|
نحو بلورة معايير لمواجهة "غسيل الدماغ الأخضر" (Greenwash)
ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية
كثرت في الآونة الأخيرة الإعلانات التجارية لسلع يزعم منتجوها بأنها "صديقة للبيئة". وقد نجد أحيانا منتجات أو خدمات يعلن عنها بأنها "صديقة للبيئة"، رغم أن طبيعة النشاط التجاري والإنتاجي للشركات والمؤسسات التي تنتجها تتميز بأنها غير صديقة للبيئة، بل أحيانا معادية لها. لذا، وبهدف منع غش المستهلكين، ولإضفاء مصداقية على السلع الصديقة فعلا للبيئة، نجد من الأهمية بمكان، أن تبادر بعض الجهات والمؤسسات الرسمية والأهلية الناشطة في الحقل البيئي إلى إعداد دليل خاص يهدف إلى منع الإعلانات المضللة حول السلع التي يُزْعَم أنها "صديقة للبيئة"؛ وذلك كجزء من مواجهة الظاهرة العالمية (أو المعولمة) المعروفة بإسم Greenwash ("غسيل الدماغ الأخضر") والتي تعني الادعاء زورا بصداقة البيئة.
الحقيقة أن الإعلانات المضللة تؤدي إلى فقدان المستهلكين ثقتهم أيضا بالسلع التي جرت عمليات إنتاجها بأقل قدر من الإساءة إلى البيئة. وحاليا، يوجد في بعض الدول الغربية، مثل بريطانيا، كندا والولايات المتحدة، أدلة إرشادية حول المواصفات والمقاييس والاشتراطات التي تعتبر بموجبها السلع المختلفة صديقة للبيئة. وبالإضافة لنشر الوعي البيئي لدى الجمهور إجمالا، يهدف الدليل إلى مساعدة المستهلكين المعنيين برفع شكاوى أو قضايا قضائية، حسب قانون حماية المستهلك، في حال توفر أدلة على عملية تضليل وغش فيما يتعلق بالجوانب البيئية الخاصة بالسلع.
يشار هنا، إلى أنه في بعض الدول مثل الولايات المتحدة، رفعت قضايا إلى المحاكم بقيمة ملايين الدولارات، ضد منتجين مارسوا تضليل المستهلكين حول سلعهم، زاعمين أنها "صديقة للبيئة". ويمكن نشر الدليل الإرشادي المقترح، على نطاق واسع، عبر الإنترنت.
القاعدة الأساسية التي يفترض بالدليل المقترح إبرازها، تقول بأنه يحظر على المنتج استخدام تصريح أو إعلان صارخ يزعم بأن سلعته "خضراء"؛ بل يجب أن يوضح بشكل مركز وواضح الميزة البيئية التي تتضمنها تلك السلعة.
وعلى سبيل المثال، المنتج الذي يدعي بأن الدفاتر التي أنتجها مكونة من 50% من ورق أعيد تدويره، لا يستطيع تعريف سلعته بأنها "خضراء"، لأن عمليات إنتاج هذه السلعة قد تتضمن إساءات أو انتهاكات بيئية. فالدليل المقترح، لا بد أن يحوي إرشادات وتوصيات دقيقة حول تعريف السمات البيئية الكامنة في السلع المختلفة، وبخاصة مدى قابليتها للتفكيك والتحلل والتدوير. ولا بد أن يبين الدليل بأن ليس كل سلعة قابلة للتفكيك تعتبر قابلة للتحلل في ذات الوقت. البلاستيك، على سبيل المثال، قابل للتفكيك، لكنه لا يتآكل.
من هنا، فإن المُنْتِج الذي يعرف سلعته بأنها قابلة للتحلل، يجب (بحسب الدليل المقترح) أن يفي بالشرط الخاص بإمكانية تحويل السلعة إلى سماد زراعي. وقبل التصريح بأن السلعة قابلة للتحلل، يجب إجراء فحص في مختبر معترف به حكوميا، ومخول بالحكم على السلعة باعتبارها تلبي الشروط المطلوبة. أو، يمكن الزعم بأن سلعة ما قابلة للتحلل، إذا ما تحققت المؤسسات المعنية (مثل المواصفات والمقاييس) من صحة هذا الزعم، وبالتالي، حصلت السلعة على موافقتها.
وفيما يتعلق بالمنتجات التي تعرف بأنها مدورة، يجب على المنتجين ضمان أن سلعهم تحوي مواد مدورة بنسبة لا تقل عما حددته التعريفات الخاصة بالمنتجات الحاصلة على شهادة "السلعة الخضراء" من وزارة البيئة ومؤسسة المواصفات والمقاييس. كما يجب أن تتضمن السلعة التي يعلن المنتج بأنها قابلة للتدوير، إشارة إلى العدد التقديري لمرات التدوير، إضافة إلى أن الإعلان عن هذه الإشارة يكون فقط في حال وجود آلية معينة (في الضفة والقطاع مثلا) لجمع هذه السلعة بغرض إعادة استعمالها أو تدويرها. وبحسب الدليل المقترح وقانون حماية المستهلك، يعتبر المنتج الذي لا يلتزم بهذه القواعد مضللا للمستهلك.
وهنا يجب التوضيح، بأن الالتزام بالقانون القائم بحد ذاته، لا يمنح السلعة قيمة بيئية مضافة، وبالتالي لا يجوز استخدام هذا الالتزام كذريعة لاعتبار السلعة "خضراء". مثل هذه التوضيحات، يجب أن يتضمنها الدليل الموعود، والذي يجب أن يبين أيضا بأن من غير المسموح الإعلان بأن سلعة ما تتضمن ميزة غير عادية، إذا كانت لهذه السلعة منافع رائجة وشائعة. فعلى سبيل المثال، ادعاء شركة منظفات بأنها تعمل على حماية البيئة، لمجرد أنها لا تستخدم مادة كيميائية معينة، لا تستخدمها أيضا معظم الشركات الأخرى.
وإثر إنجاز الدليل المقترح، من المفيد، علميا ومهنيا وبيئيا وصحيا، عمل دراسة استقصائية، تركز على فئة معينة من المنتجات في الضفة والقطاع، مثل مواد التنظيف؛ فتدقق في الإعلانات المختلفة الخاصة بهذه الفئة من السلع. وفي مثل هذه الدراسة يتم فحص عدد معين من السلع (مثلا 150 صنفا مختلفا من المنظفات)، وحصر نسبة السلع التي تتضمن إشارات يزعم فيها المنتجون بأن لسلعهم ميزات بيئية معينة. ومن ثم التحقق من مدى مصداقية تلك الإشارات، وبالتالي نسبة السلع في فئة المنظفات التي لم تلتزم الشركات المنتجة لها بالمتطلبات الواردة في الدليل.
خلاصة القول، يجب على الشركة التجارية أن تثبت بالأدلة القاطعة زعمها بأن السلعة المعينة التي تنتجها "صديقة للبيئة".
|