ندوة العدد تفتح ملف عمالة الأطفال في مكبات النفايات
خبراء ومختصون يرسمون صورة قاتمة للنباشين ويقترحون خطة عمل لتغييرها
- العودة: التقصير في علاج الظاهرة لا يمكن إنكاره
- أبو عون: إنهاء المكبات العشوائية يضع حداً لعمالة الصغار الخطرة
- حرب: 3 مكبات عشوائية لـ19 تجمعا والاحتلال يمنع إقامة محطة معالجة في سلفيت
|
|
|
الندوة المتلفزة حول النباشين الأطفال |
عبد الباسط خلف
خاص بآفاق البيئة والتنمية
اقترح مسؤولون ومختصون ملامح خطة لإنهاء ظاهرة عمل الأطفال في مكبات النفايات العشوائية. وذكروا أن وزارة العمل تمتلك برامج تنفذها بالشراكة مع مؤسسة انقاذ الطفل ومنظمة العمل الدولية، عبر لجنة وطنية من المؤسسات العاملة لحماية الأطفال، وحظر تشغيلهم، تجدد سنوياً، وتنسق الجهود مع شبكة حماية الطفولة، ومن ملامحها تكثيف العمل مع الأحداث المشتغلين في الشوارع، وعند الإشارات الضوئية، وزيادة حملات التوعية والإعلام.
وأكدوا أن مكب يطا، يضم 100 من الأطفال، الذين يعملون في نبش النفايات بحثاً عن المعادن، فيما لا تتوفر معطيات حول النباشين الصغار في مكب العيزرية. وقالوا إن نشر قانون الطفل الفلسطيني في الجريدة الرسمية، بعد توقيع الرئيس، يمكن أن يؤسس لإجراءات أقسى لعمالة الأطفال، ووضع حد لهذه الظاهرة، حين ستتضاعف غرامات تشغيل الصغار من 200 و500 دينار إلى ألفي دينار.
وذكروا أن تطويق ظاهرة عمل الأطفال في المكبات العشوائية، يتطلب إغلاقها؛ لأن وجودها في الأصل كان مخالفاً، وساعدت عليه ظروف الاحتلال. وأشاروا إلى أن الحاجة تستدعي إدخال تغييرات في التعامل مع قضايا البيئة، واعتبارها أولوية، ودمجها في إطار المخيمات الصيفية، ونقلها إلى تفكير الأسرة واهتماماتها.
نباشون صغار!
وفتح برنامج" حوارات بيئية" الذي تنظمه مجلة آفاق البيئة والتنمية وتلفزيون وطن، ملف عمالة الأطفال في مكبات النفايات الصلبة وتداعياتها. وأستضافت الندوة مأمون العودة مدير دائرة عمل الأحداث في وزارة العمل، والمدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك للنفايات الصلبة في محافظة رام الله والبيرة المهندس حسين أبو عون، ومدير عام الشؤون العامة في محافظة سلفيت نعيم حرب، فيما اعتذرت في اللحظات الأخيرة المحامية في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال المحامية سوسن صلاحات عن عدم الحضور.
وانطلقت الندوة بمشاهدة الفيلم الوثائقي الذي أنتجه مركز معا ونفذه تلفزيون وطن، بعنوان" النباشون الصغار: كابوس الجوع والموت البطيء يطاردهم بين أكوام النفايات" واشتملت المشاهد صوراً قاسية لأطفال في عمر الورود يعملون في ظروف مزرية بحثاً عن المعادن والخردة لبيعها، وقدم الفيلم شهادات مرة عن الظروف والمخاطر الصحية التي تحيط بهم، والدوافع التي تجبرهم عليها، فيما رفض السماسرة والمقاولون الذين يقفون خلف هذه الظاهرة، الحديث. كما تناول الفيلم أيضاً تحول النفايات "لمعلم" جغرافي للكثير من القرى والبلدات.
وتنقل الفيلم بين مكبات: بديا، ويطا، وإذنا، والعيزرية، ورصد موقف الجهات الرسمية والهيئات المحلية من النباشين، وأورد معطيات عديدة حول غياب الرقابة من جانب الجهات المختصة، وعدم تنفيذ المادتين 93 و95 من قانون العمل التي تمنع تشغيل الأطفال قبل 15 سنة في الأعمال الخطرة والضارة بالصحة، وحمل أرقامًا وإحصاءات عن حجم النفايات المنتجة يومياً بواقع 4250 طنا في اليوم يصل 56% منها إلى المكبات فقط، في ظل وجود 161 مكبا تعمل بشكل عشوائي وغير صحية. وتحدث مسؤولون عن قصور المؤسسات باختلافها في معالجة الظاهرة، ووضع حد لها.
تقصير
وذكر مأمون العودة، أن التقصير في علاج هذه الظاهرة لا يمكن إنكاره، وتتحمل مسؤوليته جهات كثيرة: حكومية وأهلية وإعلامية ونقابية تنشط في مجال الطفولة.
وقال إن الوزارة والجهات الأهلية العاملة في حماية الطفولة، بدأت منذ العام الماضي في عمل وتنشيط شبكة حماية الطفولة، كل في موقعه وصلاحيته واختصاصه.
وأكد أن دور وزارة العمل يكمن في تنظيم علاقة العمل بين المُشغل والعاملين، ومنع عمالة الأطفال لديهم، لكن تغيب سلطة الوزارة عن الأطفال العاملين في الشوارع، وتُحال المسؤولية إلى الشؤون الاجتماعية والشرطة وحماية الأسرة، وهذا الأمر دفع إلى تفعيل شبكة حماية الطفولة؛ لضبط الأطفال من كل الجوانب.
وأردف العودة: نتابع قضايا الأطفال في الميدان، وسبق أن زرنا مكبات النفايات العشوائية، ووضعنا حلولاً بالمشاركة مع الهيئات المحلية والشرطة ومجالس الخدمات المشتركة للنفايات الصلبة، لعدم إدخال الأطفال؛ لكن المشكلة أن هذه المكبات مفتوحة، وتصعب السيطرة عليها بشكل كامل.
وتابع: خلال زيارتي سابقاً لمكب يطا، شاهدت وجود 60 طفلاً تقريباً من بين 100 نباش كانوا في المكان. وإن مجموعة كبيرة من المتواجدين هناك، كانوا يفكرون بطريقة يأملون من خلالها أن تجري عملية تثبيتهم بشكل دائم في المستقبل داخل المكبات.
|
ندوة آفاق البيئة والتنمية حول النباشين الأطفال |
83 مكباً عشوائياً في رام الله!
وأشار حسين أبو عون إلى وجود 161 مكبا في الضفة الغربية 83 منها في محافظة رام الله والبيرة؛ بسبب عدم وجود مكب نفايات لمعالجة النفايات الصلبة، مقارنة بالشمال حيث مكب زهرة الفنجان، فيما تنفذ في الجنوب خطة لتشغيل مكب المنية في المستقبل القريب.
وتطرق إلى العمل الجاري شرق رام الله، لتنفيذ مكب مركزي بين رمون ودير دبوان؛ لإغلاق جميع مكبات النفايات العشوائية، التي لا يمكن وقف العمل بها دون إيجاد بديل، مشيراً إلى وجود جزء من المجالس ترحل نفاياتها إلى مكب "زهرة الفنجان"، فيما ستبدأ مجالس أخرى في ذلك خلال آب القادم.
وقال: بدأنا بالبحث عن حلول، تسبق تأسيس مكب إقليمي للنفايات الصلبة، كمحاولة تقليل المكبات، ودمجها عبر مكبات مُتحكم فيها.
وأضاف: أن عدد الأطفال النباشين في مكبات رام الله العشوائية بسيط وتكاد تكون المحافظة خالية تقريباً منها؛ لصغر حجمها، وعدم وجود معادن وورق وكرتون، لكن في محطة ترحيل رام الله، هناك شركة تفصل النفايات عن بعضها، ولا يصل إليها الأطفال. وفي حال أغلقنا 63 مكبا عشوائيا في رام الله، واتجهنا إلى مكب صحي يمنع دخول الأحداث، سنعالج تشغيلهم.
وأضاف: لدينا خطة لترحيل النفايات عبر 3 محطات في المحافظة، ونصطدم بتكلفة النقل الباهظة إلى المنية جنوباً، وزهرة النفايات شمالاً. وفي حال وجود مكب مركزي في الخليل، فإنه سينهي عمل الأطفال في النبش عن المعادن.
مسألة شائكة
وأكد نعيم حرب، أن موضوع النفايات مسألة شائكة، وأن النباشين في محافظة سلفيت ليسوا ظاهرة، كما يشاع، والحالات الموجودة فردية، وفي بديا جرى التعامل مع حالة لطفلين كانا يعملان في نبش النفايات، مع مقاولين لحرق الإطارات والحصول على المعادن فيها، ما دفع لجنة السلامة العامة في المحافظة للتدخل، بمساعدة الشرطة. والحالات الموجودة الآن لتجار يبحثون عن الخردة.
وأضاف: إن الوضع السياسي والجغرافي والكثافة الاستيطانية في محافظة سلفيت لا تخفى على أحد، وهناك 13 مكباً عشوائياً وغير مرخص أو خاضع للرقابة منتشر في المحافظة، وقبل أيام احتفلنا باغلاق مكب وادي المطوي (بين بروقين وسلفيت) على أمل أن نحوله إلى متنزه وطني.
نصوص قانونية
وأشار العودة، إلى أن المادة 93 من قانون العمل، تمنع تشغيل الأطفال قبل بلوغ سن الـخامسة عشرة، أما المادة (95) فتحظر تشغيل هؤلاء في الأعمال الخطرة والضارة بالصحة، وما يتضح هنا التشغيل، وليس العمل العشوائي غير المرتبط بمشغل، وفي حال وجود سماسرة، تتولى وزارة العمل المسؤولية مباشرة، وتتم مخالفة كل من يشغل طفلا دون السن القانوني، يُحوّل إلى المحكمة، وبموجب القانون، هناك غرامة بين 200 و500 دينار، على كل حالة يجري فيها تشغيل أي طفل.
وقال: هناك قوانين متداخلة، أما فلسفة حماية الأحداث فموجودة في قانون الطفل الفلسطيني، الذي يحظر تشغيل من هم دون سن الـ15، والمخالفة، من ألف إلى ألفي دينار، وتقع المسؤولية على ولي الأمر، إذا قام بتشغيل الطفل.
ومضى يقول: عالج قانون الطفل الفلسطيني مسألة عمل الأحداث، وكل من يشغلهم، أو ينتهك حقوقهم.
وزاد: فعّلنا، بعد زيارة مكب يطا، شبكة الحماية الاجتماعية، المشكلة من مؤسسات رسمية وأهلية تعمل في مجال الطفولة، وبالرغم من توصيتنا بضرورة تشكيل لجنة من" وزارت: العمل والشؤون الاجتماعية والصحة، والشرطة لمتابعة القضية بشكل شمولي، ولكن ما يُصعّب المشكلة أن المكبات مفتوحة، وتغيب عنها السيطرة، والمضبوط فيها فقط المتواجد على الطريق، حيث تعبر الشاحنات وتدفع رسوم الدخول، فيما يدخلها الأطفال ويتنقلون فيها من كل الجوانب والأطراف.
أضرار مميتة
ورسم حسين أبو عون صورة للأضرار الصحية والبيئية التي يتسبب بها العمل في المكبات، بالقول: الضرر الأكبر لكل من يعمل في نبش النفايات يكمن في التسبب بالإصابة بالأمراض وبخاصة إلتهاب الكبد الوبائي الخطير، الناجم عن تحلل النفايات، وتضاعف احتمالات إصابة الأطفال به، وربما تزيد من احتمالية الوفاة.
وأضاف: لا معلومات لدينا حول وفيات لأطفال؛ بسبب العمل في المكبات، ولكن جميع مجالس الخدمات والبلديات، تُجري تطعيمات لكل العاملين فيها، ضد التهاب الكبد الوبائي.
وذكر أن مجلس خدمات رام الله يمتلك 11 سيارة لجمع النفايات، تخدم 45 قرية، وجرى تطعيم العاملين عليها في وزارة الصحة، ولا تتم عملية ترخيصها أو تأمينها إلا في حال تطعيم العاملين عليها، مع مراعاة إجراءات السلامة العامة.
وبين وجود وحدة معالجة للنفايات الطبية في مركز فلسطين الطبي، فيما ستفتتح وحدة أخرى في الخليل، ولكن استبعد التفكير بتأسيس وحدة أخرى في المكب المنوي تنفيذه برام الله لوجودها في وزارة الصحة. ولفت إلى وجود بعض التسريبات لنفايات طبية، مصدرها بعض العيادات الخاصة الصغرى، دون معالجة.
عوائق
وتطرق نعيم حرب إلى مشهد سلفيت المنكوب بالاستيطان ونفايات المستعمرات، وقال: إن واقعنا صعب، قياساً بمحافظات أخرى، توجد فيها ثلاثة مكبات مركزية لمعالجة النفايات ( قائمة أو مقترحة)، إذ يرفض الاحتلال السماح بوجود مكب في المحافظة لـ 19 تجمعا، وطرحنا ذلك أكثر من مرة، لكن قوبل ذلك بالرفض؛ بدعوى قربه من المستوطنات، ووجوده خارج نطاق السيطرة الفلسطينية.
وتابع: حاولنا البحث عن حلول للمحافظة، وترحيل النفايات إلى زهرة الفنجان، إلا أن هذا سيزيد التكلفة 25 شيقلا على كل مواطن، وبالتالي لم يعد هذا قابلاً للتطبيق، ورغم ذلك نفكر في مكب موحد في سلفيت للمعالجة، ضمن الخطة الاستراتيجية للمحافظة التي وضعت قبل عامين.
وأكد العودة أن تدخلات وزارة العمل تظهر حجم المعاناة، ولكن انتشار المكبات في رام الله أقل من الحال في الخليل، وخلال متابعتنا للوضع داخل رام الله، وجدنا أن الكثير من الحاويات فيها، يجري نبشها، والبحث عن المعادن، من قبل أطفال يحملون أكياساً.
جهود
وأضاف: إن شبكة حماية الطفولة (المشكّلة من وزارات العمل والداخلية والشؤون الاجتماعية والشرطة والصحة والتربية والتعليم والهلال الأحمر، ومؤسسات أهلية مختصة) تركز عملها مع بدء العطلة الصيفية، لمتابعة هؤلاء، والأطفال الذين يجري ضبطهم يُنقلون إلى مراكز حماية الطفولة، مهما كانت طبيعة عمله، ويتدخل المسؤولون فيه مع الأسرة إذا وجدت.
وتابع: في مكبات يطا وجنين، تم ضبط الأطفال، والحديث معهم من قبل الشبكة، ولكن في كل الحالات يتذرع أصحابها بالوضع الاقتصادي الصعب، وعدم قدرة الأب على العمل، ولاحظنا أبناء تجار في رام الله يجبرون أولادهم عل العمل!
وذكر أبو عون، أن مسألة عمل الأطفال في المكبات وغيرها، تحمل أبعادًا اجتماعية، وسبق وأن أطلقنا حملات للتوعية حول النفايات، ونروج خلالها ضد عمل الأطفال في المكبات.
اشتراطات
وقال حرب: إن حملات التوعية مستمرة في مجالات البيئة والتخلص من النفايات، وعملنا مع الشركاء في سلفيت، وبخاصة وزارة التربية والتعليم ونواديها البيئية الـ14. لكن المسألة ثقافية بالدرجة الأولى. وزاد: نتدخل في العادة لمنع تشكل ظاهرة النباشين، عبر لجنة السلامة العامة، وبالشراكة مع الشرطة، إذ نحصل من المخالفين على تعهد بعدم العودة لهذه الأعمال ثانية. وسبق أن جرى إيقاف مشغلي الأطفال في بديا، وتم تحويلهم إلى القضاء.
|