|
بعد بضع سنوات سيكون التحرك للتقليل الجدي في انبعاث غازات الدفيئة متأخرا جدا
قفزة كبيرة في مستوى ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي لم تعهدها البشرية منذ ملايين السنين
السيناريو المناخي الحالي أكثر تشاؤما من تقديرات علماء الأمم المتحدة
ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية
دأب الرأسماليون المحافظون وشركات النفط، في السنوات الأخيرة، على مهاجمة علماء المناخ والتشكيك بتوقعاتهم المتشائمة التي تربط بين التلوث الناشئ عن الإنسان وبين التغير المناخي الحاصل في مختلف أصقاع الكرة الأرضية. وفي المقابل، واظب العلماء على الدفاع عن مواقفهم ونظرياتهم؛ مستغيثين بالأدلة والرسوم البيانية التي تدلل على تراكيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. وقد بينت معطيات الأسابيع الأخيرة، تحديدا، أن قفزة كبيرة حدثت في مستوى ثاني أكسيد الكربون، لم تعهدها البشرية منذ ملايين السنين. وقد زاد هذا الارتفاع الخوف من عواقب الاحترار العالمي (ارتفاع درجة حرارة الأرض) على الجنس البشري.
محطة قياس غاز ثاني أكسيد الكربون، العاملة على جبل بركاني في أكبر جزر هاواي، بينت في أوائل أيار الماضي أن معدل التركيز اليومي لهذا الغاز، بلغ مستوى 400 جزء في المليون. ويقدر العلماء أن تركيزات مشابهة لهذا الغاز وجدت في الغلاف الجوي قبل ثلاثة ملايين سنة فقط. وفي ذلك الوقت، لم يكن الجليد يغطي القطب الشمالي، وكان مستوى البحر أعلى من ارتفاعه الحالي بعشرات الأمتار.
وفي العام الماضي أيضا، تم قياس مستوى 400 جزء في المليون من غاز ثاني أكسيد الكربون فوق القطب الشمالي، وذلك لفترة قصيرة وليس كمعطى متوسط لفترة ممتدة.
المعطى الحالي الذي قيس مؤخرا لا يشكل تغيرا جوهريا في ظاهرة غازات الدفيئة؛ إلا أنه يعد تعبيرا رمزيا لحقيقة أن الاحترار العالمي يتواصل، وبالتالي لا يزال يشكل خطرا على البشرية. واللافت أن مستوى ثاني أكسيد الكربون يتغير من موسم إلى آخر؛ فعندما تنمو أوراق الشجر في نصف الكرة الشمالي، تمتص النباتات إلى داخلها كمية هائلة من هذا الغاز، ما يقلل تركيزه في الهواء.
ثاني أكسيد الكربون يعد أحد غازات الدفيئة الرئيسية على الأرض (جنبا إلى جنب مع غازات أخرى مثل الميثان وثاني أكسيد النيتروجين). وتاريخيا، يعتبر تركيزه في الغلاف الجوي أهم مؤشر لمدى تراكم غازات الاحتباس الحراري. هذه الغازات تمنع أشعة الشمس التي تصل سطح الكرة الأرضية من العودة إلى الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى زيادة درجة الحرارة.
ويلعب التركيز المنخفض لغازات الدفيئة دورا حيويا في الحفاظ على الحياة على الأرض، إلا أن العلماء يعتقدون بأن تركيزها الحالي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع خطير في درجة حرارة الأرض، ما يتسبب في ذوبان تدريجي للأنهار الجليدية، وارتفاع مستوى سطح البحر، وظواهر مناخية متطرفة. وقد يؤدي الاحتباس الحراري إلى انتشار الأمراض والعواصف وتغيرات في النظم الإيكولوجية. وتتمثل المصادر الرئيسية لانبعاثات غازات الدفيئة في حرق الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة، والنقل، واجتثاث الغابات، والتربية الصناعية للحيوانات، والغازات المنبعثة من تحلل النفايات.
الدكتور رالف كلينغ من معهد سكريبس لعلوم المحيطات يعكف على إجراء القياسات في هاواي. وهو يعد مكمل درب والده تشارلز ديفيد كلينغ الذي أسس محطة القياس وكان أول من توصل إلى أدلة على وجود صلة بين النشاط البشري وزيادة غازات الدفيئة؛ علما أن تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي كان مستقرا نسبيا خلال الثمانية آلاف سنة الأخيرة. لكنه، منذ الثورة الصناعية، أخذ يرتفع بمقدار كبير. "في بداية العصر الصناعي كان تركيز ثاني أكسيد الكربون حوالي 280 جزءا في المليون" قال في أيار الماضي راجندرا فتشواري رئيس فريق العلماء الذين يقدمون المشورة للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، وذلك خلال مقابلته مع صحيفة الغارديان البريطانية. وأضاف: "نأمل أن يرفع المنعطف الحالي للانبعاثات الوعي بشأن الأساس العلمي لتغير المناخ".
البيانات التي نشرت في أيار الماضي تبين بأن الجهود المبذولة فشلت حتى الآن في الحد من ظاهرة الاحتباس. بعض المنظمات الدولية ترى في مستوى تركيز ثاني أكسيد الكربون عند 450 جزءا في المليون خطا أحمر لا يمكن تجاوزه؛ لتجنب الارتفاع المتطرف في درجة الحرارة. ومن الواضح أن البشرية آخذة في الاقتراب من هذا الارتفاع، في الوقت الذي فشلت دول العالم، وبخاصة الصناعية، في بلورة معاهدة ملزمة وفعالة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة.
الوقت آخذ في الزوال
يعتقد العديد من خبراء المناخ أن معدل انبعاث غازات الاحتباس الحراري يزداد باضطراد، وأن السيناريو الذي نعيشه حاليا أكثر تشاؤما من ذاك الذي قدمه فريق علماء الأمم المتحدة الذي يتابع مسألة تغير المناخ. كما أن هناك هبوطا في الاستثمارات بالطاقة المتجددة بسبب الأزمة الاقتصادية.
في السنوات الأخيرة، تحولت مسألة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون إلى وسيلة لتعزيز الحملات الجماهيرية الهادفة إلى منع التغيرات المناخية الخطيرة. ويتجسد المثال الأبرز على ذلك في الحملة العامة التي نظمها بيل مكيبن الكاتب والناشط البيئي الأميركي. وقد أسس مكيبن "منظمة 350" التي تهدف إلى حث صناع القرار للتحرك لمنع تركيز ثاني أكسيد الكربون من تجاوز مستوى 350 جزءا في المليون؛ الأمر الذي من شأنه أن يقلل احتمالات ارتفاع متوسط حرارة الأرض أكثر من درجتين مئويتين. وإذا لم يتغير الواقع الحالي حتى نهاية القرن، فيتوقع العلماء حدوث ارتفاع في حرارة الأرض بنحو 6 درجات مئوية.
في العقد الأخير، كان معدل الاحترار أبطأ من توقعات العلماء، وذلك على الرغم من الزيادة المستمرة في معدل ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة. هناك تفسيرات مختلفة لهذه الظاهرة، بما في ذلك التفسير الخاص بجسيمات التلوث الصناعي في الهواء والتي تمنع بعضا من أشعة الشمس، ما يولد أثرا "تبريديا" يقلل من الاحترار المتوقع. ومع ذلك، معظم العلماء مقتنعون بأن اتجاه الاحترار العالمي سوف يزداد حدة في السنوات المقبلة، وبخاصة أن القياسات تتعامل مع إجمالي الحرارة الكامنة، علما أن للمحيطات أكبر قدرة على الامتصاص الحراري، وهناك تحديدا تواصل الحرارة في التراكم. وتزايدت في السنوات الأخيرة الأمثلة على أن عملية الاحترار أخذت تؤثر على ظواهر مناخية وجوية متطرفة. وتتمثل الظاهرة الأكثر إثارة للقلق في الذوبان المتفاقم لطبقة جليد المحيط المتجمد الشمالي في الصيف الماضي؛ ويقدر العلماء بأنه في غضون بضع سنوات، سوف يختفي الجليد تماما خلال فترة الصيف. وسيؤدي هذا الأمر إلى تفاقم الاحترار، لأن الجليد يعكس الإشعاع الشمسي. لذا، بعد ذوبانه، ستتراكم الحرارة في داخل مياه البحر.
إعصار ساندي الذي تسبب العام الماضي في خسائر فادحة بالولايات المتحدة يجسد أيضا التغير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري. والحديث هنا يدور عن اصطدام نظامي طقس متطرفين. الإعصار المتأخر نسبيا اصطدم بنظام هوائي بارد وثلوج في شرق الولايات المتحدة، ما أدى إلى عاصفة شديدة للغاية.
وفي العام الماضي أيضا، تواصلت الجهود الدولية الرامية إلى المضي قدما نحو إبرام معاهدة مناخ جديدة؛ إلا أنه، حتى الآن، لم يسجل أي اختراق. العلماء مقتنعون بأن الوقت بالنسبة للجنس البشري آخذ في الزوال، ومن الضرورة بمكان استكمال وتنفيذ سريعين لاتفاقية من شأنها أن تدفع قريبا بخطوات عملية للحد من انبعاثات غازات الدفيئة.
العديد من خبراء وعلماء المناخ والناشطين البيئيين يتخوفون من أن التحرك للتقليل الجدي في انبعاث غازات الدفيئة سيحدث فقط حينما نصل إلى حالة طوارئ مناخية، وبعد أن تكون الكتل الجليدية قد ذابت وارتفع مستوى البحر. وعندئذ، سيكون الوقت متأخرا جدا!
|