آذار 2008 العدد (1)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

March 2008 No (1)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب الصورة تتحدث الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

منبر البيئة والتنمية:

مزابل فوق القوانين

 

جورج كرزم

 

تفاقمت في الآونة الأخيرة تفاقماً خطيراً، الأمراض الخطيرة في قرى يطا والظاهرية وغيرهما من قرى جنوب الخليل المجاورة لمفاعل ديمونا الإسرائيلي ولمكبات النفايات النووية المنتشرة في محيطها.  ويشير كثير من المؤشرات إلى أن سبب تفشي هذه الأمراض هو التأثيرات الإشعاعية النووية الناتجة عن النشاطات النووية الإسرائيلية في صحراء النقب، وفي المحيط الجغرافي الواقع جنوبي الخليل.  وتبرز بشكل خاص،  الحالات المرضية المتمثلة في توقف النمو الطبيعي، والتشوهات الخلقية، والتخلف العقلي، وتساقط الشعر، والسرطانات، وبخاصة سرطان الغدة الدرقية والعظام والدم والرئتين.  ومع ذلك، لم يحرك ساكنا أي من المسئولين الفلسطينيين المنهمكين في اللقاءات والترتيبات السياسية - الأمنية مع زعماء "الدولة اليهودية"، ولم يرفعوا صوتهم احتجاجا لدى أصدقائهم الأميركيين والإسرائيليين لوضع حد للنشاطات النووية الإجرامية التي تمارس التعذيب والقتل البطيئين ضد أبناء شعبهم في قرى جنوب الخليل.  ولم يثر أولئك المسؤولون الضغوط السياسية والإعلامية الجدية والمؤثرة لدى المؤسسات الدولية المعنية، وعلى رأسها وكالة الطاقة الذرية.

كما أننا لم نسمع رئيسا أو أميرا أو ملكا عربيا واحدا يصرخ مطالبا  بنزع ترسانة السلاح النووي الإسرائيلي الذي يشكل تهديدا إرهابيا حقيقيا ومدمرا لجميع أشكال الحياة الإنسانية والبرية والمائية والحيوانية والنباتية في الوطن العربي برمته، بل وفي جميع الدول الإسلامية.  هل سبب صمت أولئك الزعماء على إسرائيل هو اعتبارها غير خطرة عليهم وعلى شعوبهم العربية؟  أم إنهم مشغولون بالعروض المغرية التي قدمها لهم التاجر النووي ساركوزي الذي زار الخليج العربي مؤخرا، مروجا فيه ومسوقا لمفاعلات نووية فرنسية "سلمية"؟  ثم، لماذا أصبحت هذه المفاعلات الممنوعة على إيران، مسموحة فجأة للأنظمة العربية الحليفة للغرب؟   

 

سماسرة النفايات

لا يزال الصهاينة، وبشكل أقوى من أي وقت مضى،  يلقون ويدفنون نفاياتهم الصناعية في المناطق المجاورة والمحيطة بالقرى والمدن الفلسطينية. 

ويتصرف الإسرائيليون في الضفة الغربية بمطلق الحرية، من ناحية تدميرهم البيئة المحلية وإلحاق الأذى الصحي بالفلسطينيين، فتعمد المستعمرات والمصانع الإسرائيلية إلى إلقاء نفاياتها الصلبة والسائلة والغازية في الأراضي والحقول وجوانب الطرق والأودية الفلسطينية، وفي جوار أو بداخل المناطق الفلسطينية المأهولة، دون أية رقابة أو قيود؛ الأمر الذي يؤدي إلى نشر الأوبئة والأمراض لدى السكان الفلسطينيين وتخريب أراضيهم ومزروعاتهم.   

وتشير الدلائل، إلى أن الدولة اليهودية تعمل على تدمير البيئة الفلسطينية وبالتالي إلحاق الأذى الصحي بفلسطينيي الضفة والقطاع، عبر تسهيل عمليات تهريب النفايات الكيماوية والطبية وغيرها من النفايات السامة من إسرائيل إلى أراضي الضفة والقطاع، ويتم ذلك، أحيانا كثيرة، بمساعدة حفنة من المتعاونين مع الاحتلال.  كما تعمل إسرائيل على دفن مخلفات الصناعات العسكرية في الأراضي الفلسطينية؛  وبالرغم من اكتشاف كثير من هذه الحالات، إلا أن حالات كثيرة لم يتم الكشف عنها.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تستخدم سنويا أكثر من مليون طن من المواد الخطرة، كما أن نصف المخلفات السامة الناتجة يتم التخلص منها في مكب النفايات القطري الإسرائيلي في "رامات حوفيف" الواقع في صحراء النقب، وباقي كمية المخلفات لا يعرف مصيرها على وجه التحديد.  ويعتبر مكب النفايات الخطرة في "رمات حوفيف" مشكلة بيئية كبيرة؛ إذ يعاني السكان هناك من روائح كريهة ويتخوف الإسرائيليون من احتمال تلوث المياه الجوفية في تلك المنطقة بالمواد الخطرة، فضلا عن تلوث التربة المحيطة بالموقع. وكذلك يعتبر التخلص من النفايات السامة والخطرة في "رامات حوفيف" مكلفا بالنسبة للإسرائيليين (كلفة دفن البرميل الواحد تبلغ ألفي دولار)؛ لذا فإن  التخلص من تلك النفايات، بطرق غير مشروعة، في الضفة والقطاع، يعتبر "حلا ممتازا" بالنسبة للصناعيين الإسرائيليين العنصريين وعديمي الضمير الذين يتعاملون مع تلك المناطق باعتبارها "تحوي بشرا متخلفين" ولا قيمة لحياتهم! 

ولا توجد أية مؤشرات تدل على أن المصانع الإسرائيلية لن تواصل دفن مخلفاتها السامة والمحرمة دوليا في أراضي الضفة والقطاع، علما بأن أصحاب بعض تلك المصانع أبرموا عقودا مع زعماء المستعمرين الإسرائيليين تقضي بمساعدتهم على دفن النفايات الخطرة في الضفة والقطاع.  إن بقاء السيطرة الإسرائيلية التامة على أراضي الضفة الغربية، يسهل على الإسرائيليين تنفيذ مخططاتهم المتعلقة بدفن نفايات مصانعهم الخطرة في هذه الأراضي.   

وبالرغم من أن القانون الدولي يمنع الدولة المحتلة من إلقاء نفاياتها في الأراضي التي تحتلها، إلا أن الشاحنات الإسرائيلية تعمد يوميا إلى تفريغ حمولاتها من النفايات الطبية والبلاستيكية والغذائية وغيرها من النفايات السامة والخطرة، في بعض أراضي القرى الفلسطينية، مثل: نعلين، وشقبا، وقبية وغيرها، بتسهيل من الجيش الإسرائيلي على الحواجز، وبالاتفاق مع أصحاب هذه الأراضي الفلسطينيين ضعاف النفوس الذين يتقاضون، مقابل ذلك، مبالغ مالية من الشركات الإسرائيلية. 

ومن المعروف، أن أصحاب هذه الأراضي يعمدون إلى حرق النفايات الإسرائيلية في أراضيهم، مما يتسبب في انبعاث الغازات السامة الخطرة التي تهدد الأراضي ومصادر المياه والبيئة الفلسطينية، والصحة العامة، ناهيك عن تدميرها الغطاء الأخضر، وإطلاقها الروائح الكريهة؛  كما يعمد بعضهم الآخر إلى جمع بعض النفايات الخطرة وإعادة بيعها.

وما هو أنكى من ذلك، إدعاء أولئك السماسرة، بأن جل عملهم هذا لا يعدو كونه مصدر رزق لهم، يؤمنون بواسطته عيش أطفالهم وأسرهم!  وفي سياق نفس هذا المنطق التجاري الرخيص والخطير الذي يدوس كل القيم والأعراف والأخلاق الوطنية والإنسانية، والذي يبرر التواطؤ مع المحتل لتدمير بيئتنا وأرضنا ومياهنا وإنساننا، مقابل حفنة من الشواقل القذرة، نتساءل:   لماذا لا يؤجر أولئك التجار أراضيهم أو حتى يبيعونها للمستعمرين، ويحصلون بالتالي على مبالع مالية أكبر بما لا يقارن مما يحصلون عليه حاليا؟   

وبالإضافة للبعد البيئي – الصحي المدمر الكامن في ظاهرة تحويل بعض الفلسطينيين أراضيهم إلى مكبات للنفايات الإسرائيلية، ألا تعد تلك الظاهرة أيضا تعاونا مع المحتل لتدمير الأرض والبيئة والإنسان الفلسطيني؟  وبالتالي، ألا يجب التحرك فورا لوضع حد لهذه الأعمال والانتهاكات المنافية لقيمنا وأخلاقنا الوطنية والبيئية الفلسطينية؟

إن منطقا كولونياليا عنصريا يقف وراء الممارسات  الاسرائيلية المخلة بالبيئة الفلسطينية.  وملخص هذا المنطق العنصري، أن لا بأس من تطهير البيئة "الإسرائيلية" عبر نقل التلوث الإسرائيلي إلى المجتمع العربي "المتأخر"، علما بأن إسرائيل عملت على التخلص من بعض صناعاتها الملوثة بشكل خطير للبيئة، عبر نقلها إلى الضفة الغربية.  وبحكم الوجود الاستعماري الاستيطاني العسكري في فلسطين، فإن نقل التلوث الإسرائيلي إلى الضفة والقطاع يتم قسرا وبالقوة المسلحة.

وحينما يلقي الصهاينة نفاياتهم، ويدفنون مخلفاتهم الكيماوية السامة والمشعة في أراضي التجمعات الفلسطينية، فإنهم ينطلقون من تعاملهم مع تلك التجمعات من منطلق كولونيالي عسكري عنصري منسلخ عن الآدمية، باعتبار أن المجتمع الفلسطيني، بسكانه وبيوته ومدارسه وأطفاله ما هو إلا "مكب" احتياطي لنفايات الصهاينة الذين وحدهم يستحقون الحياة!     

 

مزابل إسرائيلية في غزة

وهنا يجب ألا ننسى عملية تحويل إسرائيل قطاع غزة إلى مكب كبير للنفايات الخطرة والمؤذية، وذلك بسبب ما خلفه ولا يزال يخلفه يوميا، قصف الطائرات والدبابات والمدفعية  الاسرائيلية للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، من كميات هائلة لمخلفات المباني والمنشآت التي تظل متراكمة لفترات طويلة، مما يشكل تهديدا جديا للبيئة والصحة العامة، علما بأن بعض هذه المخلفات تحوي مواد خطرة وقاتلة؛  فالكثير من مواد البناء الإسمنتية في الضفة الغربية وقطاع غزة مصنعة من الأسبستوس السام، وعند قصف المباني المحتوية على الأسبستوس، ينتج غبار يحوي ألياف الأسبستوس، مما يهدد صحة وحياة الأشخاص القاطنين بجوار المباني المدمرة.  كما أن الكثير من مخلفات قصف الجيش الإسرائيلي، وألغامه وأجسامه المشبوهة ما تزال تواصل انفجارها في البيئة الفلسطينية، وبجوار التجمعات السكانية، فضلا عن وجود بعض المكونات المشعة في مخلفات الطائرات الحربية  الاسرائيلية، في الأراضي والتجمعات الفلسطينية.

وكذلك يجب ألا ننسى تواصل مشهد الأكوام الضخمة من نفايات المستعمرات في أراضي قطاع غزة التي انسحبت منها قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 2005، وما تحويه تلك النفايات من مواد وغازات سامة تشكل خطرا جسيما على بيئة وصحة أهلنا الغزيين.    

 

دولة فوق القوانين

بالرغم من توقيع إسرائيل على جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تعالج حركة المخلفات السامة وكيفية التخلص منها، إلا أنها، ومع ذلك، تنتهك تلك الاتفاقيات والمعاهدات التي تحرم التخلص من النفايات الخطيرة والسامة، أو دفنها في الأراضي الفلسطينية.

 والمطلوب حاليا من الجهات والمؤسسات والقوى الفلسطينية المعنية، أن تتحلى بالجرأة والشجاعة والقوة المادية الفعلية لمواجهة الاعتداءات  الاسرائيلية على البيئة، وبالتالي على الإنسان الفلسطيني. 

والمطلوب أيضا، بشكل أساسي، من المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية المدافعة عن البيئة وحقوق الإنسان، أن تعمل على وضع حد للتعامل الغربي مع إسرائيل باعتبارها دولة فوق القوانين، وأن تضغط على السلطة  الاسرائيلية المحتلة  لوقف ممارساتها الإرهابية ضد البيئة والإنسان في فلسطين.

كما يجب أن تقوم المنظمات الدولية المختصة، بعملية تقييم علمي شامل لما سببته الممارسات  الاسرائيلية المدمرة للبيئة وللإنسان الفلسطيني من أضرار وكوارث، ومن ثم تقديم المجرمين إلى محكمة دولية.   

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: jamilfahoum@store-edu.org

الموضوع: تعليق

التعليق:

لقد قرأت لك سابقا بعض المقالات الفكرية والسياسية العميقة في الطرح والتحليل، وها إني سعيد أن أقرأ لك مرة أخرى معالجة علمية رزينة ورصينة حول الدور الصهيوني في تشويه وتخريب وقتل كل ما هو جميل في بيئتنا العربية.  لدينا تضخم سرطاني في عدد \"الكتبنجية\" لكن قلة هم أمثالك الذين يتخلون بالمبدئية والأصالة والموضوعية والنزاهة.


البريد الالكتروني: massar-nassar@yahoo.com

الموضوع: تعقيب على مقالة مزابل فوق القانون

التعليق:

 

لقد أمسك الكاتب جيدا بجوهر الدوافع الصهيونية لمعاداة البيئة الفلسطينية، والمتجسد بالمنطق الكولونيالي العنصري الذي يقف وراء الممارسات  الإسرائيلية المخلة بالبيئة الفلسطينية.  وهذا يعني بأنه من المشروع تطهير البيئة \"الإسرائيلية\" عبر نقل التلوث الإسرائيلي إلى المجتمع العربي المتخلف الذي لا يستحق الحياة.ثم إن الإجابة على تساؤل الكاتب حول عدم رفع المسؤولين الفلسطينيين صوتهم احتجاجا ضد الجرائم البشرية والبيئية النووية الإسرائيلية، أو عدم تحرك الأنظمة العربية ضد الترسانة العسكرية النووية الإسرائيلية التي تهدد الأمة العربية والإسلامية وبيئتها الطبيعية الغنية بالفناء، الإجابة تكمن، باعتقادي،

في أن أولئك \"المسئولين\" و\"الزعماء\" ربطوا عروشهم ومصيرهم ووجودهم ومصالحهم الوجودية باستمرار وجود ومصالح الوجود الصهيوني من ناحية، والوجود الأميركي الاستعماري المعربد في الوطن العربي من ناحية أخرى.  لذا فهم لا

يتجرؤون على التمرد، لأن هكذا تمرد يعمل ضد ارتباطاتهم ومصالحهم الوجودية.


 

 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
الموضوع:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.