سبعة شهور متواصلة لم يفارق فيها نبيل أبو صقر سيارة الإسعاف، مواصلاً عمله مسعفاً بكل إخلاص في شمال القطاع، وأيضًا في محافظة غزة، إلى أن أصيب في إبريل/ نيسان الماضي في قصف طائرة استطلاع، كاد يودي بحياته، بينما كان يؤدي عمله مع زميلين آخرين استشهدا، ليتركاه وحيداً. نقاط عدة مثيرة للاهتمام أخبر بها المسعف المتفاني مراسلة "آفاق البيئة والتنمية"، كان منها أنه لم ينم على أي سرير أو فراش على مدار سبعة شهور، موضحًا: "لم أغادر مركبة الإسعاف إطلاقًا، هذه المركبة أصبحت هي المأوى، فيها أتناول طعامي، وحتى دورة المياه، لم أغادرها إلا يوم إصابتي، حينها فقط نمتُ على فراش المشفى". في الحوار التالي يشاركنا بسلسلة من الأحداث المؤلمة التي مرت به وجعلت الحزن يغرقه، ولكنه حزن لم يضعفه.
المسعف نبيل أبو صقر
سبعة شهور متواصلة لم يفارق فيها نبيل أبو صقر سيارة الإسعاف، مواصلاً عمله مسعفاً بكل إخلاص في شمال القطاع، وأيضًا في محافظة غزة، إلى أن أصيب في إبريل/ نيسان الماضي في قصف طائرة استطلاع، كاد يودي بحياته، بينما كان يؤدي عمله مع زميلين آخرين استشهدا، ليتركاه وحيداً.
نقاط عدة مثيرة للاهتمام أخبر بها المسعف المتفاني مراسلة "آفاق البيئة والتنمية"، كان منها أنه لم ينم على أي سرير أو فراش على مدار سبعة شهور، موضحًا: "لم أغادر مركبة الإسعاف إطلاقًا، هذه المركبة أصبحت هي المأوى، فيها أتناول طعامي، وحتى دورة المياه، لم أغادرها إلا يوم إصابتي، حينها فقط نمتُ على فراش المشفى".
ويمضي في حديثه: "لقد قطعتُ عهدًا على نفسي ألا أنزع "بدلة" أو حذاء الإسعاف أبدًا، وكثيراً ما أخبرت المقربين أني مصمم ألا أشتري شيئًا إلا عندما تنتهي الحرب وتعود زوجتي وأولادي، عندئذ سأشتري الملابس وأنام على الفراش، آمل أن يحدث هذا قريباً".
هو الذي ينتمي للميدان، ويضحي بحياته دون تفكير، بمجرد رؤية كل من بحاجة لنجدته، فلا يتردد في تقديم المساعدة، إنه من النوع الذي لن يترك أي روح تُزهق طالما فيه "نَفس واحد"، تبعاً لقوله. في الحوار التالي يشاركنا بسلسلة من الأحداث المؤلمة التي مرت به وجعلت الحزن يغرقه، ولكنه حزن لم يضعفه.
أحبَّ ضابط الإسعاف الذي يعمل في "الخدمات الطبيبة" التابعة لوزارة الداخلية، عمله في مجال الإسعاف والطوارئ، منذ أن التحق بركبه، تحديدًا في اليوم الأول من الحرب الأولى على غزة الموافق 27 ديسمبر لعام 2008، حتى أنه غيّر مجال دراسته من كلية العلوم إلى الإسعاف، ولم يتوقف عن تطوير مهاراته في هذا الجانب، ثم حصل على درجة الماجستير في "إدارة الأزمات والكوارث" في الجامعة الإسلامية، والمؤسف أن رسالته كانت حول "تطوير بروتوكولات الإسعاف والطوارئ في الحروب" في قطاع غزة، في حين أن الاحتلال لا يحترم اتفاقات جنيف وعمل الإسعاف أساساً، حسب تعبيره.
لم تكن إصابة نبيل في العدوان الدموي الأولى ولا يعتقد أنها ستكون الأخيرة، وفق رأيه، فقد أصيب سابقاً عام 2018 في مسيرات العودة، شرق جباليا، وذلك عندما همَّ بإنقاذ المصابين رغم ارتدائه الزي الرسمي، حيث اُستهدف بطلقٍ متفجر في القدم اليسرى وهو مكان الإصابة الحالية ذاته، ولكن هذه المرة عند الكاحل، ما أدى إلى قطع الشريان الوريدي، وتهتك في الجلد والأربطة، وأجريت له عدة عمليات.
وبنبرة تحدٍ يزيد بالقول: "لم تثنني الإصابة عن عملي آنذاك، فبعد فترة من التعافي وأنا على العكاكيز كنت أساعد زملائي، كوني "فني عمليات" في الإسعاف".
الأطفال في حالة ذعر بعد القصف
طرق مظلمة فارغة ومرعبة
عندما يقيّم نبيل تجربته في الحرب المندلعة حالياً على غزة، يرى أن ما عاشه من مواقف على مدار سبعة أشهر من عمله، كفيل بكتابة مجلد، وربما أكثر.
يحكي لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية" بروح مُرهقة: "هذه الحرب لم ولن تمر مثلها، ولا في أي حرب عالمية قامت، لقد نزل 80 ألف طن من المتفجرات على أصغر بقعة في العالم، التي تشغل أعلى كثافة سكانية في العالم، شيء لا يصدقه العقل والعين، ويَا لهول ما شاهدناه". يعود إلى السابع من أكتوبر، مستهلاً حديثه: "كان يوم السبت، هو يوم مناوبتي، توجهت لعملي في السادسة والنصف صباحًا، في مشفى "كمال عدوان"، ويومها استهدفنا الاحتلال في منطقة بيت حانون أو ما يعرف بــ "إيرز" بعدة طلقات نارية".
وعن وجه معاناة طواقم الإسعاف في تلك الفترة العصيبة، يذكر: "عانينا كثيرًا بسبب الخطر المحدق وضعف اللوجستيات، ومن أهم التحديات أن لدى الوزارة نظام لوجستي يختلف عن بقية الجمعيات على غرار "الهلال الأحمر"، حيث مركباتنا متهالكة ومحدودة، عددها 16 مركبة إسعاف على طول قطاع غزة، في الشمال ثلاث مركبات فقط، هناك نقص حاد في الوقود، وفي المعدات اللازمة للعمل، وكذلك معدات الحماية".
ويروي لنا موقفًا في بدايات الحرب: "ذات يوم توجهنا إلى "مشروع بيت لاهيا" بينما كان بعض الناس ينزحون من المنطقة، وذلك بعد استهداف بيت فيه شهيدين واثنين من المصابين، حملناهم في سيارة الإسعاف، لكن شعرنا بخطر يداهم المكان، رجعت للخلف بسيارة الإسعاف نحو عشرة أمتار، محاولاً المغادرة، وإذ بهم يلقون علينا قذيفة، نجونا حمدًا لله لأنها وقعت بجانب الإسعاف، ثم سرت بسرعة لنحو 300 متر، ثم ألقوا صاروخ استطلاع، فاستدرت إلى الطريق المعاكس وقبل وصول المشفى ب 200 متر ألقوا علينا الصاروخ الثالث، وهذه المرة لم يسلم الإسعاف، ما أدى إلى توقف المركبة عن العمل وتعطّل العجلات، وكسر الزجاج، واستمرت المركبة في المسير حتى اصطدمت بحائط المشفى، الخلاصة، بفضل لله كُتبت لنا النجاة مع المصابين الذين معنا".
هي مواقف لا تعد ولا تحصى، كما يقول نبيل، لكن أصعب ما فيها أن معظم الاستهدافات تحدث عمدًا في منتصف الليل، وساعات الفجر الأولى، أي في وقت الظلام الحالك، مضيفاً: "في تلك الأوقات أدخل طرقًا لا أرى فيها سوى إشارة الإنارة الخارجية للإسعاف، ووسط أجواء الرعب نبحث عن المصابين في بيت تشتعل فيه النار والأدخنة والركام، وما يزيد المشهد سوءاً انقطاع الكهرباء عن غزة، حيث الشوارع والمنازل تغرق في ظلام دامس، ما يجعل التعرف على الأشلاء والجثث من أعقد ما يكون".
وفي هذا السياق، يعرب عن أسفه للنقص في الكشافات الليلية اليدوية، وعطلها وعدم توفر بدائل أو بطاريات لتغييرها، مردفًا: "نحن نفتقر إلى "بدلات" إسعاف بديلة، ملابسنا كانت مُخضّبة بدماء الشهداء ويفوح منها عرقنا، دخلنا فصل الشتاء ولم تكن لدينا ملابس بديلة، إلى درجة أننا عندما نغسل المعطف نبقى بملابسنا الخفيفة، ولم نكن نستحم لأيام طويلة".
لقد رأى الكثير الكثير، ومع ذلك، لا يتراجع أبداً عن تمسكه بهذه المهنة، مقسماً بالله العظيم ثلاث مرات: "أقسم بالله أني كنت مدركًا بأني قد استشهد ولا أعود لزوجتي وأولادي، ولكن لا أستطيع أن أتقاعس أمام روح تستغيث، روحي ليست أغلى من روح أي طفل أو أي شخص كان".
المسعف نبيل مع رفيقيه المسعفين حسين وخالد
المسعف نبيل وهو في سيارة الإسعاف التي لم يغادرها لسبعة أشهر
الافتراق عن العائلة
يتذكر نبيل زميله خالد، عندما قال له ذات مرة: "هل تريد أن تقتلنا، ألا تريد العودة لأولادك، كفّ عن المغامرة"، هذا الصديق اُستشهدت زوجته وأطفاله الستة في بداية الحرب، كان يثنيني عن المخاطرة، إلا أنه في آخر مرة كنا معاً في مهمة لإنقاذ أرواح جديدة، وهنا المفارقة حين قلت له: "ألا تعرف أننا في مكان خطير.. هيا بسرعة لنخرج"، وقبل أن أكمل الجملة استهدفنا الاحتلال بصاروخ، ليستشهد الزميلين خالد وحسين معاً".
ومن أسوأ المراحل، تبعاً لحديثه، التي ألقت بظلالها على شمال غزة هي فترة المجاعة، ويشير إلى أثرها: "كانت أجسامنا هزيلة لعدم توفر الغذاء الكافي، فِرِق الإسعاف عادة تكون بحاجة إلى طاقة، لأننا نضطر في بعض المناطق للجري والمشي لمسافات طويلة، وحمل شهداء ومصابين، في حين نفتقد إلى السلالم المتحركة والإمكانات عموماً".
ويضيف: "كنا نضطر إلى ترك مركبات الإسعاف في مكان آمن، خوفًا عليها من أن تتعطل، ولهذا كنا نتكبد عناء المشي".
ويدهشنا نبيل بهذا العهد الخاص، الذي لم يخلفه أبداً مع زميليه خالد وحسين في كل الحروب، يفصح عنه: "كنا ننوي الصيام من أول يوم تقوم فيه الحرب، صيام كل الأيام مهما طالت المدة إلى أن تضع أوزارها، في الحروب الستة منذ عام 2008 الحمد لله واظب ثلاثتنا على الصيام، لقد ساعدنا هذا العهد على تجاوز المجاعة، كان الأطفال ينتظروننا بفارغ الصبر، وهم يعرفون أننا نصوم، لنعطيهم قوت يومنا الذي يأتينا من المتبرعين أو من الجهات الرسمية".
أما موقفه من النزوح إلى الجنوب كان "مرفوضًا تماماً"، قائلاً: "لن أتحرك من مكاني، ولا يمكن، هناك من نزح من الزملاء بعد أن صار الخطر محدقًا، وآخرون استمروا في البقاء، أذكر في اليوم الأول من الحرب نزح معظم سكان البرج الذي أسكن فيه ويقع في منطقة حدودية في بيت لاهيا، باستثناء أسرتي، اتصلت بي زوجتي تخبرني بقصفه، أخذت أصرخ دون وعي "أولادي أولادي"، وحمدًا لله نجحوا في الخروج من البدروم، وكاد ابني يفارق الحياة".
وهنا بدأت حكايته العائلية، فقد نقل أسرته على الفور إلى مكان آمن، تحديداً إلى منزل عائلة زوجته، لكن بعد أيام تم استهداف بيت بجواره، ما أدى إلى استشهاد العائلة كاملة، وتضرر البنايات المجاورة، وعُثر على ابنه الصغير تحت الركام، وفي الليل فوجئ نبيل أن أسرته قد نزحت إلى الجنوب بعد استشهاد اثنين من أخوة زوجته، أحداث متسارعة انتهت بخبر مزعج، أن الرجل بقي نحو شهرين لا يعرف أين ذهبت عائلته بسبب انقطاع الاتصالات، إلى أن علم أنهم يقيمون في دير البلح.
ويعقّب بحزن: "عائلتي منذ السابع من أكتوبر ليست معي، تسعة شهور وأنا بعيد عن زوجتي وأطفالي، وهذا أمر لا يطيقه أحد، حتى وإن كنت أهاتفهم بين الوقت والآخر".
المسعف نبيل يصلي في ساحة المستشفى
المسعف نبيل بعد استهدافه بطائرة استطلاع حيث كان في حالة حرجة
أعلنوا استشهاده
يقصّ نبيل علينا حكاية ذلك اليوم الذي أُصيب فيه إصابة بالغة، وفقدَ أعز أصدقائه، يقول: "جاءتنا إشارة بشأن استهداف في عزبة بيت حانون، تحركت مع خالد وحسين، وذهبنا من طريق ما يُعرف بــ "أبراج العودة" التي أدى قصف عدد منها إلى إغلاق الشارع، ورأينا مصابًا تعاملنا مع إصابته، وأخبرنا أن هناك شهداء، ثم سرنا في طريق التفافي خطر، واضطررنا إلى ركن سيارة الإسعاف في شارع صلاح الدين، وسرنا على الأقدام مسافة 150 مترًا، وإذ بثلاثة شهداء مُلقين على الأرض مع دراجاتهم النارية، يبدو أنهم جاءوا لتفقد بيوتهم، كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهرًا، أخبرتهم أن المسافة طويلة وسيتعذر علينا حملهم، التفتّ خلفي ووجدت جرافة للاحتلال "باقر" وآليات ودبابات، ولأول مرة أقول "نحن في خطر"، ضحك زميلي خالد في تلك اللحظة وقال: "وأخيراً عرفت أننا في خطر".
ومصادفة، كانت تمر عربة كارو وطلب المسعفون من صاحبها المساعدة لنقل الشهداء، وافق الشاب، وبمرور عجوز ومعه سيدة ساعدوهم في حمل الشهيد الأول، يتابع بقية الحكاية: "حين بدأنا بحمل الشهيد الثاني أُطلق صاروخ مباشر باتجاهي، تحديداً بيني وبين حسين، ارتميتُ على الأرض، بينما اُستشهد حسين فورًا، وخالد وقع بعيدًا، ناديته ولم يرد عليّ، أما صاحب الكارو والحمار أصبحا أشلاء، في حين تمكّن العجوز والمرأة من الهرب وهما في حالة ذعر، بقيت على حالي 45 دقيقة، كنت أعي ما يدور حولي، وبين وقت وآخر أرفع رأسي وأنظر، لعل الله يرسل لي أحدًا لإنقاذي، رفعت السبّابة ونطقت الشهادة في قلبي، وقرأت ما تيسر من القرآن ودعوت الله أن يحفظ زوجتي وأولادي، وألا يشعروا بمرارة فقدي، شعرت حقاً بحال كل مصاب لم يستطع الإسعاف الوصول إليه بسبب الاحتلال، وما أصعب الإحساس بخيبة الأمل أمام خذلان الجميع".
بعد وقت قصير، سمع صوت إسعافات يأتي من بعيد، يواصل الحديث: "كنت أرغب في الصراخ "ها أنا هنا"، وكيف لهم أن يسمعوني فالمنطقة نائية، وحين وصل الزملاء أجروا لي الإسعافات الأولية، ووضعوني على الحمّالة ونقلوني إلى المشفى، كنت ما أزال في حالة يقظة، أوصيت زميلي فارس عفانة أن يهتم بأطفالي الخمسة وزوجتي وأبي وأمي، وطلبت المسامحة وأخبرته أنه لا دين عليّ، ثم غبت عن الوعي، وحين وصلت الاستقبال توقف قلبي وكنت قد فقدت الكثير من الدم، وفارقت الحياة نحو 30 دقيقة، ثم عاد النبض لقلبي، بعد إجراء "إنعاش قلب رئوي"، وتبيّن أن لدي كسر في العظم الفخذي، أدى إلى نزيف شديد وفقدان الدماء، ودخلت غرفة العمليات، وتم ربط الشريان، وهكذا كتب الله لي الحياة".
بعد الإصابة يحاول المسعف نبيل أن يقوم بما يستطيع
نبيل أبو صقر
ويخبرنا أن زميله خالد استشهد بعد خمسة أيام، تحديداً في يوم عيد الفطر، في حين أفاق نبيل بعد شهر من مكوثه في العناية المشددة، ويصف حالته الصحية: "درجة إصابتي خطيرة جدًا، أيّ ضربة غير مباشرة أو خطأ في حركة العظام سيؤدي إلى قطع الشريان، نتيجة التهتك الكامل في عظام الفخذ، حيث فقدت 15 سم، وبالتالي أحتاج إلى عملية تثبيت خارجي من أجل تطويل القدم، وزراعة عظم، وهذا يستدعي السفر العاجل لتلقي العلاج في الخارج.
والمؤلم، أنه في ذلك اليوم بلغ عائلة نبيل أبو صقر خبر استشهاده إلى أن تم نفيه في منتصف الليل، وفي المنطقة التي يسكنها صلى الناس صلاة الغائب على روحه.
ويهمس وحيداً وخائفاً بقوله: "خايف استشهد قبل ما أشوف أولادي وزوجتي من كثر اشتياقي لهم ...مخنوق كثير بسبب هذا الشعور من كثر احتياجي لهم وبعدهم عني".
مرت ثلاثة شهور على إصابته، فكيف حاله الآن.. يصمت بقهر ثم يقول: "صعب جداً ما أمر به، أحب العمل كثيراً وأكره القعود، طلبت أن يسند لي العمل المكتبي، لكن لم يُوافق على طلبي، كل نداء استغاثة يصل، فإنني أبكي بيني وبين نفسي، تمر بي حالة كآبة أحياناً، ولكن إيماني بالله وحده يقويني".
ولا يخفي قلقه عندما صرَّح: "إذا قدّر الله لي هذه المرة ألا أمشي سأترك مهنتي مجبرًا، ما سيؤثر حتماً علي نفسيًا، أتمنى من أعماقي أن أتمكن من السفر، ومهما يكن الأمر، لن أترك مساعدة الناس حتى لو بلساني".
المسعف نبيل أبو صقر أثناء قيامه بعمله
مَن ينصف المسعفين؟
أسأله عن الدافع الذي يجعله محباً لعمله إلى هذه الدرجة رغم خطورته، فيجيبني بأن الدافع يكمن في آية واحدة كفيلة بأن يخاطر بروحه "ومن أحياها كمن أحيا الناس جميعا"، موضحاً: "في موقف لا أنساه، حملتُ طفلاً مصابًا، وكنت أقود الإسعاف في الوقت نفسه، شعرت بأني أملك الدنيا، وتمنيت لو أنه بمقدوري حمل الإسعاف وأجري حتى أتمكن من إنقاذ الطفل، وعندما أعلن الطبيب وفاته، كأن روحي انتزعوها مني".
كل خلية فيه تغضب وتثور عندما قال: "الناس في غزة تجابه الموت كل دقيقة، بل في كل ثانية، أما آن أن تتوقف الحرب، الأمر لم يتوقف عند الظروف الكارثية التي نعيشها، لقد فقدنا 15 ألف طفل، كم طفل علينا أن نفقد أيضاً حتى تنتهي الحرب، أم أن الحل أن ينزلوا علينا قنبلة نووية كما قالوا!".
ويؤكد أن لا أحد يمكنه أن ينصف رجال الإسعاف، ومهما أشاد العالم بجهودهم أو كافئتهم الجهات المسؤولة، "هناك من قدمّ روحه وبيته وأطفاله، وأقل ما يقال أننا قدمنا عاطفتنا للناس، لكن الدعم المعنوي لم يقدمه أحد لنا، معظمنا يبكي في الليل، وقد نضطرب كثيراً جراء رؤيتنا للأشلاء والدماء، أنا حقاً فخور جدًا بزملائي وبنفسي، وأرى أن الجميع يجب أن يتحدث عن جهود رجال الإسعاف لأنهم بحاجة لكل كلمة طيبة تشد من أزرهم".
"ماذا عن صديقك الذي كان برفقتك واُستشهد.. كيف استطاع أن يكمل مهمته بعد أن فقد أسرته كلها؟".. في صوته بدت حشرجة البكاء وهو يجيب: "لقد مر صديقنا خالد بفترة عصيبة، ومع هذا، كان يظهر معنويات عالية، إلا أنه في الحقيقة كان قلبه ممزقًا، وبحكم قربنا منه رأينا دائماً الدموع في عينيه".
ومما يلفت الانتباه، أن الأصدقاء الثلاثة، لم يأبهوا للظروف المعقدة التي عاشوها في شمال غزة، حيث تعاونوا على البِرّ بمساعدة عائلات كثيرة، بجلب ما ينقصهم من الطعام، والحليب اللازم للأطفال الذين اُستشهد ذويهم وذلك بأسعار خيالية، إضافة إلى الأدوية التي تلزمهم، وكذلك مداواة بعض المصابين.
ويردف حديثه: "ما حدث فاقَ الخيال على كل الصعد، حاولت أن أستفيد من دراستي في إدارة الازمات، والحقيقة أنه ما من فرصة لتطبيق البروتوكولات العالمية في إخلاء الجرحى في خضم عدوان لا يرحم".
ولا يعرف هل يحزن أم يتحسر أم يصمت كمداً كلما تجوّل في الشوارع، وأشتَّم رائحة الجثث ورأى الركام والنفايات، والبيوت المدمرة التي ما زال تحتها شهداء، ومياه المجاري تتدفق في كل الاتجاهات، مبدياً ذهوله أمام حالة البؤس التام ومسح كل ما يتعلق بتفاصيل طفولته والسمر مع الأصدقاء، مكتفياً برسالة تحذير: "أطفال غزة سيحاججون أمة الملياري مسلم أمام الله، حتى من كان في قلبه ذرة تعاطف ولم يحرك ساكنًا".
فيديو- المسعف نبيل أبو صقر أثناء عمله لإنقاذ الأطفال المصابين
ضغط نفسي مريع
يتطرق نبيل أبو صقر إلى الأولويات التي تراعيها فِرق الإسعاف، موضحًا: كلنا نعلم أن الحزام الناري لا يخرج أحد منه حيًا، لذا نسارع إلى البحث عن الإصابات بالدرجة الأولى، وإخلاء الجرحى، وعادة في هذه الحالة المزرية لا نستطيع الفرز بنظام الألوان "الأخضر والأحمر والأصفر والأسود"، ولا بد من التنويه إلى أن المسعف قد يسيطر عليه الإرباك، وبطبيعة الحال هذا قد يؤثر سلباً على أدائه، في نهاية المطاف المسعف له روح تتألم وتفجع".
ويعترف لنا: "تعاطفي غير المحدود مع الناس يولد ضغطًا نفسيًا هائلاً، ربما يبقى موقف صعب ملازمًا لي لأيام، ثمة مشاهد لن أنساها ما حييت، ذات مرة قال لي ممرض: "هل ذرفك للدموع من أجل أن تثير تعاطف الشاشات"؟ تجاهلت سؤاله، لأني لا أستطيع أن أكف عن التعاطف مع الآخرين، أحب أن أعمل بقلبي، وإذا لم أعمل هكذا ربما أموت".
ويحكي لنا عن مواقف انهارت عَبراته أمامها، أحدها عندما انتشل طفلًا من تحت الأنقاض، وسارع إلى إجراء "إنعاش قلب رئوي"، ووالده من أصدقاء الطفولة، صرخ الأب بحرقة: "هذا فيهم كلهم يا نبيل"، حاولت تمالك نفسي، وعندما وصلت المشفى الأندونيسي أعلن الطبيب استشهاده، في تلك اللحظة ألقيت القفاز الطبي من يدي بطريقة موجعة، لأني لم أنجح في مساعدة الصغير".
وعن مشهد آخر يقول: "في إحدى المجازر في معسكر جباليا أنزلت الطائرات الحربية طِنين من المتفجرات، تهدمت بيوت كثيرة في المنطقة، وتحت الأنقاض وجدت صبية فارقت الحياة ترتدي ملابس عدة حتى تستر نفسها، لم أعرف أتعامل معها من ملابسها، حين رأيتها بكيت لحيائها وعفّتها".
ومن فرط وفائه، ينتابه ورفاقه إحساس بالتقصير كلما عجزوا عن تقديم الخدمة الإسعافية للمصابين، لا سيما عند محاصرة الاحتلال للمستشفيات، وتركهم مرغمين لبعض المناطق، معقباً: "أقمنا نقطة طبية في مكان ناءٍ في معسكر جباليا، وكانت الخدمة محدودة".
هذا الرجل، وصل به شغفه بعمله، إلى حد نشر ثقافة الإسعاف تطوعاً، مستهدفاً فئة الأطفال في البيوت، حتى يستطيع الطفل أن يتدبر نفسه لو كان بمفرده في المنزل.
ويرى نبيل أن كل الحروب السابقة والاجتياحات والتصعيدات لا تضاهي هذه الحرب أبداً، لاستخدام الاحتلال طرقًا لا مثيل لها في المذابح الجماعية، عبر الاستهداف المباشر والأحزمة النارية، تبعاً لكلامه.
ويشير إلى أن إسرائيل في الحروب الماضية كانت غالباً تحذّر قبل قصف أي منزل، أما بشاعة هذه الحرب تتمثل في استهداف الشخص المطلوب بمجرد أن يدخل بيته مع عائلته كاملة، حتى يلحق به أكبر أذى.
وفي ختام حديثه، لا يعتقد نبيل أن هناك أي جدوى من مطالبة المجتمع الدولي، كما كان يحدث في الحروب السابقة، بالحفاظ على القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، وما تنص عليه من المحافظة على المسعفين والعاملين في البلديات، وتوفير حماية لهم وللمدنيين والنازحين، مضيفاً بنبرة الخذلان: "لن نطالب أحداً بشيء، فمن لا يرى من الغربال يكون أعمى، وإذا كان إخوتنا العرب خذلونا وتركونا نحارب بمفردنا، فماذا ننتظر من المجتمع الدولي، بالمختصر لا حياة لمن تنادي".