30 منشأة فلسطينية مرخصة لإنتاج البلاستيك من أصل 1700.. متى نلحق بركب البدائل الصديقة للبيئة؟
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
المعضلة البيئية - السياسية الفلسطينية تكمن في عدم وجود قانون فلسطيني يمنع استخدام الأكياس البلاستيكية حفاظا على البيئة، فضلا عن انعدام وجود سياسات حكومية تقنن أو تقلل من استخدام هذه الأكياس. الحكومة الفلسطينية سنت العديد من الرسوم والضرائب الضرورية وغير الضرورية في الآونة الأخيرة، رغم الظروف المعيشية الصعبة التي نمر بها، إلا أنها غضت البصر عن مطالبات المؤسسات البيئية المستمرة بسن رسوم على الأكياس البلاستيكية بهدف التقليل من استخدامها، رغم قناعتها التامة بأن الشعب سيتفهم سبب سن هذه الرسوم، على عكس الكثير من الضرائب التي لم يتفهم سببها، وفق شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية.
|
ما زال استخدام البلاستيك بأنواعه منتشراً بكثرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم ظهور مبادرات في السنوات الأخيرة تدعو إلى التقليل من استخدامه، واللجوء إلى البدائل الصديقة للبيئة. لكن تلك المبادرات لم تنتشر على نطاق واسع. وبقي الحديث عن الموضوع موسمياً.
مشروع "كيسي"، مبادرة أطلقتها خريجتان من كلية الهندسة في جامعة بيرزيت: دانا مصفر، وصديقتها علياء جمهور. المشروع عبارة عن "براند" فلسطيني متخصص في تصميم وصناعة الأكياس والحقائب الصديقة للبيئة، بلمسة فلسطينية عصرية ومميزة، كما تقول دانا مصفر. وأضافت: "هدفنا هو أن تصبح (كيسي) خياراً مفضلاً للعملاء، الواعين للآثار البيئية الخطرة للبلاستيك على البيئة، نحن نسعى لنكون البديل المميز الصديق للبيئة أمام المواطنين، عوضا عن الأكياس البلاستيكية التي باتت هما وطنيا يؤرق الجميع".
وتتابع: "نسعى لتقديم منتجات عالية الجودة، تعبر عن الهوية والثقافة الفلسطينية، مع التركيز على الاستدامة وحماية البيئة، لجذب اهتمام العالم بأسلوبنا الفريد".
دانا وعلياء نموذج لفئة قليلة من المجتمع الفلسطيني، تفكر بالآثار البيئية الناجمة عن استخدام البلاستيك، وتبحث عن بدائل أكثر استدامة، وأقل ضرراً بالبيئة.

البلاستيك.. المكون الأكبر للنفايات الصلبة في فلسطين
تتكدس مئات، بل آلاف الأطنان من البلاستيك يوماً بعد يوم، جراء عدم اكتراث الكثير من المواطنين بالأضرار البيئية المترتبة على استخدامه، فيستسهلون توزيع كل صنف من مشترياتهم على عدة أكياس من البلاستيك، دون الاكتراث بخطورته على البيئة، إذ يعتبر أحد أكبر مكونات النفايات الصلبة في فلسطين، وفقا للمعلومات الواردة من سلطة جودة البيئة، ما يفاقم صعوبة التخلص من هذه النفايات نتيجة عدم تحلل البلاستيك، المكون من مواد كيميائية معقدة وصعبة التحلل.
ورغم اهتمام بعض المواطنين بالتقليل من استخدام الأكياس البلاستيكية، إلا أن الغالبية لا تهتم بهذا الجانب، إما لعدم معرفتها الكافية بخطورة البلاستيك على البيئة، أو لعدم اهتمامها أساساً بهذه القضية.
تقول المواطنة رانية خواجا: "عشت في أوروبا 4 سنوات، وهناك توجه لديهم بعدم استخدام الأكياس البلاستيكية، وكنت ألتزم بذلك بكل حب، حالياً عندما أذهب إلى أي سوبر ماركت وأضع الأشياء التي أشتريها في كيس بلاستيكي أشعر بالخجل والضيق، وأسال نفسي لماذا حتى الآن نستمر في استخدام هذه الأكياس؟"
وأضافت: الأكياس المصنوعة من الأقمشة ليست فقط مجدية على الصعيد البيئي، ولكن أيضا اقتصادياً، لأنها تجعلنا أكثر حكمة في التسوق، وعلى المدى البعيد تخلق مجتمعاً غير استهلاكي".
من جهتها قالت المواطنة نورس فتوني، في تعقيبها على استخدام البلاستيك بكثرة في المولات والأسواق: "سياسة البلد ما بتدعم هالحكي، وبالتالي الناس ما رح تلتزم في ظل عدم توفربدائل بالسوق (..) في دول المغرب العربي ممنوع استخدام أكياس البلاستيك، وبتشتري كيس قماش أو ورقي بسعر رمزي، وبتحطي فيه أغراضك".
من جهة أخرى، أكد العديد من أصحاب المحال التجارية أنهم ليسوا ضد فكرة استخدام الأكياس القماشية أو أكياس الكرتون، ولكنهم لا يستطيعون فرض شرائها على الزبائن، وقد يؤدي تطبيقهم لهذا الأمر إلى دفع الزبائن للتوجه لأماكن أخرى للشراء.

غياب القانون.. المعضلة الأكبر
تابعت شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية أمر الاستهلاك الفلسطيني الكبير للبلاستيك -خصوصا الأكياس- مع الجهات ذات العلاقة. ترى منسقة الشبكة عبير البطمة لـ "آفاق"، أن المعضلة الأكبر تتمثل بعدم وجود قانون يمنع استخدام الأكياس البلاستيكية حفاظا على البيئة، ليس ذلك فحسب، وإنما غياب أي سياسات حكومية تقنن أو تقلل من استخدام هذه الأكياس.
وكشفت البطمة عن أن "الشبكة تعمل حالياً على مشروع متعلق بتقليل استخدام الأكياس البلاستيكية، وهناك على جدولها خطط للعديد من الاجتماعات مع الجهات ذات العلاقة، كوزارة الحكم المحلي وسلطة جودة البيئة ووزارة الاقتصاد، من أجل وضع خطة استراتيجية جماعية تهدف لاستبدال البلاستيك بخيارات صديقة للبيئة".

حقائب فلسطينية صديقة للبيئة
مطالبات بسن رسوم
تؤيد منسقة شبكة المنظمات البيئية عبير البطمة فرض رسوم على كل كيس بلاستيكي يتم شراؤه أو استخدامه، مضيفة: "الشعب الفلسطيني يدرك خطورة البلاستيك وآثاره البيئية والصحية، ولكن نحن بحاجة إلى تغيير السلوكيات من خلال إجراءات وسياسات تعزز البدائل الصديقة للبيئة، حالنا كحال جميع الدول التي طبقت هذا النظام".
وأوضحت البطمة، أن الحكومة سنت العديد من الرسوم والضرائب الضرورية وغير الضرورية في الآونة الأخيرة، رغم الظروف المعيشية الصعبة التي نمر بها، إلا أنها غضت البصر عن مطالبات المؤسسات البيئية المستمرة بسن رسوم على الأكياس البلاستيكية بهدف التقليل من استخدامها، رغم قناعتها التامة بأن الشعب سيتفهم سبب سن هذه الرسوم على عكس الكثير من الضرائب التي لم يتفهم سببها، وفق تعبيرها.

مبادرة دانا مصفر وعلياء جمهور لتصميم وصناعة أكياس وحقائب صديقة للبيئة
حملات بيئية قريباً
في إطار رفع مستوى التوعية بمخاطر البلاستيك، نفذت الشبكة العديد من الحملات التوعوية، وعلى جدولها هذا العام برنامج لتنفيذ حملات إضافية في المجمعات التجارية بهدف نشر الوعي بين المواطنين وتحفيزهم نحو البدائل البيئية، وفق البطمة. وأشارت في هذا السياق، إلى تعاقد الشبكة مع جمعيتين لإنتاج أكياس من قماش معاد استخدامه، بهدف توزيعه على المواطنين خلال نشاطات الحملة.
البلاستيك عبارة عن مركبات كيميائية معقدة وصعبة التحلل "بولي ايثيلين"، وعندما يتم التخلص منه في البيئة يترسب في التربة، وممكن أن يصل للمياه الجوفية، وبالتالي يلوث التربة والمياه الجوفية والخضار التي نأكلها، وكذلك الحيوانات التي نفق الكثير منها نتيجة اختناقها بأكياس بلاستيك قامت بأكلها، بحسب البطمة.
سلم الأولويات الوطنية
رغم كل ما سبق، ترى البطمة أن إحداث تغيير في هذا الملف مرهون بـ "الإرادة السياسية"، وإذا ما تم التخطيط للأمر بشكل صحيح، وتم التعاون بين جميع الأطراف ذات العلاقة، فإنه بكل تأكيد سيتم الالتزام بالبدائل البيئية، مبينة أن "الكثير من الدول الفقيرة نجحت في تطبيقه، ولكن يجب وضع القضية على سلم الأولويات الوطنية".
وفي سياق ردها، قالت المهندسة لما جراد مديرة مكتب طوباس والأغوار الشمالية في سلطة جودة البيئة، والمسؤولة عن متابعة هذا الملف، إنه لا يوجد قانون ولا نظام في مناطق السلطة الفلسطينية يمنع استخدام البلاستيك، ولكن ما تقوم به سلطة جودة البيئة هو فقط حملات توعوية للمواطنين، بهدف محاولة تقليل هذه الأكياس والاستعاضة عنها ببدائل بيئية، مثل السلة أو الأكياس القماشية.
مسودة نظام
وأكدت جراد أن سلطة جودة البيئة تعمل منذ عامين على إعداد نظام وقانون يتضمن سياسات وإجراءات هدفها تقليل استخدام البلاستيك، ولكن حتى الآن فإن هذا النظام عبارة عن مسودة لم تر النور.
وحول أسباب تأخير هذا النظام إلى الآن، بينت جراد وجود معيقات عديدة، أهمها وجود أكثر من 1700 منشأة في الضفة والقطاع لإنتاج البلاستيك أحادي الاستخدام، مثل الأكياس والأواني المطبخية المعدة للاستخدام مرة واحدة، وبالتالي فإن تخوف سلطة جودة البيئة، هو أن تؤثر على مصادر دخل العاملين في هذه المصانع، ولا تزال حتى الان تبحث عن خط إنتاج بديل لهم، كما قالت.
وأشارت إلى أن ما يقارب 9 الاف عامل يعملون في هذه المصانع، بالتالي هناك 9 الاف عائلة ستتأثر وسيتأثر بها الاقتصاد الوطني، لذلك لا بد من التخطيط بشكل أفضل كي لا تتضرر مصالحهم.
30 مصنعا مرخصا فقط
وأوضحت أن من بين 1700 منشأة هناك 30 منشأة فقط مرخصة من قبل سلطة جودة البيئة، مبينة أنها تمنح التراخيص بصعوبة للعمل في هذا المجال، كما أن لديها شروطاً مشددة وصعبة لاستيراد "البوليمرات" اللازمة للتصنيع، إذ أنه حتى المصانع المرخصة تحتاج إلى تصريح في كل مرة تريد استيراد "البوليمرات" فيها، على حد قولها.
ورأت أن "المشكلة الأكبر التي نعاني منها في المستوى الفلسطيني، هي المصانع التي تجمع المواد البلاستيكية وتعيد قولبتها من كراسي وعلب وصهاريج مياه وغيرها، حيث تقوم بصهرها وإعادة تشكيلها دون أدنى التزام بالشروط الصحية"، مشيرة إلى أن جزءا كبيرا من هذه المواد يتم تهريبها من دولة الاحتلال، وبعض هذه المواد غير قابلة لإعادة الاستخدام لاحتوائها على مواد كيميائية لا تصلح لإعادة التدوير.
وبينت أن نسبة الوعي البيئي في بلدنا قليلة جداً، "وهذه مشكلة أخرى نعاني منها، رغم أن الكثير من الناس سمعوا ولو مرة واحدة عن الآثار الخطرة للبلاستيك ليس فقط بيئيا، وإنما على صحة الإنسان، ولكنهم يستسهلون استخدامه".

مبادرة نسوية لتصميم وصناعة أكياس وحقائب صديقة للبيئة
أخطار صحية كبيرة
وأكدت لما جراد المسؤولة عن متابعة الملف في سلطة جودة البيئة أن "البلاستيك يتفاعل كيميائياً في درجة الحرارة المنخفضة تماما كتفاعله في درجة الحرارة العالية، وبالتالي وضع المأكولات فيه وتعريضها للتفريز مضر تماماً كوضع الطعام فيه وتعريضه للتسخين، إذ يحدث التفاعل بين جزيئات البلاستيك مع ما يحتويه بشكل متساو في الحالتين".
والأمر الأكثر خطورة بنظر جراد، هو أنه بمجرد حدوث تغيير بسيط على شكل الأواني البلاستيكية المستخدمة مثل ثني كوب البلاستيك قليلا في بعض الأحيان، فإن هذا يؤدي إلى تسرب "الميكرو بلاستيك" إلى ما نأكله أو نشربه، لافتة إلى خطورة قيام بعض أصحاب المحال بوضع عبوات العصير والماء البلاستيكية على أبواب محلاتهم خاصة في فصل الصيف.
وأكدت جراد أن جميع الدراسات البيئية والصحية التي جرت على البلاستيك حتى الآن، تثبت علاقته المباشرة بكل أنواع الأمراض العصبية وأمراض الكلى والكبد والقدرة على الإنجاب إلى جانب السرطانات، مشيرة إلى أن بعض الدراسات لفتت إلى أن البلاستيك يؤثر على التطور العقلي.
كما أوضحت خطورة استخدام بعض النساء "المفرمة" المصنوعة من البلاستيك، التي في كل مرة يتم استخدامها يتم تسريب ميكرو بلاستيك إلى طعامنا.