مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
نيسان 2013 - العدد 53
 
Untitled Document  

المباني الخضراء والإرث المعماري المهدد في أريحا
البناء الطيني يبدأ رحلة العودة إلى موطنه الأصلي

أحد المباني الطينية التقليدية في مركز مدينة أريحا وقد دمر جزئيا

دانة مسعد
خاص بآفاق البيئة والتنمية

تاريخ أريحا غني وجدير بالفخر الذي نشعر به نحن الفلسطينيون أهل هذه الأرض ويشعر به أهل أريحا خاصة. فقد سميت أريحا عبر العصور بمدينة البساتين والنخيل والقمر.  وكشفت الحفريات الاثرية لنا وللعالم أجمع في منطقة تل السلطان عن دلائل أثرية من الفترة النطوفية التي تعود للألف العاشر قبل الميلاد. وكشفت كذلك بأن أريحا التاريخية هي أقدم المدن في العالم. هذا الجزء من التاريخ نسمعه ونعرفه معرفة جيدة ٬ لكن هناك معرفة مرتبطة ارتباطا وطيدا بهذا التاريخ، كانت قد أهملت حتى أصبحت على وشك الانقراض. فقد كشفت تلك الحفريات الأثرية في المنطقة نفسها عن جدران قائمة من مبان يقدر عمرها بحوالي ١٠ آلاف سنة تعود لفترة العصر الحجري الحديث. وهي منازل صغيرة مستديرة مبنية من اللبن.  وهذه المباني محاطة بسور ما زال قائما حتى اليوم، ويصل ارتفاعه قرابة الستة امتار، وهو من اللبن أيضا. نعم اللبن، وهي مادة البناء نفسها التي ابتليت اليوم بسمعة سيئة وظالمة "لا تعيش طويلا"، وهي التي عاشت قرابة ١٠ آلاف سنة وما زالت قائمة متحديةً كل عوامل الطبيعة بما فيها الزلازل.
 واللبن هو أسلوب البناء الذي يستخدم التربة المحلية المخلوطة بالتبن والمشكّلة بقوالب خشبية بسيطة على شكل طوب بناء يجفف تحت أشعة شمس غور الأردن الحارة. وهي الطريقة التي بنى بها أهل غور الأردن بيوتهم  لعشرة آلاف سنة على الأقل، واستمرت حتى العقود القليلة السابقة، حينما اجتاحت مواد البناء الحديثة وبالأخص الاسمنت جميع المناطق، وقضت بذلك على معرفة استمرت وتطورت عبر آلاف السنين.
وقد اكتشف أهل المدينة التاريخية، العمارة الطينية المعروفة باللبن فاستخدموها وقاموا بتطويرها. فعرفوا أن البناء الطيني هو الأكثر تناسبا مع مناخ وطبيعة المنطقة، وفهموا قدرة الجدران الطينية على العزل الحراري، وعرفوا بالفطرة والخبرة الطويلة المتوارثة مدى أهمية السعة الحرارية النوعية العالية التي تتمتع بها الجدران الطينية في توفير بيئة مريحة للمعيشة في صيف أريحا الحارق. ولا غرابة في اختيار أهل أريحا الطين كمادة للبناء وتفضيلها على أنواع البناء الأخرى التي استخدمت في فلسطين.  فالمواد الخام اللازمة لإنتاج طوب اللبن وهي التربة الغنية بالكلس (الحوّر) والتبن، موجودة وبوفرة في منطقة الأغوار. كما أنه يمكن إعادة استخدامها إذا أصبح هناك حاجة لذلك بنقعها في الماء وصناعة طوب جديد .
وفي الخمسين سنة الماضية، شهد هذا الاستمرار الطويل والتطور الطبيعي في المعرفة حول  البناء الذي ساد المنطقة طويلا، شهد انقطاعا مفاجئا نتج عن دخول الاسمنت للمنطقة، وعن انتشار استخدامه لدرجة أصبح فيها من النادر جدا أن  يجد المرء بناءً من الطين  أقيم حديثا.  كما أصبحت المباني التاريخية المشيدة به ومعها الإرث المعماري والهوية المعمارية للمدينة خاصة ومنطقة حوض نهر الأردن عامة مهددة بالانقراض .

أحد المباني الطينية المهجورة في أريحا
السيد صبري خلف رئيس بلدية أريحا يلقي كلمة في مركز مدينة أريحا عام 1940

البحث :
يذكر المهندس باسل حجازي وهو مدير الدائرة الهندسية في بلدية أريحا في مقابلة معه، بأنه لا يوجد للبلدية سجل بالأبنية الطينية الموجودة في المدينة وبأنه لا توجد قوانين حتى الوقت الحالي تعمل على حماية هذه المباني. وذكرت وئام عريقات مديرة العلاقات العامة في البلدية، بأن بلديتها تعمل على إدراج تل السلطان في لائحة مواقع التراث العالمي، وبأنه تم تشكيل لجنة وطنية لذلك لكن  الموضوع لم تتم متابعته، فباتت الخطة مؤجلة. وأكدت عريقات على أنه في حالة إدراج مواقع من أريحا، ولا سيّما تل السلطان ومواقع تاريخية أخرى في هذه اللائحة العالمية، فإنه سيوفر الحماية للمباني التاريخية الموجودة في تلك المناطق. وأضافت عريقات أن الخطة الخمسية للبلدية تهدف إلى العمل على ترميم ثلاثة مباني تاريخية منها القصر الشتوي التابع للعائلة المالكة في الاردن .
 ويذكر بهاء الجعبة القائم على سجل المباني التاريخية، بأنه عمل على تسجيل المباني في مدينة أريحا؛ وهو العمل الذي نفذته مؤسسة التعاون ووزارة الثقافة الفلسطينية وبالتعاون مع مؤسسة رواق، فتم إدراج 424 مبنىً في السجل معظمها من المباني الخاصة، وبعضها من المباني العامة أو الدينية.
ويذكر سجل رواق أسماء ملاك المباني التاريخية وحالتها كما يذكر نوع الأرضية المستخدمة في المبنى عند تسجيله، لكنه لا يوجد تسجيل لنوع مواد البناء المستخدمة في كل مبنى. ولكن السجل يذكر بشكل عام أن طبيعة معظم المباني مكونة من طوب اللبن والخشب والقصب والقرميد

أنماط العمارة الحالية في أريحا

الترميم وإعادة الاحياء :
بالرغم من أن ترميم المباني الطينية التاريخية في الأغوار أمر شبه منعدم إلا أن هناك أملاً في إنقاذ الطابع المعماري المميز والمعرفة المرتبطة به ٬ وذلك من خلال  جهود إعادة إحياء هذا النوع من البناء والتي شهدتها مناطق الأغوار في السنين القليلة الماضية. وقد كان من السباقين في العمل على إحياء البناء الطيني مجموعات الحراك الشبابي لحماية الأغوار، وهي مجموعات شبابية متعددة نشيطة كحملة انقذوا الاغوار التي تقوم بإنشاء المنازل الجديدة من اللبن للعائلات التي هدم الاحتلال منازلها، وخاصة في منطقة الجفتلك والفصايل. وتقوم المجموعات الشبابية بهذا العمل عن طريق توفير مجموعة من المتطوعين الذين يقومون بصناعة الطوب وبأعمال البناء، كمساندة لتلك العائلات ولدعم صمودهم على أراضيهم المهددة بالاستيلاء عليها من قبل المستوطنين ومن حكومة الاحتلال. كما تقوم مؤسسة اليونسكو على مشروع إعادة إحياء للمباني الطينية ببناء مراكز نسوية من الطوب الطيني المكبوس في مناطق مختلفة من غور الأردن. ويعمل كذلك مرسم شمس ارض وهو مكتب تصميم بيئي خاص مكون من مجموعة شباب معماريات ومعماريين يقومون على تصميم وبناء مبانٍ طينية في مناطق عدة من البلاد وخاصة في الأغوار الفلسطينية ٬ وهي مبان بعضها خاصة وأخرى عامة ٬ ويستخدمون طرقا متعددة للبناء بالطين مثل اللبن التقليدي بالإضافة للطوب الطيني المكبوس والأكياس الطينية. وكذلك فإن هناك تجارباً فردية في هذا العمل كالمهندس أسامة حمدان الذي قرر بناء بيته الخاص في أريحا من اللبن .
 ويذكر المهندسون العاملون في هذا المجال بأن هناك عوائق كثيرة لأعمال إعادة إحياء البناء بالطين، منها قوانين الترخيص من النقابة التي لا تسمح بتسليم مخططات لبناء طيني ٬ مما يضطر المهندسين العاملين في هذا المجال على عمل الرسومات الترخيصية لبناء اسمنتي لأغراض الترخيص ورسومات اخرى للبناء بشكله النهائي. كما يذكر المهندسون صعوبات أخرى تواجه تنفيذ المباني الطينية كصعوبة إيجاد الحرفيين ذوي الخبرة في بناء العقود والأقواس أو في تصنيع وبناء الجدران الطينية. وهذا يعني ان العمل يتطلب متابعة وإشراف دائم أثناء عملية البناء والتشطيب مهما صغر حجم المشروع.  وبالرغم من كل هذه الصعوبات، فهناك أمثلة جديدة ومجددة وجريئة في تصميم وتنفيذ البناء الطيني والذي بدأ رحلة العودة الى موطنه الأصلي.

* المباني التاريخية بتعريف سجل رواق هي جميع المباني التي يزيد عمرها عن ٥٠ عام
الهندسة المعمارية التقليدية في أريحا
مبنى طيني تاريخي مهجور في أريحا
جدار وأساس مبنى طينيين وجدا في تل السلطان في أريحا يرجع تاريخهما إلى الفترة الممتدة بين 1900-1650 قبل الميلاد
فندق القصر الشتوي يعد معلما معماريا في أريحا وقد دمر جزئيا في زلزال عام 1927
التعليقات

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية