:تراثيات بيئية
المطر وإنتاج الغذاء نوعاً وكماً
|
بلدة بير الباشا-جنوب جنين-تعتمد بشكل أساسي على الزراعات البعلية |
نادية البطمة
يقول المثل الشعبي: "كل شيء وله أوان" وينطبق هذا المثل على مواسم الأمطار في فلسطين حيث تصنف إلى ثلاث مراحل:
- الأمطار المبكرة أو الخريفية
- الأمطار الفصلية أو الشتوية
- الأمطار المتأخرة أو الربيعية
ويبدأ هطول الأمطار عادة في شهر تشرين الأول، ويصل إلى ذروته في أشهر كانون الأول والثاني وشباط، ثم ينقص تدريجياً حتى ينتهي في أيار.
ونعيش في السنوات الأخيرة سنين جفاف، حيث تتواصل فترات الصحو وقلة الأمطار من حيث التوزيع الزماني ومن حيث التوزيع المكاني أيضاً، فإن عامل الارتفاع يؤثر على توزيع الأمطار فتزيد فوق المرتفعات وفي المناطق الشمالية عنها في المناطق الجنوبية، وتشتد الأمطار كلما اتجهنا للغرب وتقل كلما اتجهنا للشرق. وتتناقص الأمطار في الجنوب عنها في الشمال. كما أن الأيام الماطرة في السواحل أكثر منها في الجنوب والشرق.
الأمطار من أهم عناصر المناخ لأنها أساس الحياة الاقتصادية، فهي التي تحدد المناطق المأهولة بالسكان والعمران، وهي التي تحدد مناطق الرعي والزراعة، وهي التي تحدد المناطق الصحراوية، وعلى هذا يترتب موضوع الرخاء أو القحط والخصب، وأثر ذلك في تركيبة وحياة وثقافة المجتمع الفلسطيني الغذائية.
"اللي في غير أوانه يا هوانه" يعبر هذا المثل عن أهمية نزول وتساقط الأمطار في أوقاتها لتؤدي دورها المناسب في البيئة ولأن أساس وفرة الغذاء في بلادنا هو المطر، فإن الأمطار المبكرة أو الخريفية هي النافعة لزراعة الحبوب والبقول، والأمطار الشتوية أو الفصلية هي الضرورية للري العميق الصيفي للأشجار، خاصة الزيتون، حيث يقول المثل "سيل الزيتون من سيل كانون" والأمطار المتأخرة أو الربيعية تخدم التربة، وتساهم في تخزين الرطوبة الجوفية اللازمة، لاستمرارية النمو والازدهار في فصل الصيف الحار، وللحياة النباتية "البعلية"، وهو وفرة لمخزون الماء في الينابيع والعيون وفيه "الأمن المائي والغذائي" اللازم للتنوع الحيوي.
الغذاء في البيئات الفلسطينية:
يأكل الناس في كل البيئات الفلسطينية مما تنتج الأرض من محاصيل، وازدهار سلة الغذاء المحلية المرتبط بالمطر يجعل أهل البادية "قليلة الأمطار" وبالتالي العشب والمرعى، يرتحلون من مكان إلى آخر طلباً للماء والكلأ، وينقلون حيواناتهم إلى مناطق الرعي أينما وجدت، وتعبر عن هذا المعنى هذه الأغنية من أغاني السامر:
واحنا شباب العرب والشيح مرعانا
والفارعة مصيفنا والغور مشتانا
وتشير الأغنية إلى "الشيح" كنبات رعوي يكثر في الأغوار والبادية، وله أثر طيب على نكهة وطعم الحليب وقيمته الغذائية، والرعيان خبيرون في أفضل النباتات للرعي وأكثرها إدرارا للحليب.
وبعد سقوط الأمطار في البادية ينتظر أهلها الحصول على نباتات برية موسمية، تجود بها عليهم الطبيعة، يجمعونها لتنوع غذائهم اليومي فترة من الموسم فهم ( يبقلون) "العكوب" النبات الشوكي الذي يتناسب نموه مع تربة البادية. كما يجمعون الخبيزة والهندباء، واللوف، والحميض وورق الزعمطوط، ونبتة ارجيلة ونبات الهليون، ونبات الفقع والكمأة.
ويجمعون أعشاباً ونباتات يشربون منقوعها من مريمية وزعتر وجعدة وكمندرة وبابونج وزعثمانة، وهناك مجموعة نباتات يجمعها العشابون والمعالجون الشعبيون لحالات معينة من الأمراض التي يعرفونها في بيئتهم ويجففونها لوقت الحاجة.
البادية مصدرٌ للغذاء:
تعتبر بادية (عرب التعامرة) في بيت لحم جنوباً أكبر مورد لنبات العكوب الذي تستهلكه مدينة نابلس في الشمال، وفي هذه المدينة الجبلية اهتمام كبير في حفظه بالبرادات وتخزينه بعد إزالة اشواكه وتنظيفه، ويباع خلال السنة بسعر غالٍ نظراً لكثرة الطلب عليه كطعام شهي مميز في الأعياد والمناسبات، ويعتبر أفضل هدية للمغتربين والمهجرين في الخارج، وقد أدى هذا الطلب إلى إنشغال عدد من العجائز والنساء في مهنة "التعكيب" خلال الموسم من كل عام.
أما البادية المحيطة بالخليل، فيزرع أهلها الحبوب من قمح وشعير وكرسنة وعدس ويربون المواشي ويسوقون اللحوم ومنتجات الحليب والألبان من لبن جميد وسمن بلدي، ويغلب على طعامهم تناول اللحوم والحبوب ولهذا نجد ملاحم في مدينة الخليل تبيع لحم "القاعود" الجمل الصغير، والذي يعتبر من أشهر أنواع اللحوم عند من يعرفون قيمته وطعمه، ولو زرت مدينة الخليل واشتريت الأطعمة، لوجدت أكلة "الفخارة" اللحمة المشوية في آنية الفخار "القطوسة"، كما تقدم المطاعم أكلة "القدرة" بالأرز والحمص والثوم واللحمة البلدية المحمرة. ويكثر استهلاك الفريكة والبرغل، وفي اسواق مدينة الخليل القديمة "سوق اللبن"، تجد لبن الجميد الضروري "للمنسف" والذي يصدر بكميات كبيرة إلى المحافظات والبلدات الأخرى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك مصنعاً حديثاً يصنع الألبان بطرق ووسائل وأدوات حديثة على غرار المنتجات التقليدية، ولديهم خضاضات معدنية من الصلب الذي لا يصدأ، حيث يجمعون الحليب ويصنعون الزبد والسمن والجبن ... في بلدة "بني نعيم"، وهذا المصنع المحسّن لمواصفات المنتج وجد في بيئته، ولكن الأصل هو في المطر الذي سيؤدي إلى ازدهار أعمال المصنع وانتاجه وأسعاره.
المطر الوفير يؤثر على الحياة البعلية الصيفية:
تزرع المقاثي المنتجة للبطيخ والشمام والكوسا والفقوس واللوبياء والبامية والبندورة البلدية في فصل الشتاء والربيع، لتعطي ثماراً في الصيف. كما أن ازدهار موسم العنب والتين وأنواع الفاكهة من اجاص وخوخ ومشمش وتفاح ودراق يكمن في كمية المطر التي وصلت إلى جذورها العميقة في التربة في موسم المطر، والندى الصيفي مهم لحياة الأشتال الصغيرة وضروري لإنضاج ثمار تحتاج إلى الحرارة الصيفية بقدر ما تحتاج إلى الندى الصيفي كما هو الحال في المشمش والدافور والتين والذي قيل فيه "تين مشطب ع الندى"، فالمشمش خلال وقت إنضاجه القصيرة (جمعة مشمشية) اذا حصل الحر بدون الندى، لا يحسن نضجه ويقال (مجصص).
أما القرى الزراعية التي تنتج أنواع الخضر التي تعتمد على الري الدائم، مثل الباذنجان الصيفي (البتيري) والملوخية وكذلك أشجار الحمضيات التي تحتاج إلى ري غزير على مدار العام، فإن إنتاجها مرتبط بكميات المطر الذي يغذى مخزون الينابيع والعيون الدائمة الجريان، وهذه معادلة طبيعية بين هطول المطر وكمية الغذاء ونوعيته واستهلاكه وأسعاره.
إن ثقافتنا الغذائية وأكلاتنا العشبية مرتبطة بإنتاج المناطق من مواد غذائية فالمنسف أكلة بدوية بالدرجة الأولى وهو "فتة باللبن واللحم" بينما يمكن أن يكون المنسف في القرى الزراعية "باللبن ونوع من الخضر" كما هو "فتة باللحم واللبن مع الزهرة في موسمها" أو فتة بالباذنجان والبندورة واللحم (اليخنة) في الموسم أيضاً.
ويستعمل القمح لإعداد الجريشة والمفتول والكبة من البرغل في مناطق زراعة القمح بوفرة كالسهول، وتزدهر أكلة "المسخن" بالزيت البلدي في الشمال الفلسطيني الذي ينتج زيت الزيتون والبصل والسماق الحامض.
وأكلة المفروكة في المجتمع الفلسطيني هي خير مثال على تنوع المواد في البيئات، والمفروكة أو الفرايك هي عبارة عن الخبز المحلي المحمر يضاف إليه مادة من المواد المحلية، يقول المثل الشعبي "اللي بده يوكل المقمر لازم يتشمر". فالمفروكة في البادية عبارة عن الخبز الساخن المقمر المضاف إليه السمن البلدي والسكر أو الزبدة البلدية، وهناك مفروكة "فتة الحليب" و"فتة الجبن".
أما المفروكة في الشمال فهي الخبز الساخن المقمر "المحمر" مضافاً إليه الزيت البلدي والسكر.
نطلب من الله الغيث والرحمة، ونرجو من المعنيين استغلال موسم المطر عبر جمع مياه الشتاء وتخزينها بكل الطرق الممكنة.
زهرة من أرض بلادي
الحمحم

د. عثمان شركس/ جامعة بيرزيت
الاسم اللاتيني:Anchusa strigosa
الاسم الانجليزي:Prickly Alkanet
الاسم العربي الشائع: الحمحم
العائلة: كحلية Boraginaceae
الوصف:
الحمحم نبات (عشبة) معمرة يصل ارتفاعها إلى المتر أو أكثر وتشبه أوراق الحمحم لسان الثور. وتغطى كل النبتة بشعيرات صغيرة جداً وهي شائكة.
وفي فصل الخريف ينمو للنبتة أوراق كبيرة من قاعدة النبتة. وفي فصل الربيع يخرج لها أوراق قاعدية كبيرة وسيقان تحمل أزهاراً زرقاء اللون، والتي تعمل على جذب النحل الكبير إليها. وغالباً ما ينمو الحمحم في الحقول وبين الصخور وعلى جوانب الشوارع حيث تتوافر الرطوبة اللازمة. وفي فترة الإزهار يكون كاس الزهرة قصيرا مقارنة بوعاء التويج.
فترة الإزهار: آذار-حزيران
التوزيع الجغرافي:
ينتشر نبات الحمحم في الجبال الوسطى والسفوح الشرقية والأغوار والأجزاء الشمالية من فلسطين ويقل في السهل الساحلي والأجزاء الأخرى.
|
|
Anchusa strigosa |
(عدسة عثمان شركس) |
|