مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تموز - آب 2013 - العدد 56
 
Untitled Document  

كميات المياه التي سيعاد تدفقها نحو النهر هامشية بالمقارنة مع كمية المياه المنهوبة إسرائيليا من حوض نهر الأردن والمقدرة بنحو 900 مليون متر مكعب سنويا
سلطة المياه الإسرائيلية "تسمح" بتدفق كميات هزيلة من مياه بحيرة طبرية نحو نهر الأردن
بسبب نهب مياهه: كميات المياه التي تصب حاليا في النهر أقل بنحو 98% قياسا بالستينيات

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

لأول مرة منذ أقامت إسرائيل عام 1964 ما يسمى "الناقل القطري"، "سمحت" ما يسمى سلطة المياه الإسرائيلية، في أواخر أيار الماضي، بتدفق منتظم لكميات قليلة من مياه بحيرة طبرية نحو الجزء الجنوبي من نهر الأردن، وذلك بهدف استعادة النظام الإيكولوجي للنهر في مقطعه الواقع جنوبي بحيرة طبرية مباشرة .  وفي المرحلة الأولى، سيتم ضخ كمية مقدارها ألف متر مكعب في الساعة من البحيرة إلى النهر.  وفي مرحلة لاحقة ستزداد الكمية، ليتدفق نحو النهر 30 مليون متر مكعب سنويا.  كما يفترض أن يتوقف تدفق المياه العادمة من مستعمرات الأغوار وطبرية والفنادق والمرافق السياحية الإسرائيلية إلى النهر.  ويأتي ذلك في سياق ما تزعم إسرائيل أنه برنامج لتأهيل النهر ومعالجة جودة المياه فيه، فضلا عن تطوير مشاريع لتشجيع السياحة في المنطقة. 
ومن المعروف أن مستوى نهر الأردن هبط كثيرا في العقود الأخيرة، بسبب النهب الإسرائيلي لمياه حوض نهر الأردن، وتحديدا إنشاء إسرائيل السدود وتحويل وجهة مياه بحيرة طبرية ومنعها من مواصلة التدفق في الجزء الجنوبي من النهر وبالتالي وقف تغذيته.
وفي نهاية هذا العام، تخطط إسرائيل إنجاز محطة تنقية المياه العادمة، والتي ستعالج المياه العادمة التي تتدفق حاليا نحو نهر الأردن؛ حيث سيتم استعمال المياه المعالجة في الزراعة الإسرائيلية بالأغوار.  كما ستقام منشآت لتحلية المياه المالحة المتدفقة من الينابيع في منطقة بحيرة طبرية والتي تصب في النهر؛ ومن ثم إعادة جزء من المياه المحلاة إلى النهر، وذلك بهدف خفض مستوى ملوحة النهر.
وقد نسقت إسرائيل جميع هذه العمليات مع الأردن.  واللافت أن الأشهر الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في زيارات المسؤولين الأردنيين إلى إسرائيل. حيث يجتمعون مع الإسرائيليين ويشاركون في مؤتمرات وورشات عمل إسرائيلية حول قضايا مائية وبيئية.  سعد أبو حمور المسؤول الأردني الكبير وأمين عام سلطة وادي الأردن وممثل الحكومة الأردنية في ما يسمى "لجنة المياه المشتركة" بين إسرائيل والأردن، قال، أثناء زيارته لإسرائيل في أيار الماضي، بأن الأردن يريد أيضا رؤية حدوث تحسن كبير في جودة النهر؛ إلا أنه أشار بأن المشروع  برمته، في هذه المرحلة، سيمول من قبل إسرائيل.  كما نوه إلى أن المشروع الإسرائيلي الحالي سيزيد من نظافة مقطع النهر القريب من بحيرة طبرية، إلا أنه سيبقى ملوثا في مقطعه الجنوبي القريب من البحر الميت.  وفي خضم كل هذه التحركات، تقف السلطة الفلسطينية خارج الصورة تماما. 
وقد بينت مجلة آفاق البيئة والتنمية في مواقع مختلفة، وبخاصة في العدد 26، بأنه وحتى أواسط الستينيات، كان نحو مليار و300 مليون متر مكعب من المياه يصب سنويا على طول الجزء الجنوبي من النهر، في جريان سريع، علما بأن عرض النهر كان يتراوح بين 40-60 متراً.  أما اليوم، فلا يصب في ذلك الجزء من النهر سوى كميات هزيلة جدا من المياه، لا تتجاوز 20 – 40 مليون متر مكعب، بينما يتراوح عرض النهر بين نصف متر إلى ستة أمتار فقط!  أي أن كميات المياه التي كانت تجري تاريخيا في النهر انخفضت بنحو 98%.  وحاليا، لا تتجاوز المياه الطبيعية التي تصب في الجزء الجنوبي من النهر 2% من المياه التي كانت تصب فيه في الماضي. 
ولدى إنشائها ما يسمى "ناقل المياه القطري"، في عام 1964، أقامت إسرائيل سدا، في منطقة تبعد نحو كيلومتر واحد من موقع خروج النهر من بحيرة طبريا، وذلك لمنع تدفق مياه بحيرة طبرية في النهر.  كما أقامت العديد من السدود على طول النهر؛ ما منع تدفق المياه المغذية له، فضلا عن وقف جريان مياه الفيضانات إليه.

مستنقع مائي خطر على الصحة العامة
وتعد التجمعات الاستيطانية اليهودية في طبرية وغور الأردن وبيسان تعد من أكبر ملوثات الجزء الجنوبي من النهر، حيث تعمد هذه التجمعات إلى صب كميات هائلة من المياه العادمة المنزلية والصناعية غير المعالجة فيه، مما حول لون مياهه إلى الأخضر، وانتشرت الروائح الكريهة في مختلف أنحائه.  وتقدر وزارة البيئة الإسرائيلية كميات المياه العادمة التي تتدفق سنويا في الجزء الجنوبي من النهر بنحو 3 ملايين متر مكعب. 
ومن المعروف أن إسرائيل حجبت جريان المياه العذبة نحو النهر؛ بل إنها عملت، منذ الستينيات، ولا تزال، على تحويل أكثر من نصف كميات الجريان المائي إلى وجهات أخرى.  ويعد الجزء الجنوبي من نهر الأردن أحد أكثر المسطحات المائية تلوثا في فلسطين؛ إذ إن إسرائيل حولته إلى نهر فقير بالمياه مشوه المعالم ومرتع للنفايات السائلة الإسرائيلية.  كما أنها جففت منابعه وروافده التقليدية التي دأبت على سرقتها وتحويلها إلى صحراء النقب، لأغراض استيطانية.  والجريان المائي البارز الذي يمكن ملاحظته في الجزء الجنوبي من النهر هو تدفق المياه العادمة.
إذن، أفاضت إسرائيل على النهر كميات ضخمة من مياه المجاري؛ فحولته إلى مستنقع مائي خطر على الصحة العامة وملوث بالنيترات وبمستوى مرتفع من بكتيريا الكوليفورم (القولون)؛ مما يشكل دلالة على أن المياه ملوثة بنسبة عالية من المخلفات البشرية والجراثيم المسببة للأمراض، وذلك بعد أن كان النهر، عبر العصور، من أكثر أنهر العالم اختزانا للقيم التربوية والدينية والبيئية والسياحية. 
وبالرغم من ذلك، لا يزال الحجاج المسيحيون يغطسون في النهر وتحديدا في الموقع المسمى "قصر اليهود" المحاذي لأريحا.

بحيرة طبرية

شرعنة النهب
وفي الواقع، تعد كميات المياه التي يقول الإسرائيليون بأنهم سيسمحون بعودة تدفقها من البحيرة إلى النهر، والتي ستصل إلى 30 مليون متر مكعب سنويا، هزيلة جدا، بالمقارنة مع كمية المياه المنهوبة إسرائيليا من حوض نهر الأردن إجمالا (النهر والبحيرة والبحر الميت والروافد المغذية) والتي تقدر بنحو 900 مليون متر مكعب سنويا.  وبالتالي، فإن هذا المشروع لن يصلح ما تسبب به الاحتلال الإسرائيلي من دمار لنهر الأردن، بسبب النهب الإسرائيلي الهائل والمستمر منذ عشرات السنين لمياهه ومياه بحيرة طبرية؛ إضافة إلى تحويله النهر إلى مستنقع مائي خطر على الصحة العامة وملوث بالنيترات وبمستوى مرتفع من بكتيريا الكوليفورم (القولون)؛ بمعنى سيواصل الإسرائيليون استنزاف كميات ضخمة من مياه النهر وبحيرته التي تستخدم في الزراعة الاستيطانية بالأغوار، أو تنقل عبر ما يسمى "الناقل القطري" إلى وجهات أخرى، مما سيواصل تفاقم تدهوره.
المسألة الأساسية هنا، أن ما يسمى مشروع تأهيل نهر الأردن، سيواصل شرعنة مواصلة النهب الإسرائيلي لمياه نهر الأردن وبحيرة طبرية، من خلال زيادة ضئيلة جدا للمياه المتدفقة من البحيرة إلى النهر، وبالتالي تقليل الاستخدام الإسرائيلي لمياه البحيرة وخفض طفيف لاستهلاك المياه للزراعات الاستيطانية اليهودية بالأغوار، وتعويضها من خلال استعمال المياه المعالجة، إضافة إلى بعض مياه الينابيع المحلاة في محيط البحيرة.  بل إن عمليات الاستنزاف الإسرائيلي لمياه النهر ستتواصل؛ من خلال آليات تخريب إضافية للنهر تتمثل في زيادة ضخ المياه من منحدراته الشمالية لأغراض زراعية، "لتعويض" ومكافأة المستوطنين اليهود من خلال استمرار تزويدهم بمزيد من مياه النهر.  وكل ذلك من أجل ضمان استمرار الزراعات الاستيطانية اليهودية في الأغوار وبالتالي مواصلة هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على مساحات كبيرة من أخصب الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. 
وبالطبع، لا ينبس الاحتلال ومنظماته البيئية بكلمة واحدة عن الأوضاع المزرية لمزارعي الأغوار الفلسطينيين؛ حيث يحرمون من حقهم في استخدام ثروتهم المائية في النهر والتي كانوا يستخدمونها جزئيا قبل حزيران عام 1967.  وتمارس ضدهم سياسة تعطيش احتلالية ممنهجة تسببت في هجر أعداد كبيرة منهم للعمل الزراعي والتوجه للعمل كأُجراء في مستعمرات الأغوار.
الزيادة الشكلية للمياه لن تحل أزمة "جفاف" النهر
الأمر الأكيد أن الحل الجذري لمشكلة تراجع نهر الأردن وتدهوره وبالتالي "جفافه"، لا يكمن في مجرد الزيادة الشكلية للمياه المتدفقة من بحيرة طبرية نحو نهر الأردن، وبالتالي التقليل الشكلي للاستخدام الإسرائيلي لمياه بحيرة طبرية ومكافأة المستوطنين اليهود من خلال استمرار تزويدهم بمزيد من مياه النهر.  بل يكمن الحل الجذري في أن تتوقف إسرائيل كليا عن حجبها لتدفق مياه بحيرة طبرية في نهر الأردن (نحو 650 مليون متر مكعب يتم نهبها سنويا من حوض نهر الأردن).  وينسحب هذا الأمر على مشكلة استمرار تراجع مستوى البحر الميت، وبالتالي "جفافه"؛ فالحل هنا أيضا يكمن في أن تتوقف إسرائيل عن حجبها لتدفق مياه بحيرة طبرية في نهر الأردن، فضلا عن وقف نشاطات المصانع الإسرائيلية المستنزفة لمياه البحر الميت (أكثر من 250 مليون متر مكعب تستنزفها المصانع من البحر).  وهذا يعني توفير نحو 900 مليون متر مكعب سنويا من المياه المنهوبة مباشرة من البحر الميت أو من الروافد المغذية له، وهذه الكمية أكبر مما يحتاجه كل من المقطع الجنوبي من نهر ألأردن، إضافة إلى البحر الميت لحل ما يسمى "مشكلة جفافهما"، علما بأن البحر الميت يحتاج إلى نحو 800 مليون متر مكعب سنويا من المياه لوقف استمرار تراجع مستواه، وهذه الكمية تتناسب مع سرعة التبخر السنوية للبحر الميت. أي أن وقف تدهور نهر الأردن، وبالتالي البحر الميت، يكمن في إعادة الحياة إلى نظام الجريان الطبيعي لسلسلة بحيرة طبرية – نهر الأردن – البحر الميت، الأمر الذي سيساهم في إعادة أكبر قدر من التوازن البيئي الطبيعي الأصلي لحوض النهر، وبالتالي تقليص المخاطر وعدم اليقين.

التعليقات

السؤال المطروح:  كيف ارتضت سلطة أسلو أن تبصم للاحتلال الإسرائيلي نهب أكثر من ملياري متر مكعب سنويا من المياه الفلسطينية (لنحو ستة ملايين يهودي)، ومنها نحو 900 مليون من مياه حوض نهر الأردن، وفي ذات الوقت أن ترضى بالفتات المائي لشعبها، والذي لا يتجاوز 300 مليون متر مكعب لأكثر من أربعة ملايين نسمة في الضفة والقطاع؟  لا يسعنا إلا أن نقول:  يا للعار ...

قسام السيفي

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية