وتقوم الطريقة الميكانيكية على رش السولار أو الزيت المحروق فوق أسطح برك تجمع المياه ومجاري الصرف الصحي، بهدف خنق اليرقات ومنعها من استكمال دورة حياتها.
أما الطريقة البيولوجية فتعتمد على استخدام مبيدات حيوية لقتل يرقات البعوض، لكنها غير متاحة حاليًا بسبب منع الاحتلال إدخالها إلى غزة.
في حين تعتمد الطريقة الكيميائية على أجهزة الرش الضبابي والمضخات اليدوية لاستهداف الحشرة الكاملة المتطايرة، في ساعات المساء، وهذا العمل متوقف بسبب ظروف الحرب الأمنية.
ويُقرّ سكر، بأن البلدية تواصل العمل بما يتوفر لديها من كميات محدودة من السولار عبر الطريقة الميكانيكية، لكن حجم الشكاوى من تفشي البعوض يفوق بكثير قدراتها.
ويؤكد في الختام أن استمرار الحرب وتواصل التدمير يُقوّض الجهود المبذولة، ويجعل تدخلات البلدية في مواجهة الأزمة "ضعيفة ومحدودة التأثير".

طفل غزي يتجمع الذباب حول عيونه- مريم أبو دقة
انتشار ملحوظ للأمراض..
أمام الواقع الصعب الذي وثقت الشهادات السابقة جزءًا من تفاصيله، يؤكد مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة محمد أبو عفش، وأستاذ علم الأحياء الدقيقة في الجامعة الإسلامية عبد الرؤوف المناعمة، أنّ القطاع يعيش في كارثة صحيّة لا يُحمد عقباها.
أسباب عديدة تفاقم تداعيات هذه الكارثة، أهمها: التكدس السكاني في مساحة ضيقة وارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات والقوارض في أماكن الإيواء، مع الافتقار شبه الكامل إلى مواد النظافة والمياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي.
ويتفق أبو عفش والمناعمة في مقابلتين منفصلتين أجرتهما مراسلتنا معهما، أنّ المشهد العام يُظهر كمًّا مرتفعًا من الأمراض، مثل التهابات الأمعاء، والالتهابات التنفسية والصدرية، والأمراض الجلدية الطفيلية، بالإضافة لحالات الجفاف والإغماء.
ولا تتوفر حتى الآن إحصاءات دقيقة لأعداد المصابين بهذه الأمراض، إلا أن مئات الحالات تراجع المشافي والنقاط الطبية يوميًا.

طفلة غزية مصابة بالحساسية في وجهها بفعل الحر - آفاق
ويتحدث أبو عفش، عن ارتفاع نسبة المرتادين على النقاط الطبية التابعة لـ "الإغاثة الطبية" خلال شهري تموز وحزيران الماضيين، بنسبة 100% مقارنة بالأشهر السابقة.
بينما يلفت المناعمة إلى أن الفئات الأشد هشاشة، وعلى رأسهم الأطفال دون سن الخامسة، والنساء الحوامل، والمصابون بسوء التغذية، وذوو الأمراض المزمنة، هم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة، وحتى الوفاة.
وتأتي هذه الزيادة وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية، وتزايد المخاوف من انتشار أوسع للأوبئة.
وينوّه أبو عفش، إلى أنّ أدوية الرعاية الأساسية التي يتم إدخالها عبر منظمة الصحة العالمية لا تفي بالحاجة، وتمثل نقطة في بحر الاحتياج المتزايد.
ولا يُبدي، استغرابًا من ظهور أنواع وأحجام غير مألوفة من الحشرات والقوارض، مشيرًا إلى أن أطنان النفايات المتكدسة، وبرك مياه الصرف الصحي، والمياه الراكدة، ساهمت في إحداث تعديلات جينية لدى هذه الكائنات، ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف والانتشار، ويزيد من خطورتها كنواقل للأمراض.
وفي ضوء ذلك، قدم المناعمة في مداخلته، مجموعة من التدخلات التي يرى أنها قابلة للتنفيذ وتُسهم في الحد من تفاقم الوضع الصحي، أبرزها:
- تحسين البيئة المحيطة بالمخيمات، عبر تصريف البرك المؤقتة حول أماكن الإيواء، وتوفير أغطية محكمة لخزانات المياه، وتنفيذ حملات تنظيف مركّزة أسبوعية، وتوزيع ناموسيات معالجة بالمبيدات، مع تركيز خاص على المناطق المجاورة للبرك الراكدة.
- ضمان سلامة المياه، عبر إنشاء نقاط كلورة ثابتة ومتنقلة لتعقيم مصادر المياه، وتوزيع فلاتر خزفية أو رملية منخفضة التكلفة وفعّالة، بالإضافة لتوعية السكان برسائل صحية واضحة حول أهمية الغلي أو التعقيم المنزلي للمياه، ما يمكن أن يُخفض معدلات الإسهال بشكل ملموس خلال أسابيع قليلة.
- تعزيز القدرات التشخيصية والمخبرية، عبر تطوير المختبرات لتكون قادرة على تشخيص أمراض مستجدة وغير معتادة في القطاع، مثل: حمى الضنك، وغرب النيل، والملاريا، وفيروسات أخرى.
- الرصد والاستجابة السريعة، عبر إجراء عدّ أسبوعي لحالات الحُمّيات، والطفوح الجلدية، والإسهالات على مستوى المخيمات والمدارس والمراكز الصحية، وتطهير البؤر المصابة وتطويقها بشكل فوري للحد من انتشار العدوى.
- استمرار حملات التطعيم وتعزيز اللقاحات، عبر مواصلة حملات شلل الأطفال الطارئة، وتعزيز توفير لقاحات الكبد الوبائي A إن توفرت، خاصة مع وجود خطر انتشار الفيروسات، والمحافظة على التطعيمات الروتينية للأطفال.

في مواجهة حرارة الصيف بغزة- مجدي فتحي