آذار 2008 العدد (1)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

March 2008 No (1)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب الصورة تتحدث الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

ندوة العدد:

فلسطينيون ضعاف النفوس يحولون أراضيهم إلى مكبات للنفايات الإسرائيلية

 

محافظ رام الله والبيرة:  قرارنا هو اعتقال المتورطين في جلب النفايات الإسرائيلية إلى القرى الفلسطينية ومحاكمتهم.

محمود أبو شنب:  هذه الظاهرة مرفوضة وطنيا لأنها تعاون مع العدو ويجب مقاطعة المتورطين فيها ونبذهم.

إبراهيم عطية:  يجب أن نساعد الناس على الجرأة والمبادرة إلى التحرك ضد الذين يتسببون في الأذى البيئي والصحي للمجتمع.

سونا عاروري:  دائما نسمع وعودا ومسكنات...هناك مناطق تدخلها الأجهزة عندما "تهدد الأمن"...المكبات الإسرائيلية تهدد أيضا أمننا البيئي والصحي.

صالح الرابي:  شبكة المنتفعين اقتصاديا أكبر من مجرد أصحاب الأراضي، فهناك بعض طلاب المدارس وأهاليهم وتجار الخردوات، الأمر الذي يزيد من صعوبة مقاومة هذه الظاهرة.

جورج كرزم:  يجب الضغط باتجاه تشكيل لجنة تحقيق علمية دولية محايدة لتحقق في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الإنسان الفلسطيني وبيئته وتقديم المجرمين إلى محكمة دولية.

 

في إطار الفعاليات المتصلة بمجلة "آفاق البيئة والتنمية" الهادفة إلى بلورة منبر لمناقشة مفيدة ومهنية ومؤثرة لمختلف القضايا البيئية – التنموية، باتجاه التأسيس لسياسات وممارسات واستراتيجيات تنموية مستدامة وصديقة للبيئة، نظم مركز العمل التنموي / معا ومجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين في 9 شباط 2008 ندوة حوارية مكثفة بعنوان:  "فلسطينيون ضعاف النفوس يحولون أراضيهم إلى مكبات للنفايات الإسرائيلية"، وذلك في مقر محافظة رام الله والبيرة، وبمشاركة كل من محافظ رام الله والبيرة د. سعيد أبو علي، وإبراهيم عطية مدير إدارة صحة البيئة في وزارة الصحة، ومحمود أبو شنب مسئول حماية البيئة في سلطة جودة البيئة، وصالح الرابي منسق نشاطات شبكة المنظمات الأهلية البيئية، وسونا عاروري من مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين، وجورج كرزم مسئول تحرير مجلة "آفاق البيئة والتنمية".  وهدفت هذه الندوة إلى مناقشة ظاهرة تفريغ شاحنات إسرائيلية لحمولاتها من النفايات الطبية والبلاستيكية والغذائية وغيرها من النفايات السامة والخطرة، في بعض أراضي قرى رام الله مثل نعلين، شقبا، قبية وغيرها، بتسهيل من الجيش الإسرائيلي على الحواجز، وبالاتفاق مع أصحاب هذه الأراضي الذين يتقاضون، مقابل ذلك، مبالغ مالية من الشركات الإسرائيلية.

وعلاوة على الأبعاد البيئية والصحية، عالج المشاركون في الندوة، الأبعاد السياسية والوطنية والقانونية لهذه الظاهرة المريبة، وموقف الوزارات والجهات المسئولة ودورها في مواجهة هذه الممارسات المتواطئة مع المحتل والمعادية للإنسان والبيئة الفلسطينيين.  وخلص المشاركون إلى توصيات عملية وقابلة للتنفيذ، بهدف التأثير باتجاه وضع حد للأعمال والانتهاكات المنافية لقيمنا وأخلاقنا البيئية والوطنية الفلسطينية.

ونقدم فيما يلي ملخصا لمحتوى النقاش والتوصيات.

 

د. سعيد أبو علي (محافظ رام الله والبيرة):  متابعة الوضع البيئي والتحقق من شروط السلامة العامة يشكلان جزءاً من انشغالات المحافظة، خاصة أنه ضمن هيكلية المحافظة توجد دائرة مختصة في هذا الشأن.  ويشكل موضوع مكبات النفايات العشوائية خاصة في قرى رام الله الغربية عبئا كبيرا منذ ستة شهور تقريباً، وهناك متابعة مستمرة لهذا الوضع الكارثي؛ وقمت أنا شخصياً بزيارة بعض المواقع خاصة في منطقتي نعلين و شقبا.  وقفنا على الأضرار والمخاطر التي تحملها هذه المكبات.  أخذنا عينات من بعضها وفحصناها في جامعة بيرزيت لتحديد صورة علمية عن المخاطر والتهديدات التي تمثلها سواء على السكان أو على البيئة او على الأرض والمصادر الطبيعية.  فيما يتعلق بالسكان لم تتبين أخطار مباشرة، إلا أنه بسبب حالات الفقر ولعب الأطفال في المكبات أحياناً يؤدي الأمر إلى بعض الإصابات، لأنه يوجد في هذه المكبات مخلفات طبية. وانصب الجهد في إطار مقاومة هذه الظاهرة أو الحد منها بالصيغ المتاحة الممكنة، بما في ذلك إشعار الرأي العام هناك، من خلال المؤسسات والفعاليات والمجالس البلدية والقروية والأندية بخطورة الموضوع.  الحقيقة الجميع تعاون، ما عدا أصحاب المصالح المباشرة.  حيث إن عملية إلقاء النفايات تتم بالتوافق ما بين بعض سكان تلك القرى وبعض الشركات الإسرائيلية التي تتخلص من هذه النفايات بصورة تجارية، بالتأكيد غير قانونية أيضا.  كان لي اتصال مع الإدارة المدنية (الإسرائيلية) لمتابعة هذا الأمر، بما في ذلك حتى مع الرأي العام الإسرائيلي، وتحديدا مع الصحافة الإسرائيلية التي عملت تحقيقا واسعا حول المسألة والضلوع الإسرائيلي بها. وراجعوني في الإدارة المدنية حول ما نشر في الصحف الإسرائيلية، وقالوا بأنهم مستعدون للتعاون وأخذ بعض الإجراءات.  لكني لم أفهم كيف تكون الحدود مغلقة على العصفور لكن هم يدخلون من وراء الجدار سيارات ضخمة محملة بالنفايات، وتتحرك في أكثر من موقع بيسر وسهولة، الأمر الذي يؤكد بأن هناك تواطؤاً من السلطات الإسرائيلية ومن الجيش الإسرائيلي في هذا العمل.

الأمر الثاني يكمن في نطاق المتابعة، علما بأن السيطرة الأمنية ضعيفة في المناطق الغربية تحديداً.  وقد يكون التنسيق (مع الجانب الإسرائيلي) والتدخل الأمني في مناطق أخرى بأرجاء المحافظة، حتى في مناطق (ج)، أكثر سهولة، لكن في المناطق الغربية يوجد تعقيدات كثيرة لاعتبارات إسرائيلية بحتة. إذ توجد هناك مستوطنات وتداخل في المصالح الإسرائيلية، كما أن الشرطة الإسرائيلية منتشرة دائماً هناك، والمستوطنون يتحركون بكثافة، وبخاصة في مناطق نعلين.  كما أن مخازن الوقود المركزية موجودة في المناطق الغربية، مما يجعل أجهزة الأمن الإسرائيلية أكثر سيطرة، ويحول دون تدخل أجهزتنا بصورة مباشرة.  قمنا بعدة استدعاءات لأصحاب "المكبات" (الفلسطينيين) وأخذنا منهم تعهدات والتزامات، و تم اعتقال بعضهم لأكثر من ليلة.  إلا أنه بسبب الواقع الاجتماعي والترابط العائلي والقبلي في هذه المناطق، فلا يستطيع أحد هناك أن يأخذ على مسؤوليته أن يكون فلان أو فلان متهمين أو مدانين، أو يجب أن يطبق بحقهم القانون.  فمن يقدم الشكوى اليوم يتراجع عنها بفعل ضغوط معينة، وبزعم أنه وصل إلى تصالح أو تعهد  من أصحاب المكبات.  وفي الحقيقة بعض المكبات تم إيقافها، وبعضها، وبمبادرة من البلديات، مطروحة أمام القضاء الفلسطيني كما حصل في نعلين.  فعندما يدخل الأمر أمام القضاء تصبح سلطتنا مقيدة حتى ينتهي القضاء بإصدار حكم حول الموضوع.  البعض الأخر يغير مكان المكب، ويستأجر أرضا، مستغلا الوضع الاقتصادي والمعيشي مع وجود أناس نفوسها مريضة، فتقبل على هذا الموضوع.  ويحاول بعضهم الاقتراب من مكبات النفايات المحلية بحجة أنها مكبات للبلد.  وقد توجهنا قبل ثلاثة أسابيع إلى المنطقة، وسنزورها مرة ثانية لنجتمع مع الأندية والمؤسسات والفعاليات هناك، كي تأخذ على مسؤوليتها وقف جلب النفايات.  وحصرنا أسماء الأشخاص الضالعين، وهي موجودة لدى الشرطة. حسب معلوماتي، وخلال أسبوعين أو ثلاثة يجب أن يتوقف تزويد النفايات.  أما إذا استمر الوضع فستكون مساءلة قانونية، علما بأن الجميع أعطى تعهدات والتزامات، ومنهم الشخص الموجود في نعلين.  وهذا الشخص تحديدا تصرف بطريقة وكأنه الوحيد في البلد، ومارس تهديدات عائلية. وتجنب الناس الاحتكاك به اختصارا لأي شر محتمل.  التركيب الاجتماعي في المنطقة والتغلغل الأمني الإسرائيلي هو العائق ونقطة الضعف أمامنا، فضلا عن بعد المنطقة عن سيطرة المحافظة. فلو كانت المنطقة بعيدة وبالإمكان أن نتواصل معها فيكون سهل التصرف.  قبل أيام كنا في منطقة أبو شخيدم والمزرعة ونفذنا عملية تتعلق بالسيارات المسروقة والمطلوبين للعدالة، وأحضرت أجهزة الأمن 16 مطلوبا، وبعضهم صدرت ضدهم أحكاما بالسجن.  كل الناس رحبت بهذا.  الآن نحن نعمل في منطقة الريف، باعتبار أن الأساس الذي يهم المواطن في المدن أنجز تقريبا، ألا وهو الموضوع الأمني الذي انتهى تقريبا بفضل الجهد المتواصل.  وقياساً بالوضع قبل سبعة أو ثمانية أشهر، الوضع اليوم أفضل بكثير.  فانتقلنا إلى مناطق الريف، وتحديدا حيث نستطيع أن نصل، خاصة أن الأمر يحتاج إلى تنسيق مع الإسرائيليين.   فنحن نحاول أن نسير قدماً في تطبيق النظام والقانون بالإضافة إلى المتابعات اليومية في داخل المدينة. فنصبنا الكثير من الحواجز للتفتيش على هويات المطلوبين للعدالة.  هذه هي الوسائل والإمكانات المتاحة أمامنا.

أما فيما يتعلق بموضوع النفايات، فقرارنا هو إحضار الذين ما زالوا ضالعين في جلب النفايات، وعرضهم أمام القضاء.

 

مجرمون وليس سارقو سيارات

سونا عاروري (مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين):  مضى على الجرائم البيئية في موضوع مكبات النفايات نحو سنة.  ومنذ شهر آذار 2007 توجه رئيس مجلس محلي نعلين للشرطة والمحافظة، وتم اعتقال احد المتورطين في هذه المكبات.  وعندما تكون حملة إعلامية وضغط فيتوقف المتورطون أسبوعاً أو أسبوعين،  وبعدها يجدون شخصا آخر يعطيهم أرضا يحولونها إلى مكب نفايات لفترة معينة.  وبعد أن يهدأ الوضع يرجعون للمكب الأول.  وهذا متكرر، ورصدناه في شقبا ونعلين.  أعتقد أن موضوع القانون يجب أن يلعب دورا في هذه المسألة.  والقانون هنا يتلخص في أن أمامي مجرماً وليس حرامي سيارات، وهو يقتل الناس والشجر والماء.  فإذا نظرنا إلى هذا الموضوع من هذه الزاوية، باعتبار أن هناك جريمة، وبالتالي إلى أي مدى تستطيع المحافظة والسلطات التنفيذية أن تأخذ قراراً قانونياً وقضائياً ضد هؤلاء الناس، علما بأن موضوع النفايات في تلك القرى يعمل أيضا على زيادة غير مشروعة للفجوة بين الفقر والغنى.  فإذا كان صاحب الأرض يقبض عن كل نقلة نفايات 200 شيقل، فهو يحقق دخلا شهريا يصل إلى نحو 40 ألف شيقل. هذا يعني أن صاحب الأرض أو هذه الحمولة أو العائلة الكبيرة صارت قوية مالياً وتستطيع أن تفرض سلطتها على العائلات الفقيرة.  أعتقد أننا كشبكة منظمات بيئية وسائر أعضاء الفريق في هذا اللقاء نرى أن الموضوع قانوني وقضائي ويجب أن تتخذ إجراءات اليوم قبل غدا.  ودائما نسمع وعودا ومسكنات، خاصة وأن هناك مناطق تستطيعون الوصول إليها عندما "تهدد أمننا"، علما بأن موضوع المكبات يهدد أيضا أمننا البيئي والصحي.

د. سعيد:  يفهم من حديثك وكأن هناك جهة مسؤولة ومقصرة وتعطي مسكنات، وهي قادرة أن تتدخل ولا تفعل.  نحن مجتمعون هنا للبحث عن حلول.  أما إذا كنت أنا المسؤول عن هذا الوضع، فلا داعي أصلا لهذا الاجتماع.  فأنا لست متهما أمامكم.

سونا:  كلنا مسؤولون، وأنت ستساعدنا على إيجاد حل.

إبراهيم عطية (مدير إدارة صحة البيئة في وزارة الصحة):  نحن ننظر بخطورة لموضوع المكبات، فلو وضعنا قائمة بالأضرار الصحية الحاصلة بسبب هذه المكبات، لشعرنا بالرعب، خاصة أن المواد الكيماوية تحرق في تلك المواقع .  عندما ذهبنا إلى تلك القرى ومجالسها المحلية، واجهنا المواطنون بالقول إنكم يا سلطة تستطيعون عمل شيء ولكنكم لا تريدون،  لأن لفلان واسطة.  طبعا نحن نعرف أن هذا ليس صحيحا،  ونحن نحترق كي نحل هذه المشكلة، وبالتالي إنا اتفق مع ضرورة التعامل مع الموضوع بجدية.  د. سعيد تحدث عن مدى جدية الموضوع ومدى سيرهم لمعالجته.  لكن مواطننا يتعرض لوضع غير عادي وغير طبيعي، وبخاصة على المدى المتوسط والبعيد، والبعيد هو الأخطر، إذا ظل هذا الوضع قائما. فالحل ليس فقط قانونيا. الحلول تستدعي العمل على الأرض، قبل القانون، وقد حدثنا د. سعيد بأن هناك أناسا سجنت يوماً أو يومين أو أكثر،إلا أن الوضع الاجتماعي يتدخل بشكل مضاد.  فنحن لدينا مشكلة، ونحن نعاني منها منذ سنة 1995.  فأنا نفسي كنت أحمل العينات الكيماوية الخطرة للجان المشتركة بيننا كوزارة صحة وبين الإسرائيليين، وأقول لهم كيف تدخل هذه النفايات على أرضنا في مكبات جنين و قلقيلية و طولكرم، حيث بدأت هذه الظاهرة هناك.  وكانوا يردون سنأخذ الإجراء اللازم.  وبالطبع، هذا ليس صحيحا لأنهم لن يهتموا بنا أبدا.  وكما ذكر د. سعيد، العصفور لا يستطيع أن يدخل الجدار والحواجز، فما بالك الشاحنات الإسرائيلية التي تدخل وتلقي النفايات الخطرة في أراضينا ومياهنا، وتحرق ويتأثر منها أطفالنا المعرضون للأمراض الخطيرة.  فكلنا مسؤولون وكلنا نريد حلا، إلا أننا، في الحقيقة، نشعر بأن هناك عجزا بسبب الظروف التي نمر بها. 

د. سعيد:  هذا هو مجال عملكم واهتمامكم الأول، كوزارة صحة ومنظمات أهلية.  أما بالنسبة لي فهذه المشكلة تعد واحدة من بين كثير من المجالات، وليس معنى ذلك أنني أقلل من أهميتها، بل إنني في موقع المسؤولية، وقد إستعرضت الجهد الذي قمنا به والمعوقات القائمة.  ولدينا أيضا قضايا في نفس المجال البيئي بمدينة رام الله، لا تقل خطورة، سواء مكب نفايات رام الله أو المياه العادمة التي تؤثر ليس فقط على صحتنا بل على مياه شربنا. وبالأمس، لم أستطع أنا شخصيا أن أفتح الشباك في منزلي لأن السناج في مكب رام الله يصل لغرفة نومي. أنا لا أتحدث هنا عن نعلين التي تعاني من الاختراقات البيئية والأمنية الأكثر خطورة من المكبات.  كما أن السيارات المسروقة والمخدرات  التي يتم تهريبها إلينا والموجودة في مقاهي رام الله، أليست هذه أيضا تدميراً للصحة؟ فعلينا ألا نتعامل مع مكب شقبا باعتباره عنوان الكارثة الوطنية، على أهمية الجهد الذي يجب أن يبذل من قبل المجتمع المحلي.  المسافة بين نعلين وبلعين كيلومترات معدودة، لكننا نجد في بلعين نشاطاً وطنياً أسبوعياً ومقاومة وموقفاً جماعياً دفاعا عن الأرض.  ومسألة المكبات والنفايات فيها أيضاً دفاع عن الأرض، إلى جانب الصحة.  فبإمكان الجمعيات والأهالي في نعلين أن يأخذوا قرارا بمواجهة الأقلية.  إنا لا أحملهم المسؤولية، لكني أقول بأن هناك أدوات ضغط كثيرة.  لكن، عندما أعتقل ثلاثة في منطقة ما متورطين في موضوع المكب، ويأتينا أهل البلد ويعتصمون في المحافظة ليلا، قائلين لن نترك إلا إذا أفرجت عنهم، وإلا سنعمل مذبحة في البلد، وهدف تبليغنا عن المتورطين هو توجيه إنذار لهم وليس اعتقالهم، فإذا اعتقلوهم نظهر بأننا مخبرون.

 

بلطجة وتهديد

سونا: ماذا تستطيعون عمله في التنسيق الإسرائيلي الفلسطيني في هذه المسألة لإيقاف أو إثارة هذا الموضوع إعلاميا من الجانب الإسرائيلي، كي تصبح رقابة للشركات الإسرائيلية الخاصة؟

د. سعيد:  لقد استنفدت كل الوسائل، حيث لم تعط أي جدوى.  وبعد أن حددنا الأشخاص الضالعين في موضوع النفايات، فالحل الأخير بالنسبة لنا هو كيف نحضرهم وكيف نقنع المجالس المحلية أن تتقدم بشكوى ضدهم، لأنه لا توجد قضية دون شكوى، وذلك كي نطبق القانون كما هو بآلياته المعروفة. لأنني لا أستطيع أن اعتقلهم وأقول أنهم موقوفون على ذمة المحافظ، فأول الناس الذين سيطالبون بإطلاق سراحهم هو أنتم.  ونحن نسمع يوميا عن التعسف في استخدام السلطة.

جورج كرزم (كاتب وباحث):  الذين حولوا أراضيهم لمكبات للنفايات الإسرائيلية يتصرفون بالبلطجة، باعتبار أنهم الأسياد ويمارسون التهديدات مثل ما صار في نعلين، وفي مناطق أخرى مثل كفر جمال وجيوس في محافظة طولكرم، وكفر لاقف في محافظة قلقيلية، وفي هذه الأخيرة حاول المجلس القروي اتخاذ إجراءات، فوجه المتورطون في هذه الجريمة تهديدا عنيفا لرئيس المجلس.  وهذا ينطبق أيضا على بتير في بيت لحم. فهذه الظاهرة موجودة ليس فقط في محافظة رام الله بل أيضا في محافظات الضفة الغربية، ويعتبر المتورطون أنفسهم بأنهم فوق القانون ومستهترون و"مستوطين حائط" الجميع.  وهذه  تدخل فيها شبكة وتدخلات حمائلية وأحيانا فصائلية ومراكز نفوذ وقوى.  وباعتقادي، البعد البيئي والصحي على أهميته وخطورته على بيئتنا وأرضنا وصحة أطفالنا، فإن البعد السياسي الأمني أخطر شأناً. فالمتورطون في هذه المكبات يتصرفون ويهددون منذ سنين طويلة من منطلق أن جهة إسرائيلية  تقف "في ظهرهم"، فبالتالي نحن نتعامل مع بعد أعمق لهذه الظاهرة، وذلك بغض النظر عن ادعاءاتهم، حيث إنهم غالبا ما يدعون بأن هذا مصدر رزق بالنسبة الهم لتوفير العيش لأولادهم ولأسرهم، وهذا عذر أقبح من ذنب ومثال صارخ كيف أن المتواطئ مع المحتل يبرر تواطؤه في تسهيل عملية تدمير أرضه وبلده.  فإذا كانت هذه هي ذريعتهم الحقيرة، فما المانع، واستنادا إلى نفس المنطق، ليس فقط من وضع النفايات الإسرائيلية في أرضهم، بل من أن يؤجروا أرضهم للمستوطنين أو حتى بيعها لهم، فعندها سيحصلون على أرباح أكبر كثيراً، وهذا باعتقادي هو البعد الأهم. فيفترض أن تكون هناك تدخلات غير تلك التي ذكرها د. سعيد، وبالإضافة للإجراءات القانونية التي تسير بها المحافظة وقد تقطع بها شوطا أكبر، وبخاصة أن د. سعيد ذكر أنه خلال أسبوعين أو ثلاثة المفروض أن تتوقف عملية إلقاء النفايات، وإذا لم تتوقف فستتخذ إجراءات.

د. سعيد:  هي حاليا متوقفة.

صالح الرابي (منسق نشاطات شبكة المنظمات الأهلية البيئية):  حسب معلوماتي لا تزال هذه العملية  مستمرة في نفس المكبات وفي نفس القرى.

على أي حال، قبل فترة نظمنا مسيرة في القرى الغربية مع المجالس المحلية في القرى التي فيها المكبات، فخفت الوتيرة، وبعد فترة رجعت نفس الظاهرة كما كانت.  هناك مسألتان  هامتان:  أولاهما: لا يحق لأي إنسان فلسطيني التصرف بالسيادة على أرضه على الإطلاق.  فهؤلاء الناس يبيعون السيادة على أرضهم، وهذا لا يحق لأي شخص.  قد يشتري أحدهم أرضا في البرازيل مساحتها بقدر نصف مساحة فلسطين، ولكنه لا يستطيع أن يؤسس دولة هناك، أي هو لا يشتري السيادة من دولة البرازيل أو استراليا أو كندا.  أما عندنا فتوجد حالة خاصة في العالم، إذ إن أي شخص قد يبيع قطعة أرض فهو يبيع السيادة عليها، بينما السيادة  لا  يملكها أي فرد منا، لأن السيادة للوطن، وبالتالي لا يحق لهم التصرف فيها.  المسألة الثانية، أن هذه الظاهرة في محافظة رام الله جديدة.  لكن إذا أخذنا بالاعتبار نفس الظاهرة التي في قلقيلية و الكفريات، وقبلها كان في مصنع "غيشوري" الإسرائيلي للكيماويات في طولكرم والذي منعته وزارة البيئة الإسرائيلية في إسرائيل، فنقلته عندنا على أرض طولكرم، وحاليا فإن نفايات ذلك المصنع قتلت الأرض، و الزيتون في الكفريات متأثر جدا من آثار ذلك المصنع، ويوجد كم كبير من حالات السرطان في أوساط الأهالي هناك.  كما أن الإفرازات الكيماوية السائلة تنزل على الحوض الجوفي في الكفريات وتنتقل من الشمال إلى الجنوب، ووصلت حاليا إلى بيت لحم.  ونحن نتحدث عن الشريط الغربي من الضفة الغربية، المحاذي للجدار، وعمليا، مع الزمن، سيصبح أيضا مكبا للنفايات، وهذا بالتأكيد بتواطؤ مع الإسرائيليين.

 

عصابات منظمة

محمود أبو شنب (مسئول حماية البيئة في سلطة جودة البيئة):  ظاهرة إلقاء النفايات الإسرائيلية في القرى الفلسطينية جديدة في رام الله فقط، ولكنها، كما ذكر جورج، ليست جديدة في مناطق أخرى تمتد على طول منطقة الخط الأخضر تقريبا،ً لأنها هي الأقرب.  بعض الأمثلة: قرية شوفة و الكفريات وكفر لاقف في قلقيلية، بتير في بيت لحم، إذنا في الخليل، وهذه جميعها أراض فلسطينية.  نحن أمام ظاهرة وليس أمام أحداث منفردة هنا وهناك.  وكما يبدو هناك عصابات منظمة تدير هذا الموضوع.  وتتكون هذه العصابات في تقديري من ثلاثة أطراف، الطرف الأول طرف إسرائيلي، والطرف الثاني عبارة عن متواطئين من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، والطرف الثالث يتكون من جهات متعاونة من الضفة، أغلبهم تحت ضغط الحاجة وعدم المعرفة بخطورة هذا الموضوع.  وعلى سبيل المثال، في قرية شوفة عرض المتعاونون موضوع المكبات تحت ذريعة إنشاء مزارع، وتبدأ العملية بفرد النفايات ومن ثم تغطيتها بتربة حمراء، وبعدها إقامة بيوت بلاستيكية.  وقالوا للسكان أيضا، أنهم سينشئون ملعبا في نفس المنطقة، وذلك بدفن النفايات ووضع التراب عليها لتسويتها وتجهيزها كملعب.  ولدينا أسماء من الإسرائيليين والفلسطينيين، وقدم لنا البعض بضع شكاوى.  من الناحية القانونية. قانون البيئة شديد جداً ويمنع تماما هذه الظاهرة.  قبل عام 2000 كانت هذه الظاهرة أخف، لكن بعد عام 2000 تفاقمت في ظل ضعف السلطة وتراجعها وظاهرة الفلتان الأمني، حيث إنها جزء مما يسمى الفلتان الأمني، تماما مثل تهريب الأغذية الفاسدة والمخدرات وسرقة السيارات.  ومن الواضح أن المحافظة تبذل جهدا كبيرا، وأنا شخصيا تفاجأت من أنها قطعت شوطا كبيرا، وبالتالي لا يمكن بأي حال أن نضع المحافظة موضع اتهام، هذا غير وارد على الإطلاق. بل بالعكس، من الواضح أن المحافظة اتخذت خطوات على الأرض في محاولة منها لمنع الظاهرة، ونجحت في جوانب.  لكن ضمن ظاهرة الفلتان الأمني فهي بحاجة إلى الجهات الرسمية للتعاون معها، والضغط الشعبي، لوضع حد لمثل هذه الظاهرة.

صالح:  يوجد في منطقة رام الله حوالي 6 مكبات تنتشر بين أرضي قبيا وشقبا ونعلين.  وهناك إصابات تحدث نتيجة هذه المكبات.  مثلا أصيب شاب بمرض طفح جلدي نتيجة زياراته المتكررة لهذه المكبات، علما بأن تلامذة المدارس ترتاد هذه المكبات لجمع بعض الأشياء وبيعها. وشاب أخر دخل مسمار في رجله، وثالث أصيب بمرض السرطان. وفي قطع أراضي زيتون يوجد على ثمار الزيتون طبقة كبيرة من السناج لا يمكن إزالتها.  يضاف إلى ذلك، أن الإسرائيليين يطلبون من الناس جمع بعض الخردوات من تلك المكبات مثل قطع الفضة والنحاس ليشتروها منهم.  أما السوق الفلسطينية فتستوعب الأبواب المهترئة والأخشاب والمواسير وغيرها.  إذن المسألة ليست فقط مصدر رزق لأصحاب الأراضي المؤجرة ولكنها أيضا مصدرا لجمع بعض النقود من قبل بعض العابثين والجهلة من صغار السن وطلبة المدارس وغيرهم.  كما توجد مع النفايات الطبية صور الأشعة التي يتم حرقها في المكبات ويستخرج منها مادة الفضة.  فشبكة المنتفعين أكبر من مجرد أصحاب الأراضي، فهناك بعض طلاب المدارس وأهاليهم وتجار الخردوات. ففي مدخل قرية شقبا يوجد تجار للخردوات التي توضع في حاويات بالسيارات الإسرائيلية وتنقل إلى إسرائيل، خاصة الخردوات التي تحوي معادن.  إذن، الشريحة الاجتماعية المستفيدة اقتصاديا آخذة في الازدياد، الأمر الذي يزيد من صعوبة مقاومة هذه الظاهرة، لأنهم سيقولون لك أنت تريد أن تقطع رزقي.

د. سعيد:  هذه المناطق في الواقع فقيرة ومهمشة، وقد لحق بسكانها حيف، وبخاصة بعد إنشاء الجدار والأضرار التي سببها لهم، من ناحية عدد العمال الذين كانوا يعملون في إسرائيل.  إذاً، لمواجهة  هذه الحالة في المناطق الغربية من المفروض العمل بشكل متواز على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للسكان، ثم تعميق الوعي بالمخاطر البيئية لمثل هذه المكبات، إلى جانب الجهد الأمني الضروري والإجراءات الحازمة، لأن مخاطر وتهديدات هذه الظاهرة أمنية بالمقام الأول.  لكن يجب ألا نلغي إمكانيات التهريب، فهي منطقة تهريب، وللأسف على حساب المصلحة الفلسطينية.

جورج:   يتصرف الإسرائيليون من منطق كولونيالي عنصري يتلخص بنقل التلوث الموجود في  إسرائيل إلى الضفة وغزة، باعتبار أن الناس فيهما متأخرون ومتخلفون.  وباعتقادي، لا تجدي نفعا كل محاولات العمل مع الإسرائيليين من خلال اللجان المشتركة مثل لجنتي البيئة والمياه للضغط على الإسرائيليين لاتخاذ الإجراءات ووقف ظاهرة المكبات، لأن هناك مشكلة أساسية عند الإسرائيليين تتجسد بالمنطق الاستعماري المقزم لنا ولحقنا في الحياة.  ثم إن لدى الإسرائيليين مشكلة جدية وخطيرة في قضية النفايات الخطرة.  فنحن لا نعرف كمية النفايات الإسرائيلية الخطرة التي يلقى بها في الأراضي الخاصة أو في المكبات المعروفة في مختلف أنحاء الضفة.  فالإسرائيليون، حسب مصادرهم، يستخدمون أكثر من مليون طن من المواد الخطرة، وحوالي نصف المخلفات الخطرة الناتجة تدفن في مكب "رامات حوفيف".  وما تبقى من نفايات خطرة، أي حوالي نصف الكميات، من غير المعروف أين يتخلصون منها.  وهناك عدة مؤشرات تشير إلى أن جزءا كبيرا من هذه المخلفات يتخلصون مها في الضفة الغربية التي تحولت إلى مكب كبير للنفايات الإسرائيلية.  ولهذه المسألة بعد مالي أيضا، لأن تكلفة دفن برميل النفايات الخطرة في "رمات حوفيف" 2000 دولار.  إذن، من الأوفر للشركات الإسرائيلية دفن هذه النفايات في الضفة وبأسعار بخسة جدا.  وأخطر من ذلك أن هناك متعاونين في رام الله و طولكرم و قلقيلية وغيرها يسهلون دفن هذه النفايات.  وبالإضافة إلى كلام د. سعيد حول الإجراءات القانونية وتدخل الجهات التنفيذية والشرطة والاعتقال، وهذا أحيانا غير متاح لأن السيطرة الفلسطينية مفقودة، وإسرائيل لا تسمح أصلا بالحركة في قرى غرب رام الله.  فيمكن أيضا التفكير أيضا باستخدام أساليب ضغط اجتماعية ودينية، لأن لدينا هنا، بالإضافة للمخاطر البيئية والصحية، هناك البعد السياسي والاجتماعي والديني المتمثل بالتعاون مع المحتل لتخريب البلد وأرض البلد وصحة الناس، وهذا يعد عمالة للاحتلال.  فبالتالي يمكن أن تكون هذه الضغوط باتجاه الإيعاز لمفتي فلسطين بإعلان الحرمان الاجتماعي والمقاطعة ضد أولئك المتعاونين في القرى، لأن الموضوع ليس فقط أمني وبيئي وصحي، ويمكن أن يكون للمحافظة دور في هذا البعد.

د. سعيد:  آن الأوان لاتخاذ إجراءات جذرية مباشرة ضد الضالعين في هذه الكوارث، حتى يكون واضحا بأن هناك موقفا حازما.  وكل الناس، حتى في هذه القرى يعرفون أن الأولاد يحضرون ألمنيوم وحديداً وقد يؤذَون، ويعرفون أن هذه ظواهر خطأ وضارة وتلحق بهم أذى، وبخاصة حين يتم حرق تلك النفايات وما ينبعث منها من روائح كريهة.  فالجميع يعرف أن هذا الأمر مرفوض وخطر ولا يخدم الصالح العام ولا صالح المجتمعات المحلية، ومع ذلك نجد أناسا ضعاف النفوس يتاجرون في هذه الأشياء ويقدمون أرضهم.  مثل هؤلاء الأشخاص لا يحللون ولا يحرمون.

محمود:  هذه الظاهرة مرفوضة من منظار وطني، لأنها تعاون مع العدو؛ وبالتالي يجب إظهار هؤلاء الناس باعتبارهم متعاونين، وبالتالي اجتماعياً يجب أن يكون مقاطعة لهؤلاء الأشخاص ونبذهم، فضلا عن  توجيه خطب الأئمة يوم الجمعة، في هذه القرى، للحديث عن هذا الموضوع والتحذير منه.  فكما يقول إمام الجامع إن بيع الأراضي لإسرائيل حرام، وجلب الأغذية الفاسدة حرام، كذلك أيضا عمل من يدفن النفايات الإسرائيلية في أرضه، الأمر الذي يعد ضارا بالبيئة والصحة والناس ومعاديا لتوجهاتنا الوطنية.

لكني أختلف مع جورج فيما يتعلق بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، فيجب أن نحاول ذلك أيضا، مع أن الأمر قد يكون غير ذي جدوى، لكننا يجب أن نمارس جميع الوسائل والضغوطات لوقف هذه الظاهرة. وعلى سبيل المثال اضطر الإسرائيليون إلى وقف المشروع في مكب النفايات الذي كان موجودا في كسارة أبو شوشة، نتيجة الضغوط التي مورست محليا ومع الجانب الإسرائيلي، وضغوط دولية.  ومن المحتمل أن المشروع لم يتوقف نهائيا. 

جورج:  من الضروري العمل على تفعيل ضغوط الجهات والمنظمات المحلية والدولية المهتمة بالبيئة وحقوق الإنسان لوقف التعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة فوق القوانين، حيث إن إسرائيل تتعامل معنا باعتبارها دولة فوق كل شي.  ويمكننا أيضا اللجوء إلى محكمة دولية، لأننا نقف هنا أمام ظاهرة خطيرة ومدمرة للناس، وهي امتداد للعقوبات الجماعية والقتل البطيء لأطفالنا على مستوى البيئة والأرض والتربة والمياه والإنسان، بل إننا تقف هنا أمام جريمة حرب، وبخاصة لأن القانون الدولي يمنع أي دولة محتلة من أن تتخلص من نفاياتها في الأراضي التي احتلتها.  إسرائيل وقعت على كل الاتفاقات والمعاهدات التي لها علاقة بحركة النفايات السامة والخطرة وكيفية التخلص منها، فهذه المعاهدات والاتفاقات تمنع دفن هذه النفايات الإسرائيلية في أراضي الضفة وغزة، باعتبارهما أرضا محتلة.  فإسرائيل تدوس على القانون الدولي والمعاهدات التي وقعت عليها. إذن، يمكن التوجه على أساس تحضير ملف كامل موثق بالحقائق والصور والمعلومات إلى الجهات الدولية،  كما حدث في قضية الجدار، فإذا لم نحصل من الجهات الدولية أو من محكمة العدل الدولية  على ما نريد، فعلى الأقل تحدث ضجة على مستوى الرأي العام العالمي والإعلام، وقد تتدخل جهات دولية مختلفة وتضغط أكثر، ولاحقاً يمكن المطالبة أو اتخاذ قرار بتشكيل لجنة علمية دولية محايدة تعمل على التحقيق بجرائم الحرب هذه التي تفترف من قبل إسرائيل، وليس فقط قضية المكبات والنفايات التي نتكلم عنها بمختلف المحافظات، بل مكبات للنفايات النووية في بعض قرى جنوب الخليل مثل الظاهرية و يطا والرماضين.  فيمكننا التفكير في عدة اتجاهات، وأعتقد أن هذا التوجه يمكن أن يكون أكثر فاعلية وتأثيرا من اللجان المشتركة، الإسرائيلية الفلسطينية.

د. سعيدبالنسبة للتنسيق مع الإسرائيليين، أنا لا أستطيع دخول منطقة تحت سيطرة إسرائيل لاعتقال شخص إلا بالتنسيق مع الإسرائيليين، وإذا كان المخالف يقود شاحنة إسرائيلية وهويته إسرائيلية فلا أستطيع أن  أخالفه أيضا.  وهناك قضايا أهم وأخطر، لا تتعلق بخدمة مصالح الاحتلال، بل أيضا إعاقة وتعطيل مصالحنا نحن، مثلا مسلخ البيرة الذي يقع في منطقة (أ) لا يزال الاحتلال يمنعنا من فتحه وتشغيله، هذا نموذج صغير عن المعاناة اليومية مع الاحتلال، ولماذا نحن مضطرون للتنسيق والمتابعة معهم كي نصل إلى نتائج واقعية تتعلق بحياتنا اليومية.

صالح:  مع بداية الانتفاضة أغلق مكب البيرة، فأصبحت كل النفايات الصلبة التي يجب أن تلقى هناك يتم التخلص منها في مكب رام الله، بالإضافة لنفايات العديد من القرى، فاتسع مكب رام الله ولم يعد يستوعب المزيد من النفايات، وأصبح في منتصف البلد.

 

التثقيف والإعلام

إبراهيم:  يجب أن نركز على الإعلام ونفعله، وهذا دور المنظمات الأهلية، بحيث يساعد الناس على الجرأة والمبادرة إلى التحرك ضد أولئك الأشخاص الذين يتسببون في الأذى للمجتمع.  وهناك أناس واعية في القرى متحمسة بهذا الاتجاه.  فقليلا قليلا تصبح هناك تراكمات.  ودور التثقيف يجب أن يتزامن مع الإعلام. لكن هذا لا يلغي ما قاله د. سعيد، لأنه إذا لم تسجن المتورطين ولو ليلة أو ليلتين، فهذا لن يردع الآخرين. وأنا أخشى أن يزيد عدد الناس الذين يؤجرون أراضيهم للإسرائيليين، وبخاصة عندما يجدون أنه لا يوجد عقوبات رادعة واعتقالات.  وأخشى أن يزداد عدد المكبات الإسرائيلية في قرى رام الله من ستة إلى ثمانية أو عشرة أو أكثر، علما بأن الحديث يدور عن نفايات خطرة.  إذن، لا بد من العمل على ثلاثة محاور، على مستوى المحافظة، المستوى الوزاري ومستوى المنظمات الأهلية.  وهكذا يمكننا أن نعمل وننجز شيء.

صالح:  المطلوب عمل حملات توعية.  ونحن على استعداد لعمل سلسلة من النشرات والمحاضرات ذات الصلة بهذا الموضوع.  وأقترح أن يضاف إلى المجموعة المجتمعة هنا من ترونه مناسباً، سواءً الشرطة أو الحكم المحلي أو وزارات وجهات رسمية ذات علاقة، بحيث تظل منعقدة تحت رئاسة المحافظ د. سعيد، وتظل تواكب الوضع.

وفي الشهر القادم سيحضر وفد من منظمة أصدقاء الأرض ليتعرف على بعض النشاطات التي ننفذها. وسنطلعه على هذا الموضوع، وقد نتحدث معهم على رفع هذا الموضوع وغيره إلى محكمة دولية، الأمر الذي يتطلب أن نكون بنشاط أكبر ومستمر.

د. سعيد:  أنت تتحدث عن محكمة دولية، إنما أساس المشكلة، كما تفضل الإخوة، يكمن في داخلنا، حيث إن لدينا أناساً تتطوع لخدمة الاحتلال، وهذا إضرار بالصالح العام ينبغي أن يؤخذ بجريرة الحق العام.  المهم أن لا يهب بعض أهالي هذه المناطق ضدنا عائلياً وقبلياً لإعاقة التحرك.  هذا الموضوع يشكل أحد اهتماماتنا الأولى.  فأينما تذهب في هذا الريف الجميل في رام الله تجد مكبات نفايات عشوائية.  ومن أهم المشاريع التي أنجزت في المحافظة، عمل محطة معالجة النفايات.

محمود:  في إطار الإجراءات لمقاومة هذه الظاهرة، يجب أن يأخذ القضاء مجراه، مثل إجراءات الحجز والسجن وغيره، وإلا سيكون هناك اتهام بالتعدي على حرية الإنسان.  وحين صدور حكم ضد أحدهم سيكون درسا رادعا لغيره.  إلا أنه يجب أن يكون هناك ضغوط لتسريع الإجراءات القضائية.  وحاليا فإن العديد من المخالفين في قضايا مختلفة يفرحون عند تحويل مخالفاتهم إلى القضاء، لأنها تستغرق سنين طويلة. أما إذا كانت الأضرار تقع على المواطن وأرضه ومياهه وصحته، فلا بد من تسريع الإجراءات القضائية الواضحة والسريعة والعقوبات الصارمة ضد الذين يقومون بمثل هذه الأعمال.

 من ناحية أخرى يجب الاتصال مع المؤسسات الدولية التي لها ممثلون في بلدنا وإبلاغها عن هذه الانتهاكات، مثل UNDP والصليب الأحمر ومنظمة "أوتشا" وغيرها، بالإضافة إلى الهيئة المستقلة لحقوق المواطن، باعتبار أن أمامنا اعتداء على البيئة وعلى حقوق الإنسان.

د. سعيد:  أنا تكلمت مع الصليب الأحمر وطلبت منه القيام بجولة لتقدير حجم الأضرار.  وبالفعل نفذوا الجولة وأخذوا عينات وفحصوها.

ملاحظة أخيرة. في مسيرة العمل الإعلامي أو في العلاقات مع الجهات الدولية التي لها اهتمام في هذا المجال، يجب أن نعمل وجه مقارنة ما بين أراضي الضفة الغربية المفتوحة للنفايات الإسرائيلية، من جهة، والمشاكل التي نعاني منها نحن في مكباتنا أو نفاياتنا الطبيعية التي تشكل احتياجاتنا الإنسانية، وبالتالي  نحن مضطرون لجعل مكباتنا في داخل التجمعات السكانية، خاصة في المناطق الغربية لرام الله وشمال القدس القريبة علينا، حيث الناس هناك يجبرون على حرق النفايات أمام أبواب منازلهم، وفي البراميل.

صالح ليس بالضرورة حتى تكون النفايات خطيرة وضارة للإنسان أن تكون نووية.  فمن الناحية العلمية كل النفايات الصلبة والسائلة إذا لم تعالج فهي ضارة.  فلا داعي للتفكير بأن النفايات الخطرة هي فقط النفايات النووية أو المشبوهة أو الطبية، بل حتى النفايات الطبيعية هي خطيرة جدا،ً فحرقها، واستخدامها، ولعب الأطفال بها، ووجودها بجوار المنازل، والحيوانات المؤذية التي ترتادها مثل الفئران والكلاب والخنازير، علما بأن هذه الظاهرة آخذة في الانتشار؛ مما يؤدي إلى نشر الأوبئة والأمراض، بالإضافة لأمراض الأطفال أو السرطانات أو الجهاز التنفسي أو الجهاز الهضمي وغيره.

 

لجنة متابعة

محمود: أنا أؤكد على ضرورة أن تكون لجنة متابعة.  لأن ما يحصل في العادة هو وجود ضغط ومتابعة مدة أسبوع أو أسبوعين، ومن ثم يتوقف العمل.  فبالتالي يجب أن تكون لجنة متابعة تتابع الأمر باستمرار، مما يساهم في الحل.

صالح:  نطلب لجنة متابعة ورئيسها د. سعيد، ونحن سنزودك بأية معلومات جديدة، ونعمل معاً نحن كمؤسسات أهلية ووزارات يمكن أن نعمل بالتنسيق مع الجهاز الرسمي حتى نعالج هذه الظاهرة ونمنع امتدادها وتفاقمها.

جورج:  العمل يجب أن يكون على مستوى المحافظات ككل.  فإذا لم تكن عملية ردع ومعاقبة جدية لكل المتورطين في هذه الجرائم،  فسوف تزداد الظاهرة وتتسع وتنتشر لتشكل ليس فقط خطرا  بيئيا وصحيا، بل أيضا خطرا أمنيا واستراتيجيا على كل البلد.

صالح:  سنخرج من هنا بلجنة دائمة برئاسة د. سعيد لمناقشة ومتابعة المشاكل البيئية وجمع المعلومات والتنسيق، بهدف حل مختلف المشاكل البيئية.

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: maalouf@yahoo.com

الموضوع: تعليق

التعليق:

السلطة الفلسطينية لا تستطيع اعتقال ومحاكمة المتعاونين مع الاختلال، سواء المتعاونين على أساس سياسي أم المتعاونين على تدمير الأرض والبيئة الفلسطينية، لأنهم محميون من الاحتلال والسلطة في آن معا، حسب اتفاقيات أوسلو.  فحتى لو حرق المتعاونون الأخضر واليابس في البيئة الفلسطينية، فسيبقون طلقاء يعربدون دون خوف أو وجل...وذلك بخلاف الوطنيين والمجاهدين الذين تسارع السلطة إلى ملاحقتهم واعتقالهم، بناء على الاتفاقيات الموقعة بهذا الخصوص مع الاختلال...


 

 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
الموضوع:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.