خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
مرَّ نحو عامين، عاش فيهما أهل غزة حياة لا يمكن أن يحكي عنها إلا هم، وأحدهم الشاعر الشاب أنيس غنيمة (33 عاماً)، الذي يرى أنه بعد مضي هذا الوقت، "لم يعد القتل جراء القصف حدثًا صادمًا، بل هو الروتين اليومي، وكأن حياة الغزيين باتت مقبرة جماعية واسعة، والوقت فيها مجرد مساحة بين شهيدٍ وآخر". لقد اختصر المأساة كلها حين أخبرنا في حديث طويل، أن الجميع في العام الثاني تحولّ من الصدمة إلى الاستنزاف، "بمعنى آخر، في العام الأول كنا نعيش على الأدرينالين ونتشبث بأي بصيص أمل، أما الآن، فقد تراكم التعب جسدياً ونفسيًا، والقتل أصبح روتيناً والجوع واقعاً يومياً واليأس عميقًا"، يقول غنيمة. حول تفاصيل المعاناة اليومية وويلاتها التي يعيشها الشاعر الشاب كما كل الناس، أجرينا حوارًا عميقًا معه؛ كعمق هذا اليأس الذي يحاول سحق الأمل، وفي لحظة وجوم نظن أنه قد هزمه.
|
 |
| استمرار أزمة النزوح وقلة الإمكانات- بلدية غزة |
مرَّ نحو عامين، عاش فيهما أهل غزة حياة لا يمكن أن يحكي عنها إلا هم، وأحدهم الشاعر الشاب أنيس غنيمة (33 عاماً)، الذي يرى أنه بعد مضي هذا الوقت، "لم يعد القتل جراء القصف حدثًا صادمًا، بل هو الروتين اليومي، وكأن حياة الغزيين باتت مقبرة جماعية واسعة، والوقت فيها مجرد مساحة بين شهيدٍ وآخر".
لقد اختصر المأساة كلها حين أخبرنا في حديث طويل، أن الجميع في العام الثاني تحولّ من الصدمة إلى الاستنزاف، "بمعنى آخر، في العام الأول كنا نعيش على الأدرينالين ونتشبث بأي بصيص أمل، أما الآن، فقد تراكم التعب جسدياً ونفسيًا، والقتل أصبح روتيناً والجوع واقعاً يومياً واليأس عميقًا"، يقول غنيمة.
حول تفاصيل المعاناة اليومية وويلاتها التي يعيشها الشاعر الشاب كما كل الناس، أجرينا حوارًا عميقًا معه؛ كعمق هذا اليأس الذي يحاول سحق الأمل، وفي لحظة وجوم نظن أنه قد هزمه، التفاصيل تُتبع:
تُرى ما الذي تغيرّ داخلكم يا أنيس في الآونة الأخيرة؟
ما تغيّر تحديداً – ربما أكثر من غيره- هو فقداننا لوهم "النهاية القريبة"، في العام الأول، كنا نعدّ الأيام فقط، فما تفعله الحرب أنها تخدّرك تمامًا لتصدّق أنك على وشك أن تنجو، لكنها سرعان ما تعود لتبعد هذا الوهم، الآن نعيش وكأن الحرب حتمية أبدية، أطفالنا على سبيل المثال، لم يعودوا يخافون من الأصوات المرعبة للقصف، بل تعلموا العيش معها.
عامان من قلق دائم، كوابيس تتبعك حتى في اليقظة، وشعور بالذنب لأنك ربما ما زلت تعيش بينما الآخرون قد رحلوا، كل يوم نستيقظ على أصوات القصف، ونعيش في انتظار من سيُقتل أو يُجرح من حولنا، صارت صحتنا النفسية رفاهية لا نملكها، فكيف نعالج اكتئابنا ونحن لا نملك دواءً للصداع!

أنيس غنيمة في بيته بالشجاعية قبل أن يُسوّى بالأرض تماماً
الأصعب من ذلك، هو كيف صارت المآسي العادية غير قابلة للوصف، موت طفل بالجوع لم يعد خبراً، عائلة كاملة تحت الأنقاض صار إحصائية فقط. الحرب لم تعد حدثاً نعيشه، بل أشبه بهوية نحملها، نحن أبناء الحرب بلا شك.
أخبرنا عن أصعب ما تواجهه مع عائلتك في مجريات الحياة اليومية لا سيما ما يتعلق بتوفير الماء والطعام؟
حسناً، لو تحدثنا عن الماء، فإن أصعب ما فيه ليس قلّته فحسب، بل الذل الذي يرافق الحصول عليه. كل صباح، نهرع بجرّاتنا الخاوية إلى نقطة التوزيع، حيث طوابير من النساء والأطفال ينتظرون لساعات تحت الشمس أو المطر، خاصة بعد النزوح الأخير لمنطقتنا، يصل فيها الطابور لمائتي شخص أو أكثر عند حنفية ماءٍ واحدة.
مرةً، انسكب الماء الذي انتظرنا ثلاث ساعات للحصول عليه، فتحول اليوم كله إلى مأساة، النظافة شيء من رفاهية، لكن ماذا تفعل عندما تكون كمية الماء بالكاد تكفي للشرب؟
أحيانًا أضحك حين أتذكّر أنني كنت أقلق بسبب "تأخير إطلاق مشروع"، الآن، لو عدت بعد ساعة وحدة من الذهاب لجلب الماء، أعدّ ذلك "إنجازًا".
ننتقل إلى جزء آخر من يومياتنا وهو الطهي على الحطب، لم نعد نعرف رائحة الطعام، بل رائحة الدخان الذي يلتصق بملابسنا.

أهالي غزة يعيشون تجويعًا قاسيًا
تحولت الأراضي المتبقيّة إلى مصادر للحطب، كما أننا صرنا نحرق الأثاث والكتب لطهي الطعام؛ لكن مع هذا، فإن الجوع أقوى، في إحدى المرات، أحرقت يدي وأنا أحاول إشعال النار، وأتذكر أني حفرت حفرة صغيرة على مقاسها ودفنتها بالرمل كي تبرد.
الإنجاز الوحيد الذي أفخر به الآن هو أنني تعلمتُ كيف أشعل النار بأقل كمية حطب، وكيف أُحوّل علبة طماطم فاسدة إلى صلصةٍ صالحة للأكل.
أما الوجبات صارت بسيطة جداً، غالباً شوربة عدس بلا زيت أو بهارات، حتى رائحة الطعام الطبيعي بدأت تختفي من ذاكرتنا.
وحقًا لا شيء أصعب من تأمين وجبة طعام واحدة لليوم، لأنك ستضطر إلى إنفاق مبلغ كبير من المال، والبحث لساعات عن شيء يمكن أكله، إذ لم يعد السوق مكانًا لشراء الطعام، بل مسرحًا للمذلة، علبة الفول المعلّب التي كانت بـ 3 شواكل صارت بـ 50، وكيلو الطحين الواحد يُباع بثمن الذهب، وهو يوميًا في حركة صعود لا يبدو أن لها نهاية.
شأن آخر، المواصلات، أضحت السيارات قليلة جداً، وكثير منها يعمل على وقود بدائي، الأجرة التي كانت بشيكل أصبحت 10، وهو مبلغ كبير لمن يتنقل يومياً.
نضطر في غالب المرات للتنقل على عربة كارو "عربة يجرها حمار"، وأذكر قبل ليال قليلة، في الواحدة بعد منتصف الليل جاء نازحون عندنا هربًا من القصف في منطقتهم، ونزلت لأبحث لهم عن وسيلة نقل، غير أنني وصلتهم وأنا أبحث، ثم أخذنا نتساعد في حمل امرأة عجوز كانت معهم.
ولو نظرنا إلى الصحة، فالمرض العادي هنا قد يقتل، لأن الصيدليات شبه خاوية، والمستشفيات تعمل بأقل إمكانيات.
عندما أُصيب عمي بالتهاب رئوي، اُضطررنا لاستخدام أعشاب محلية للعلاج، بينما كنا نسمع صوت أنينه طوال الليل. الأدوية إن وُجدت تبُاع في السوق السوداء بأسعار خيالية؛ حبة البنادول العادية تُباع بقيمة يوم عمل كامل! والأمراض الجلدية -من قلة النظافة- صارت وباءً يصيب الجميع.

ركام وخراب بسبب آلة الحرب والتدمير- بلدية غزة
أي نوع من الحياة كنت تعيش قبل الحرب؟ وأي ملامح فيك تبدلّت بعدها؟
إلى جانب الكتابة، كنت مديرًا تنفيذيًا لشركة تقنية ناشئة، كنا نصنع حلولًا رقميّة لشركات في دول الخليج وأوروبا، في مكتب واسع، وفريق من الشباب الطموح كانوا عائلتي الثانية.
كنت أرتدي بدلة أنيقة لأجل اجتماع افتراضي مع عميل في طرابلس، ثم أذهب مساءً إلى مقهى "الباقة" لأقرأ كتابًا على صوت الأمواج، أو أقابل بعض الأصدقاء.
الآن؛ كلّ شيءٍ تحوّل إلى ركامٍ، حرفيًا ومجازيًا، أي من البدلة إلى "ملابس النجاة". مكتبي صار ركامًا تحت أطنان الإسمنت، حاسوبي المحمول الذي كان يحوي مشاريع وأفكار وخطط صار قطعة معدنية مشوّهة فحسب، وبدلاً من الاجتماعات، صار يومي "اجتماعات" مع طوابير المياه.
الذكاء الاصطناعي الذي كنت أتحدّث عنه في نقاشاتنا الداخلية صرت أستخدمه الآن لتحليل خرائط القصف عبر تطبيقات مفتوحة المصدر.
قيادة الفريق تحوّلت إلى قيادة عائلتي في رحلات الهرب من القصف، وأصعب قرارٍ اتخذته كان اختيار أي غرفةٍ نلجأ إليها عندما نسمع الطائرات (لا توجد غرفة آمنة، لكنّك تمارس "خداع الذات" كي لا يرتعش صوتك أمام العائلة).
كان لديّ ايمان بأن التكنولوجيا تحرّر الإنسان، لكنّي رأيت كيف يمكن للعالم أن يتفرّج على مأساتنا عبر الهواتف الذكية، ثم يغلق التطبيق وكأن شيئًا لم يكن.
ورغم كل شيء، أحلم بيومٍ أُعيد فيه بناء شركتي، ليس في مبنى يطل على البحر، بل في خيمةٍ إذا لزم الأمر. لأن الحرب سرقت منّا كل شيء إلا إصرارنا على أن نكون بشرًا، وهذا في حدّ ذاته شيء نعرفه ويعرفنا.

أنيس غنيمة
هل حاولت أسرتك الزراعة في محيطكم أسوةً بتجارب عديد من الأسر؟
نعم، نحاول الزراعة في أي مساحة متاحة - أوانٍ بلاستيكية، عبوات مياه معدنية مقطوعة، حتى أحواض الغسيل القديمة.
لكنها معركة غير متكافئة، وفيها تحديات لا تحصى، لكنها، أي الزراعة، لم تعد مصدر غذاء بقدر ما هي علاج نفسي - فعل مقاومة يذكرّنا أن الحياة ممكنة، عندما يلمس الأطفال التراب ويرون البذور تنمو، يبتسمون وكأنهم يكتشفون معجزة.
لكن الحقيقة المرّة أن هذه الزراعات لا تكفي حتى لوجبة واحدة، إنها مجرد إشارة استغاثة خضراء للعالم الذي يتفرج على تجويعنا.
ما أكثر مشهد يومي تستاء منه على المستوى البيئي إلى درجة أنك تتمنى في نهار لو أنك لا تخرج من بيتك.. حتى إلى البحر لا تود أن تهرع إليه؟
أكثر ما يدمرني يومياً هو رؤية غزة تتحول إلى مكب نفايات مفتوح، حيث تتراكم أكوام القمامة في كل زاوية، وتصبح روائحها الكريهة جزءاً من هوائنا.
الأشجار التي كانت تظلّل الشوارع وتنقّي الهواء قُطّعت لاستخدامها حطباً للطهي والتدفئة، تاركةً وراءها جذوعاً ميتة
تشبه أعمدة المقابر.
أما البحر، الذي كان ملاذنا الوحيد للراحة، فقد تحوّل إلى مجرى للمياه العادمة والمخلفات الطبية والصناعية بعد تدمير البنية التحتية.
الأمواج لم تعد تلفظ الأسماك، بل تلفظ نفايات الحرب، عبوات أدوية فارغة وبقايا عبوات مساعدات إنسانية. رائحة العفن تطغى على رائحة الملح، والأطفال الذين كانوا يلعبون على الشاطئ صاروا يمرضون من مجرد لمس الماء.
الشارع لم يعد شارعاً، بل مساراً بين أكوام القمامة المحترقة وجذوع الأشجار المقطوعة، وكلاب ضالة تتغذى على النفايات.
الأمر الأقسى هو أننا نعرف أن هذا التدمير البيئي سيبقى لعقود حتى بعد توقف الحرب. التربة ملوثة، المياه الجوفية مسمومة، والهواء مُحمّل بالأمراض.
نحن لا نخسر بيوتنا فقط، بل نخسر إمكانية العيش في بيئة آمنة لأجيال قادمة، كل يوم أخرج فيه، أرى غزة تختنق، وأتمنى لو أن بإمكاني الاختباء من هذا المشهد.. لكن أين؟ فالخراب في كل مكان.

كارثة تكدس النفايات تفاقم المعاناة الصحية والبيئية- بلدية غزة
هل جمعك حديث عابر مع مزارع أو صياد وشعرت ساعتها أنه صبّ عليك الأمل والألم؟
في صباحٍ غائمٍ على شاطئ مدينة دير البلح، حيث لا تزال القوارب المشوّهة تحاكي الحرب. التقيت "أبو يوسف"، صيادٌ في الخمسين، عيناه تشبهان شبكته الممزقة؛ ثقوبٌ من الألم، وخيوطٌ من العناد.
قال لي وهو يفرّغ سلّته من السمك الصغير "البذرة": "انظر.. البحر صار بخيلاً مثل هذا العالم، يرمي لنا بالفتات أيضًا لكي نبقى على قيد الحياة ليوم آخر فقط".
لكنّ يديه المُتشقّقتين من الملح والدم لم تتوقفا عن إصلاح الشِباك! سألته: "ألم تفقد الأمل؟" أجابَ بينما يربط عقدةً بسرعة البرق: "إن رميتُ الشبكة للمرة الألف بلا طائل، ربما في الألف والواحدة سأصطاد.. لو حتى مجرّد سمكة تكفي لأطفالي."
هو يعرف أن البحر خطِر، وأن مهنته الوحيدة التي يعرفها قد تحوّله فجأة إلى شهيد جديد، لكنه كان يرمي شبكته كأنها صلاةٌ يرفعها كلّ فجرٍ على موتٍ مؤجّل.
في هذه اللحظة أي صنفٍ من الطعام تشتهي وتود لو أن العَالم بأسره يُحرم مما تشتهيه؟
أتوق إلى قطعة خبزٍ دافئة لم تختلط رمال الحرب بدقيقها، هل هذا كثير؟ خبزٌ لا يذكّرني بأن الفرن الذي خَبزه قد يكون القبر التالي. لا أريد أن يُحرم العالم من خبزه، بل أريد أن يفقدوا لذّة الأكل حتى يذوقوا مرارة الضمير، هل أتجنّى عليهم؟
ليتهم يعرفون كيف يصبح الطعام مجرّد فكرةٍ غامضة في الذاكرة، أي عندما يتحوّل الجسد إلى وعاءٍ للألم، وحين تنسى كيف كانت خضراوات الصيف تنفجر حلاوةً في الفم قبل أن تتحوّل إلى سلعةٍ نادرة الآن في سوق الجوع.
أتذكّر آخر وجبةٍ أكلتها بسلامٍ، كانت بيضًا مقليًّا مع زيت الزيتون، وضعتْه على المائدة وأنا أضحك من محاولات تقليد مهارة تقليب المقلاة.
العالم يعرف الجوعَ تجربة مؤقتة بين الوجبات، أما نحن فصرنا نعرفه كحالة وجودية: جوعٌ للطعام، للعدالة، للحياة ذاتها.
لذا لا أشتهي طعامًا معينًا، بل أشتهي أن أعودَ بريئًا كفاية لأستمتع بأي طعام.
أتمنى لو يذوق العالم -لو لليوم واحد- طعم الخوف الذي يلتصق باللقمة الأولى، حين لا تعرف إن كنتَ ستتمّ الأخيرة.
ربما حينها سيدركون أن "الخبز" ليس مجرد سعراتٍ حرارية، لكنّي، في النهاية، لا أريد أن يجوعوا، أريدهم فحسب أن يستعيدوا إنسانيتهم المفقودة.

أنيس قبل الحرب
ما أقسى ما يدمى قلبك في هذه الحرب من بين آلاف ما يُدمي يا أنيس؟
أقسى ما يدمي القلب هو رؤية الأطفال يموتون ببطء. ليس فقط تحت الأنقاض، بل في صمت الخيام وما تبّقى من بيوت؛ جوعاً أو مرضًا أو حتى بسبب البرد الشديد.
طفل يصرخ من الجوع وليس لديك ما تقدمه له. رضيع يموت لأن الأدوية غير متوفرة، ووالده يدفنه في المساحة قرب سكنه الحالي لأن المقابر ممتلئة.
الأمر الأقسى أن هذا يحدث أمام أعين العالم كله، الذي يتابع المأساة كما يشاهدون مسلسلاً، ثم يغيرون القناة عندما تصبح المشاهد "غير مريحة".
الموت السريع تحت القصف قد يكون أهون من الموت البطيء لحياتنا بالأساليب المبتكرة كل يوم. أن ترى طفلاً يفقد بريقه، أن تشيخ نفسك قبل الأوان، هذه هي صورة صغيرة فقط عن الحرب الحقيقية - ليس فقط القتل، بل قتل الأمل في الحياة نفسها.
وكأن "الأمل" مفردة تبدو غريبة بعد كل هذا؟
الأمل هنا مثل شمعة في عاصفة، نحميها بأيدينا المرتعشة، نعرف أنها قد تنطفئ في أي لحظة، لكننا نرفض أن نترك الظلام يبتلعنا كلياً، ربما لم يعد الأمل حلماً بالغد، بل مجرد فكرة مضادة للتلاشي؛ وهذا شيء نعرفه الآن جيدًا.
على سيرة الأطفال.. ما أصعب ما رأيته ولم تملك دموعك؟
كثير. لكني أذكر الآن، مشهد جثة طفلة جاؤوا بها مع عدد من الشهداء إلى مستشفى أبو يوسف النجار في أثناء نزوحنا في رفح، كنت أقيم وقتها مع صديق مصاب، كانت الطفلة ممددة لساعات أمام ثلاجة الموتى ومكتوب عليها بخط أسود عريض "مجهولة الهوية".
إنها المرة الأولى التي أشاهد فيها كلمة مجهول على كفن، ثم بعد نقاش مطوّل شهدته وأنا أبكي، أخذوها للدفن دون أن يأتي أحد من عائلتها، لم أستطع النوم ليلتها، والآن في كل يوم قبل أن أنام أخترع لها اسمًا، وأقرأ لها قصة، وأشاهد مرةً أخرى، كل ليلةٍ، إغماضتها من جديد.
في ثنايا الحديث أخبرتني أنك عشتَ في خيمة لعام كامل بين رفح والزوايدة في أثناء النزوح.. ما هي الجوانب التي قد لا يتخيلها المرء عن حياة الخيمة؟
أولاً، إنها ليست "خيمة تخييم" رومانسية، بل زنزانة مفتوحة تذلّك كل يوم بطرق لا يتخيلها من لم يعشها.
في الشتاء يتسرب الماء من كل جانب، نضع الأوعية تحت التسريبات ونركض لإفراغها عندما تمتلئ، الأطفال ينامون بأحذيتهم لأن الأرض تتحول إلى مستنقع. أما في الصيف، فتصير فرناً تصل حرارته إلى 50 درجة، والهواء لا يدخل إلا محملاً بغبار وذباب.
ثم إن الحياة الخاصة لا وجود لها، 10 أشخاص في مساحة 20 متراً، هل تتخيل الأمر؟ دعني أخبرك أن المرحاض هو ثقب في الأرض محاطًا بشادر قماشي، تصل إليه في منتصف الليل وتجد آخرين ينتظرون.
الفئران تتسلل إلى الخيمة ليلاً، تمضغ ما تبقى من طعام أو ملابس، الرطوبة تحول كل شيء إلى عفن، الرياح تقلع الخيمة أحياناً، فننهض كجيش أعزل لنمسك أعمدتها كي لا تطير بعيدًا.
على سبيل المثال، هل شاهدتِ شابًا يبلغ من العمر 20 عاماً يبكي لأنه لم يعد يتحمل رؤية أمه تنتظر في طابور المرحاض؟
الخيمة ليست بيتاً، بل مقبرة للكرامة، كل صباح تستيقظ على المشهد ذاته؛ أشخاص يفقدون إنسانيتهم قطرة قطرة، امرأة تبيع خاتم زواجها لشراء حفاضات، رجل يخبئ دموعه حين لا يستطيع إحضار دواء لزوجته، أطفال يتقاتلون على بقايا الخبز من القمامة، وصراخ من الضغط، وانفجار قريب.
الخيمة ليست مكاناً للمعيشة، بل اختباراً يومياً لمدى تحمل الروح البشرية. العالم يتحدث عن "مساعدات إنسانية"، لكن أحداً لا يتخيل كيف تصبح الحياة عندما تكون أقصى أحلامك هو أن تمتلك بطانية ثقيلة تمنعك من التجمد ليلاً، عندما في الليالي الباردة، نكتشف أن الخيمة ليست سوى ورقة رقيقة تفصلك عن العدم، الحياة في الخيمة هي العيش في حافة الهاوية.
قبل أن نخرج من مواجع الخيمة.. هل طاوعتك الكتابة في أرجائها؟
قبل الحرب، كنت أكتب وأنا أستمع إلى شوبان أو باخ في الساعة الثالثة ليلاً. الآن، أكتب على هاتف بين انقطاعات الكهرباء، في زوايا الخيمة وبين دوي كل هذه الانفجارات؛ الكتابة هي نوع من مقاومة، والقراءة بالتأكيد نوع من تمرّد.

كارثة صحية وبيئية تشهدها المدينة جراء حرب الإبادة وتراكم كميات كبيرة من النفايات داخلها
نازحون كثر لا تصلهم المياه، وآخرون لا توجد عندهم إمدادات صرف صحي.. كيف يتأقلم الناس مع هذه الكوارث؟
ببراعة المقهورين؛ يخترعون حلولاً من لا شيء، ويتحملون بهذا ما لا يُحتمل. المراحيض عبارة عن حفر عميقة في الأرض مصبوب فوقها إسمنت أو قطعة خشب سميكة، والاغتسال يتحول إلى طقس سريع بكوب ماء واحد. لكن الأصعب ليس القذارة الجسدية، بل ذلك الشعور بأنك لم تعد تملك حتى أبسط حقوقك؛ بأن تكون نظيفاً فحسب.
مع عودة العدوان في 18 آذار/ مارس، تفاقمت هذه المشاكل في جملة المشاكل التي يبرع الاحتلال في صناعتها، ففي بعض التجمّعات السكّانية النازحة على سبيل المثال، يضطر النازحون إلى المشي مسافات يومية طويلة للحصول على جالون من المياه الصالحة للشرب، وهم يمشون هذه المسافات تحت الشمس الحارقة، ليس بيدهم شيء، سوى الاستقواء على المشقّة حتى تعبر هذه المقتلة.
على صعيدك الشخصي كيف تتعامل مع هذا التجويع القاسي؟ وإلى أي درجة وصل بك الإعياء أنت وأفراد أسرتك وربما حتى الإصابة بالمرض نتيجة الهزال؟
نحن نعيش حرب تجويع ممنهجة، وكل يوم هو معركة للبقاء. حالياً أقيم في بيت للعائلة في حي الرمال، بعد أن قُصف منزلي في الشجاعية وكذلك بيت والدي، لقد تحولنا على صعيد العائلة إلى خبراء في خداع الجوع، شرب الماء الساخن لملء المعدة، لقد أتقنّا فن تقسيم الرغيف إلى أنصاف وأنصاف الأنصاف، وتحويل الخبز اليابس إلى "وجبة" بخلطه بالماء والملح وإذا حالفنا الحظ بالعدس.
الأصعب هو رؤية الأخوات يتعلمن كتم الجوع، الإعياء وصل بنا إلى حافة الهاوية، فقدت 12 كيلوغراماً من وزني، ومثل غيري، لم أعد أستطيع تحمّل مشقة السير طويلاً أو البحث عن منفذ للعبور منه.
الأطفال يعانون سوء التغذية، وينامون معظم النهار لتوفير الطاقة. الأمراض انتشرت، وقد عانيت لفترة من تقرحات جلدية بسبب نقص الفيتامينات، ومن ضعف المناعة الذي يجعل أي عدوى بسيطة تهدد الحياة.
لكن الأقسى هو الاختيارات غير الإنسانية، مثل أن ترى جارك العجوز يتنازل عن حصته للأطفال، وأن تعرف أن بعض العائلات تأكل علف الحيوانات أو أوراق الأشجار.
نحن لا نموت جوعاً فحسب، بل نخسر إنسانيتنا يوماً بعد يوم. الجوع هنا ليس مجرد ألم جسدي، بل إهانة ممنهجة تذكّرنا بأننا محرومون حتى من حقنا في أن نُعامَل بشرًا.
لكننا نعيش، ليس لأننا أقوياء، بل لأننا نرفض أن نموت صمتًا. نعيش لأن كل لقمة، مهما كانت بسيطة، هي إصرار على أن نقول للعالم "نحن هنا، ولن نختفي".
إذا ما زادت حدة المجاعة هل يمكن أن تفكر بالمخاطرة والذهاب إلى "مصائد الموت"؟
كل يوم هو مخاطرة. لكن الأصعب هو مشاهدة الآخرين يخاطرون، قلت أنني لن أتحدّث لأحد عن رفضي لذهابه- هذا شأنه، لكني لو مت من الجوع لن أذهب.
لكني الآن – والمجاعة في أصعب مراحلها- بدأ جلياً ملاحظة أن الفئة الغالبة التي تذهب إلى مصائد الموت، لا تخاطر لأجل جوعها فحسب، بل لأنها تجارة مربحة أكثر من أي شيء آخر.
ماذا عن التفاصيل الخفية في حياة الفئات المهمشة في الوقت الراهن؟
الحرب صعبة على الجميع بلا شك، لكنها تطحن الفئات الهشة خاصة. أطفالنا لم يعودوا يخافون من صوت القصف مثل السابق، بل يشغلهم صوت معدتهم الخاوية.
النساء تحولنّ إلى مهندسات بقاء، يخترعن طرقاً لغسل الملابس بقطرات الماء المتبقية، أما كبار السن فيشهدون تدمير ذكرياتهم للمرة الثانية في حياتهم.
الأصعب هو تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التقارير الإخبارية، الأم التي تبيع قطعة من ذهبها لشراء علب حليب، والطفل الذي يخبئ قطعة خبز لأخته، العجوز الذي يموت بصمت لأنه لم يعد يتحمل رؤية أحفاده يعانون. الحقيقة أننا نعيش في جحيم لا يريد العالم رؤيته.
ذكرتَ في مقابلة سابقة أنه إذا ما انقضت الحرب ستذهب إلى شجرة بيتكم وتنام تحتها.. هلا حدّثتنا عن علاقتك بالأشجار التي من المؤسف أن تتحول من مصدر إلهام إلى مظهرٍ بشع لتلوث المدينة؟
عندما عدت إلى غزة لم تكن هناك شجرة أو بيت، فقط أوراق صفراء فوق الركام، أخذت أزيحها بقدمي عن مجموعة من كتبي التي أخذتها معي لمكان نزوحي الجديد، أحيانًا أضعها مثل وسادة وأفكر بالحرب التي تسارع لتسبق خيالنا في كل مرة.
ما نراه يحدث في حق الأشجار هو انتحار جماعي بطيء. كل جذع نحطمه هو ذاكرة تُمحى وجمال يُباد.. لكن ما البديل؟ أفكر بهذا وأنا أعرف العشرات ممن خاطروا بأنفسهم للوصول إلى الخشب فقط، ومنهم، ستة رجال كانوا من أرّق وأجمل جيراني، لا شيء يجعلني ألتفت سوى ما يجعل الحياة أقل ألمًا على الناس التي تقاسي كل ما لا يُحتمل.
وليس بعيداً، حال أصحاب المكتبات الذين باعوا كتبهم مقابل ثمن زهيد ليحتطب بها الناس، فذلك من أقسى أنواع الخيانة ربما؛ إذا كنّا نحرق عقولنا لنطعم أجسادنا. هذا رأي يمكن قوله، ويمكن القول أيضًا إن كل كتاب يُحرق هو فصلٌ يُلغى من الوعي العام، لكن ما يجب قوله حقًا إن الجوع لا يعرف فلسفة ولا يعرف أدباً، خاصة مع هذا الترك الجمعيّ للناس هنا.
ليالٍ صعبة كثيرة مرت، أي ليلة منها تتمنى أن تُمحى من ذاكرتك وأن تتشافى منها بشدة، كغيرك من سكان القطاع؟
ليلة 9 أكتوبر 2023 - الليلة التي لم تعد ليلاً، بل نهاراً من الرعب. حين قصفت الطائرات حي الرمال حيث بيت العائلة بكثافة نارية غير مسبوقة، وتحولت العمارة المجاورة لنا إلى كومة من الغبار في ثوانٍ.
كنّا قد خرجنا إلى درج البناية للنوم، لأن زجاج النوافذ قد تكسّر وانهار مثل أمطار من شفرات، لأننا كنا نظن مثل غيرنا أنه أقل الأماكن خطرًا، لاحقًا عرفنا أنها فكرة لم تعد تنطبق على هذا الواقع.
الأصوات كانت هائلة لدرجة أننا لم نعد نسمع بعضنا، فقط نشعر باهتزازات القنابل في صدورنا، ورائحة البارود والغبار التي تختلط برائحة الخوف.
الأصعب كان صوت الجيران الناجين تحت الأنقاض. خرجنا لننقذ ما يمكن إنقاذه، لنعود بعد دقائق لأن الطائرات عادت لقصف الموقع نفسه مجدداً - تقنية "الضربة المزدوجة" التي تستهدف المنقذين، تلك الليلة فقدنا 17 جاراً، منهم 8 أطفال.
لكن الأسوأ كان صمت العالم، كنا نسمع صوت المذيعة تلك الليلة وهي تقول: "اشتباكات بين المقاومة والاحتلال"، وكأننا مجرد خلفية لفيلم أكشن، أعطاني هذا الحدث صورةً أكثر فهمًا لعالم اليوم، وفقدتُ معها إيماني بكل شيء وقتها إلا بالموت.
أخيراً أي أحلام تبقّت للكاتب الواعد بعد كل ما عشته يا أنيس؟
حلمي الآن بسيط؛ أن أعيش يوماً عادياً فحسب. يوم لا أحسب فيه دقائق البطارية المتبقية في هاتفي، لا أراقب فيه مستوى الماء في الجرة، يوم تكون فيه الحياة مجرد حياة، لا معجزة يومية.
ومع هذا؛ أحاول أن أتقوّى على هذا الشعور بالفراغ من قلة الكتابة أو انعدامها، وأعتقد أنني قريبًا، قد أنجز شيئًا جديدًا، شيء من رواية الأحداث من الداخل.