نظام تعرفة المياه الزراعية معطل.. وأصابع الاتهام لسلطة المياه بالتلكؤ
|
في منطقة العوجا في قلب الأغوار توجد آلاف الدونمات التي هجرها أصحابها نتيجة شح المياه وتجفيف نبع البلدة، ولم تعد هذه المنطقة سلة خضار فلسطين كما كانت تسمى قبل عقود. في المقابل، توجد تجمعات في الضفة الغربية تحصل على المياه بأسعار ضئيلة جدا. التذبذب في وفرة المياه واختلاف أسعارها من منطقة إلى أخرى دفع مجلة آفاق لتسليط الأضواء على دور الجهات الرسمية في هذه القضية، وسط سؤال لم نجد إجابة عنه: لماذا لم يصدر نظام تعرفة المياه الزراعية عن سلطة المياه الفلسطينية حتى الآن؟ وما لم تتحرك كل الجهات الفلسطينية لتوفير دعم حقيقي للمزارع الفلسطيني بعيدا عن الشعارات البراقة، فإن القطاع الزراعي سيواجه مزيدا من الانهيار. وإن كان أبسط المطالب بإقرار نظام تعرفة المياه الزراعية لم يرَّ النور حتى تاريخ نشر هذا التقرير، فلن يتوقع المزارع الفلسطيني أي خطوات حقيقية تشجعه على البقاء.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| العديد من مواطني الأغوار لا يعرفون المياه سوى من الصهاريج |
وصل الحال ببعض مربي الثروة الحيوانية في أرياف الخليل إلى دفع رؤوس من الماشية ثمنا للحصول على كميات من المياه من أجل تغطية احتياجاتهم المختلفة. وفي منطقة العوجا في قلب الأغوار توجد آلاف الدونمات التي هجرها أصحابها نتيجة شح المياه وتجفيف نبع البلدة، ولم تعد هذه المنطقة سلة خضار فلسطين كما كانت تسمى قبل عقود. في المقابل، توجد تجمعات في الضفة الغربية تحصل على المياه بأسعار ضئيلة جدا.
التذبذب في وفرة المياه واختلاف أسعارها من منطقة إلى أخرى دفع "مجلة آفاق البيئة والتنمية" لتسليط الضوء على دور الجهات الرسمية في هذه القضية، وسط سؤال لم نجد إجابة عنه: لماذا لم يصدر نظام تعرفة للمياه الزراعية عن سلطة المياه الفلسطينية حتى الآن؟
سيطرة إسرائيلية تطبق الخناق على المزارعين
يعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات الاقتصادية تأثرا بكميات المياه المتاحة، عبر بروز تباين واضح بين المناطق من حيث مدى الاحتياج للمياه ومدى الوصول إليها، وتذبذب مستوى الأسعار من منطقة لأخرى. وغالبا ما تخضع لتحكم واستغلال صاحب البئر، الأمر الذي خلق مشكلة اجتماعية بين المزارعين والمتحكمين باستخراج المياه. يحدث كل ذلك في ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على 85% من مصادر المياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

المياه في بعض مناطق الأغوار أصبحت نادرة
أرقام وإحصائيات
وحسب اتحاد لجان العمل الزراعي يبلغ سعر الكوب من المياه 50 شيكلا في بعض مناطق الخليل، في حين يصل الكوب إلى نصف شيكل لمزارعي الخضروات في قلقيلية، كما أن بعض المناطق تتوفر بها المياه طيلة 24 ساعة، وبالمقابل بعض المزارعين قدرته على الوصول للمياه فقط خلال ساعات محددة في النهار، ومناطق أخرى قد تصلها المياه مرة واحدة بالأسبوع. ناهيك عن التباين في نوعية المياه ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ تصل نسبة المياه الصالحة للاستهلاك بأقل من 10% لقطاع غزة.
وفقا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تبلغ نسبة مساحة الأراضي المزروعة حوالي 15.5% من المساحة الكلية، منها حوالي 84.5% مزروعة زراعة بعلية، و15.5% زراعة مروية، والتي تستهلك حوالي 47.5% من المياه المضخوخة من الآبار الجوفية.
ويبلغ معدل استهلاك الفرد الفلسطيني من المياه في فلسطين 83 لتر/ يوم ، ويتراوح هذا المعدل بين 82.3 لتر/ يوم في الضفة الغربية، و84 لتر/ يوم في قطاع غزة، وذلك خلال العام 2016. آخذين بعين الاعتبار أن هذا المعدل يعتبر معدلا ناجما عن كميات المياه المستهلكة مقسوما على عدد السكان، حيث أن هناك بعض التجمعات السكانية التي لا يزيد فيها معدل استهلاك الفرد عن 44 لتر/ يوم، بينما يزيد هذا المعدل عن 100 لتر/ يوم في تجمعات أخرى كأريحا، وبالتالي يشكل هدف تحقيق العدالة في التوزيع بين التجمعات السكانية أحد التحديات الرئيسية.
واقع المياه المرير، دفع بمئات المزارعين في منطقة العوجا إلى هجرة أرضهم والتوجه نحو العمل في المستوطنات. وكان لقيام الاحتلال بتجفيف نبع العوجا الأثر الأكبر عبر إقامة أربعة آبار ارتوازية، ما جعل منطقة السهل متصحرة نتيجة الاستحواذ على النبع والاعتماد فقط على المياه الموسمية في الشتاء، وفقا لرئيس بلدية العوجا صلاح فريجات الذي طالب الجهات الرسمية بإنقاذ القطاع الزراعي وإعادة منطقته إلى سابق عهدها حينما كانت تزرع 35 ألف دونم في السابق. وعن مصادر المياه المتوفرة في الوقت الراهن قال فريجات إن العوجا تعتمد على سبعة آبار ارتوازية مقامة منذ عام 67 بعمق بسيط لا يتجاوز الـ 70 مترا، وتستخدم مياهها لري النخيل نظرا لملوحتها.

فلسطيني ينظر من خلف السياج إلى أنبوب مياه إسرائيلي في الأغوار- نقلا عن رويترز
سلطة المياه تتلكأ في إصدار نظام تعرفة المياه الزراعية
يرى محمد سعيد الحميدي، المدير التنفيذي لمجلس تنظيم قطاع المياه أن إقرار نظام تعرفة المياه الزراعية من أحد أهم العوامل المساعدة في دعم قطاع الزراعة وإعادة الاعتبار لهذا القطاع محملا المسؤولية لسلطة المياه الفلسطينية، حيث نص قانون المياه على أن تقوم سلطة المياه بإعداد نظام التعرفة والتنسيب لمجلس الوزراء من أجل إقراره، وهو ما لم يحدث حتى اللحظة رغم أن النظام جاهز. ولدى محاولتنا مرات عدة الحصول على إجابة واضحة عن السبب في عدم التنسيب لمجلس الوزراء لإقرار تعرفة خاصة بالمياه الزراعية، لم نجد الإجابة، ولا حتى أي رد عن موعد حصول هذه الخطوة.
ويذكر أن مجلس تنظيم قطاع المياه تأسس عام 2014 كجزء من إصلاحات قطاع المياه في فلسطين وفقا لقانون المياه رقم 14 عام 2014. وهو مؤسسة مستقلة ماليا وإداريا تقدم تقاريرها مباشرة إلى مجلس الوزراء ، وفقا للمادة 18 من قانون المياه رقم 14 (2014). والهدف من إنشاء المجلس مراقبة كل ما يتعلق بالنشاط التشغيلي لمقدمي خدمات المياه (136 مزودا في الضفة والقطاع)، بما يشمل الإنتاج والنقل والتوزيع والاستهلاك وإدارة مياه الصرف الصحي، وذلك من أجل ضمان جودة وكفاءة خدمات قطاع توفير المياه، وخدمات مياه الصرف الصحي في فلسطين الموفرة للمستهلكين وبأسعار مناسبة.
الزراعة: لا مبرر لعدم صدور تعرفة المياه الزراعية
من جانبه، استغرب عصام نوفل مدير المياه الزراعية والري في وزارة الزراعة من عدم مسارعة سلطة المياه لرفع هذا النظام إلى مجلس الوزراء لإقراره رغم جاهزيته منذ عام، حيث تمت مناقشة مسودة أولى له بين الجهات ذات العلاقة منذ عام.
وأضاف نوفل: "المياه الزراعية تتراوح بين أسعار عالية جدا، ومنخفضة جدا حسب توفر المصادر المائية، نتيجة غياب نظام تعرفة المياه الزراعية. من المهم جدا إصدار النظام لتكون حكما بين المزارع وبين المزود، ومفترض أن يصدر من قبل سلطة المياه". وتابع بالقول: "لا أرى أن الموضوع صعبٌ، لا اعرف تماما السبب، لكننا نطالب في وزارة الزراعة بإصدار النظام".
ويتمثل دور الإدارة العامة للمياه الزراعية في وزارة الزراعة بتوفير المياه الزراعية التقليدية وغير التقليدية للمزارعين ومربي الثروة الحيوانية، ويوضح نوفل أن إدارته تسعى لتحقيق هذا الدور بالشراكة مع سلطة المياه والشركاء في المؤسسات الدولية وغير الحكومية من خلال مشاريع معينة للمزارعين كحفر أبار جمع، وتأهيل خطوط مياه وبرك زراعية، وشبكات ري وإعادة استخدام مياه معالجة الصرف الصحي.

مزارعو الأغوار يشترون مياههم المسروقة من الصهاريج الصدئة
جملة توصيات من اتحاد لجان العمل الزراعي
يوصي الاتحاد بتنفيذ مجموعة من التوصيات على رأسها رفع نظام تعرفة المياه الزراعية إلى الحكومة للمصادقة عليه وإدخاله حيز التنفيذ لتحقيق العدالة في الوصول إلى أحد أهم ركائز نجاح القطاع الزراعي. كما يوصي الاتحاد الذي تأسس عام 1985 بتحقيق جملة من المطالب ومنها:
*الضغط لتمويل المزيد من مشاريع المياه خاصة في ما يسمى مناطق "ج" بهدف حماية الأرض واستغلال المياه المهدورة.
*مراجعة منظومة تعرفة المياه من قبل فئات مجتمعية مختلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاقتصادية. *التركيز على العدالة الاجتماعية في الوصول للمياه وخاصة للمناطق المهددة من الاحتلال والمهمشة.
* التأكيد على وصول مياه ذات نوعية مقبولة وفق المعايير والمقاييس الدولية.
*حشد الجهود في رفع صوت المواطن الفلسطيني في حقه بالحصول على المياه، والطاقة، والغذاء الأمن والمسكن، والسيطرة على موارده وفق الحقوق البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة.
* تكثيف حملات الضغط على الممولين والجهات الدولية في الحد من إجراءات ومعوقات الاحتلال من وقف وهدم ومنع المزارعين من استغلال ما توفر لديهم من موارد.
* تعزيز مبدأ السيادة على الموارد المائية لدى الفلاح الفلسطيني من خلال دعمه في استغلال ما يتاح له من موارد بشكل آمن ومستدام، لخدمة الأجيال القادمة في ظل تواصل الانتهاكات والمعيقات من قبل الاحتلال.
* مراجعة الجدوى الاقتصادية للعديد من المحاصيل الزراعية وخاصة التي تعتمد على المياه بشكل كبير.
*رفع مستوى وعي المستهلك بأهمية ترشـيد إستهلاكه للمياه، من خلال إستخدام وسائل تجميع المياه الزائدة (آبار تجميع المياه) واستعمال وسائل الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والضغط المنظم، وكذلك توزيع أدوات تقنين وترشيد إستهلاك المياه على المشتركين مجاناً أو بسعر رمزي.
وما لم تتحرك كل الجهات الفلسطينية لتوفير دعم حقيقي للمزارع الفلسطيني بعيدا عن الشعارات البراقة، فإن القطاع الزراعي سيواجه مزيدا من الانهيار. وإن كان أبسط المطالب بإقرار نظام تعرفة المياه الزراعية لم يرَّ النور حتى تاريخ نشر هذا التقرير، فلن يتوقع المزارع الفلسطيني أي خطوات حقيقية تشجعه على البقاء.