|
غزو الطحين الأبيض المدعم لبلاد القمح
نظرة لواقع منظومتنا الغذائية من خلال الغذاء الأساسي الأول: الخبز
دانة مسعد
خاص بآفاق البيئة والتنمية
القمح من أقدم المحاصيل الحقلية المعروفة للإنسان وتبين الدلائل الأثرية بأن أقدم إستئناس وزراعة لنبات القمح كانت في فترة٨٦٠٠ قبل الميلاد في بلاد الشام. أي أن أجدادنا هم أول من اكتشف القمح وزرعه وعرف قيمته الغذائية وهم أول من طور طرق تخزينه وابتكر وصفات مختلفة لاستخدامه كالفريكة والبربارة والمفتول والخبز وغيرها. كما واستخدم نبات القمح كعلاج وساق النبات كغذاء للماشية ولصناعة السلال والحصاري واستخدم كذلك في البناء لصناعة طوب اللبن وفي بناء الأسقف والقصارة. أي أن هذه النبتة وفرت لنا الغذاء والدواء والمأوى٬ فلا غرابة من أن لها قدسية في الفولكلور الفلسطيني. ولا يزال القمح حتى يومنا هذا هو الغذاء الأساسي الأول في فلسطين حيث يستهلك الفرد ما معدله 9 ارغفة صغيرة من الخبز يوميا. لكن علاقتنا الطويلة مع هذا النبات في انحدار مثير للقلق٬ فقد خسرنا الكثير من أصناف القمح البلدي والباقي مهدد بالإنقراض حيث نزرع أقل من ١٠٪ من القمح الذي نستهلكه بينما نشتري الغالبية العظمى من القمح من روسيا والولايات المتحدة.
وبما أن القمح هو الغذاء الأساسي في فلسطين وجب النظر والتدقيق أكثر بمصدره وبطبيعته.
|
جمع السنابل من نبات القمح في بيتين- من مجموعة ماتسون |
الصناعة الحديثة للطحين
تتكون حبة القمح من ثلاثة أجزاء رئيسية هي: النّخالة، والسويداء، وجنين القمح. والنّخالة هي عبارة عن غطاء البذرة التي تغطي سطح الحبّة، وتُشَكّل السويداء الجزء الأكبر من الحبة، أما الجنين، فيكوّن 3% فقط من الحبة، ويعتبر أغنى مكونات الحبة بالبروتين والمعادن والفيتامينات. لكن عملية تصنيع الطحين الأبيض المكرر والذي يستخدم اليوم في صنع الخبز هي عملية تجريد القمح من النخالة وجنين القمح بحيث لا يتبقى سوى الطبقة النشوية. تجريد الطحين من النخالة تفقده الألياف المفيدة للصحة والتي تسهل عملية الهضم وخفض امتصاص الدهون، كما أنها تساعد على الحماية من الإصابة بسرطان القولون. كما أن تجريده من جنين القمح يعني تجريده من عناصر غذائية مهمة كالفيتامينات والأملاح والمعادن. ومن المفارقات في أيامنا هذه، أن تحوي الكبسولة الخاصة بتسهيل عملية هضم الخبز الأبيض مادة النّخالة التي تمت إزالتها عند تصنيع الطحين في البداية ليتم بيعها على شكل دواء. بالإضافة لهذا فإن عملية تبييض الطحين وهي إحدى مراحل تصنيع الطحين الأبيض تتم بإضافة مواد كيماوية عديدة أهمها أكسيد النيتروجين، والكلور، والكلورايد نيروزيل، والبنزويل بيروكسايد. ومن بين مواد التبييض التي تظل باقية في الطحين عند تصنيع الخبز الأبيض مادة أكسيد الكلوريد المخلوط بإنزيم بروتينيز وينتج عنهما مادة الألوكسان السامة والمسببة لعدة أمراض أهمها السكري.
المطاحن في فلسطين
توجد في الضفة والقطاع تسع مطاحن رئيسية حديثة، ثلاث منها في الضفة الغربية وست في قطاع غزة. أنشئت جميعها بعد إنشاء السلطة الفلسطينية. أما عن مصادر القمح فيشكل القمح المستورد الغالبية الساحقة من القمح المستخدم ويتم الاستيراد من روسيا بشكل رئيسي بنسبة تقارب نصف كمية القمح المستخدم، تليها ﺍﻟﻭﻻيات ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍلأمريكية. ويشكل القمح المزروع محليا ما نسبته 2.7% فقط من القمح المستخدم من قبل المطاحن. أما في السوق الفلسطيني فيشكل الطحين المنتج من قبل هذه المطاحن حوالي نصف الطحين المتوفر، أما النصف الآخر فهو طحين "إسرائيلي" تستورده دولة الاحتلال من دول حوض البحر الأسود ومنها روسيا بشكل أساسي. ما يعني بأن نسبة الطحين البلدي في الأسواق الفلسطينية تصل الى ١٪ فقط.
|
قمح بلدي من بنك البذور في الخليل |
تدعيم الطحين
اتخذت وزارة الصحة قرارا إجباريا لتدعيم الطحين عام 2006 بعد أن أظهرت دراسة كانت قد أجرتها الوزارة أن 20% من الأطفال بعمر أقل من خمس سنوات يعانون من نقص فيتامين أ.
أصدرت الوزارة معادلة للتدعيم قامت بموجبها بإضافة عشرة عناصر ومركبات إلى الطحين. ومن أهم المواد المضافة حمض الفوليك والحديد وفيتامينات أ، ب، د والزنك، وزودت المطاحن الرئيسية بملقمات لهذه العناصر التي تنتج بعضها محليا من قبل شركات الأدوية أو تستورد من "إسرائيل" وغيرها. وقد بلغت تكلفة هذه المواد المضافة لعام 2008 ما يفوق عن مليون ﺩﻭﻻﺭ أمريكي. ومن الجدير بالذكر أن هذه العناصر المكونة من مركبات كيماوية لا تستبدل العناصر الطبيعية والغذائية التي وجدت في حبة القمح قبل معالجتها حتى في أحسن الأحوال وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أنه بالإضافة الى كون هذه المدعمات المضافة الى الطحين بديلا غير كاف فإنه يمكن تصنيفها على انها مواد كيماوية سامة فمثلا الحديد المضاف الى الطحين لا يجدر استهلاكه من قبل الجسم البشري. واستجابت بعض الدول لهذه التحذيرات فمثلا قامت الحكومة الكندية بإصدار قانون يحرم إضافة أي نوع من الفيتامينات لدقيق الخبز الأبيض نظرا لخطورتها الصحية، وقررت الحكومة السويسرية فرض ضريبة على مشتريات الخبز الأبيض المدعم، وقرر البرلمان الدنماركي في عام ٢٠٠٤ منع استيراد أي منتجات مدعمة مستندة الى دراسات أثبتت وجود رابط بين الطحين المدعم وازدياد حالات الإجهاض وأمراض الكلى والكبد عند الأطفال.
وبعكس دقيق القمح الكامل فإن جسم الإنسان لا يقوم بامتصاص الخبز الأبيض بنفس الطريقة، حيث يتم امتصاصه على شكل نشاء الذي بدوره يتحول بعد الهضم إلى سكر يخزن في الجسم على شكل دهون بالإضافة إلى ذلك يشكل هذا النوع من الطحين عند استهلاكه قواما لزجا صعب الهضم، ثم ينتج عنه فضلات لزجة تلتصق بجدار الأمعاء مما قد يسبب الإصابة بأمراض القولون والجهاز الهضمي. كما يقوم الجسم باستعمال الطاقة الناتجة من عملية هضم دقيق القمح الكامل بكفاءة وبطء مطلوب، مما يسبب الشعور بالشبع لفترة أطول. أما تناول الطحين الأبيض فيشعر الشخص بالخمول بسبب سرعة امتصاصه.
من الجدير بالذكر أن الطحين الأبيض متواجد في العديد من المنتجات التي نستهلكها يوميا ولا يقتصر على الخبز فحسب ومنها المعكرونة والمعجّنات والكعك والحلويات والصلصات الجاهزة وغيرها.
وتثبت لنا التجارب والدراسات العلمية أن استعمال القمح البلدي المعروف المصدر والنشأة والعالي الجودة سيجنبنا الكثير من أمراض العصر، وإن لم يتوفر فيجدر استعمال طحين القمح الكامل. فالقمح البلدي يتميز بنوعية بروتين ونسبة ألياف مرتفعة بعكس الطحين الأبيض منزوع الألياف والفوائد. وتوجد في فلسطين عدة أنواع من القمح بعضها تم إدخالها وخلطت أو استبدلت بالبذور البلدية وبعضها بقيت نقية، ومن أهم أنواع القمح البلدي النقية في فلسطين (الهيتية البيضاء والصفراء والدبية وناب الجمل أو الفرنساوي والحوراني والقمح البلدي الأبيض ) أما البذور الدخيلة الموجودة أهمها ( الأقماح الطرية مثل شفير وعنير ولخيش والأصناف القاسية مثل بريكيت و87 وبيت هشيطة).
|
قمح بلدي- من مجموعة ماتسون |
مصادر القمح في فلسطين:
إن حوالي نصف الطحين الموجود في السوق الفلسطيني هو طحين "إسرائيلي" والنصف الآخر هو من إنتاج المطاحن الفلسطينية الكبرى أما الكميات الهامشية الباقية فمصدرها المطاحن الصغيرة وطحين وكالة الغوث (الأنروا) والمساعدات الدولية الأخرى. تقوم المطاحن الكبرى بتسويق الغالبية العظمى من الطحين إلى السوق المحلي، أي الأفران. أما الطحين "الاسرائيلي" فمصدره دول حوض البحر الأسود وأهمها روسيا، فإسرائيل تستورد الغالبية العظمى من حاجتها من القمح. وبالنسبة لسكان المدن الفلسطينية بشكل عام فإنهم يقومون بشراء الخبز من الأفران المحلية التي تستخدم بعضها الطحين المنتج في فلسطين وتستخدم بعضها خليط من الطحين المطحون محليا و"الإسرائيلي". أما في الريف الفلسطيني فيعتمد السكان بشكل أكبر على إنتاج قوتهم من الخبز منزليا وبالتالي فإن مصادر الطحين تشمل الطحين البلدي غير المعالج أو المدعم (الطبيعي) والمعروف المنشأ بنسبة أعلى نظرا لطحن القمح المزروع محليا من قبل مطاحن صغيرة تستخدم الطرق التقليدية في الطحن.
وكما نعي جميعا فإن للإحتلال دور مهم في هذا التدهور الذي حصل اليوم في موروثنا الزراعي وأمننا الغذائي. فسياسات الإستيلاء على الأراضي الزراعية لفتح الشوارع وبناء المستوطنات واستبدال البذور المحلية ببذور غير متأقلمة مع العوامل الطبيعية للبلاد ومن ثم إغراق سوقنا بالمنتجات المستوردة المدعومة من قبل الحكومات المنتجة لها كالقمح، كلها عملت على تدهور التنوع الحيوي وانحدار كمية ونوعية الغذاء الذي ننتجه. وعند مقارنة حالنا اليوم بالإحصائيات الزراعية للعام ١٩٦٧ نلاحظ أنه حينها كان هناك إكتفاء ذاتي في إنتاج القمح وجميع المكونات الأساسية التي نستهلكها، ورغم هذا فإن لدينا القدرة وعلينا الواجب في الحفاظ على ما تبقى.
ومن الجدير بالذكر أن المطاحن الفلسطينية الكبرى تستطيع تغطية السوق الفلسطيني بالكامل ويمكننا الإجمال أن الطحين الموجود في السوق الفلسطيني مجهول المصادر والطرق المستخدمة في زراعته بالإضافة إلى ظروف تخزينه، نظرا لعدم وجود معلومات حول طرق انتاج هذا القمح من مصادره المتنوعة. وبعد أن أظهرت الدراسات الحديثة المضار الصحية الناجمة عن نزع النخالة وجنين القمح من الطحين يجب العمل على زيادة نسب النخالة وجنين القمح في الطحين المستخدم من قبل الأفران عوضا عن "تدعيمه" بمواد كيماوية٬ الأمر الذي بالإضافة للتحذيرات الصحية بشأنه يرفع كلفة الإنتاج وبالتالي يرتفع سعر الخبز على المستهلك. ولا بد من زيادة رقعة الأراضي المزروعة بالقمح من خلال تشجيع المنتجات المحلية ورفع الضرائب على المواد المستوردة ودعم المزارعين المحليين والزراعة البلدية التي تحفظ التنوع الحيوي المحلي. كذلك يجب زيادة التوعية حول حقيقة الخبز الأبيض ومضاره الصحية، وأهمية اختيار الخبز المحتوي على النخالة والقيم الغذائية والصحية للقمح البلدي، وأنه ليس حكرا على متبعي حميات تخفيف الوزن أو المصابين بالسكري كما يعتقد البعض، مع العلم أن بعض الأفران تقوم بإضافة أصباغ اصطناعية للطحين الأبيض وبيعه على أساس احتوائه على النخالة وهو أمر يحتاج للرقابة.
إن ازدياد الإقبال على القمح البلدي سيعيد إحياء زراعته والمزروعات البعلية الأخرى ويعدل من الخلل في التوازن في منظومتنا الغذائية ويقلل من الأمراض المزمنة في مجتمعنا. وبما أن القمح هو غذاؤنا الأول فإن الأولوية تأتي في دعم إعادة زراعة القمح البلدي، الذي هو حجر الأساس في إعادة السيادة على مصادرنا الغذائية كاملة.
|