|
تقارير للبنك الدولي تزعم بأن مشروع "قناة البحرين" مُجْدٍ هندسياً واقتصادياً وبيئياً
التقارير تتضمن تناقضات ومغالطات علمية كثيرة وتتجاهل بأن الأردن على حافة الإفلاس الاقتصادي والمالي
جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية
بعد نحو عشر سنوات من النقاشات حول جدوى مشروع إقامة "قناة البحرين" (الأحمر – الميت) وآثارها البيئية، نشر البنك الدولي في كانون ثاني الماضي سلسلة تقارير زعم فيها بأن مشروع إنشاء القناة من البحر الأحمر إلى البحر الميت مُجْدٍ هندسيا، اقتصاديا وبيئيا. وقد اعتبرت ما يسمى وزارة "التعاون الإقليمي وتطوير النقب والجليل" الإسرائيلية هذه التقارير خطوة هامة إضافية نحو إنجاز المشروع.
وكما هو معروف، الهدف الإسرائيلي المعلن من مشروع "قناة البحرين" الذي اخترعه الإسرائيليون أصلا، هو تثبيت مستوى سطح البحر الميت، وتزويد دول المنطقة، وبخاصة الأردن، بالمياه والكهرباء؛ إضافة إلى ما يسمى "التعاون الإقليمي وتعزيز السلام في المنطقة". وبحسب ادعاء البنك الدولي، فإن عدم تثبيت مستوى سطح البحر الميت من خلال مشروع القناة، سيتسبب في تواصل هبوطه؛ ما سيؤدي إلى "خسارة نحو عشر مساحته خلال الخمسين سنة القادمة؛ ومعنى ذلك أضراراً كبيرة للسياحة والصناعة في المنطقة، إضافة إلى الأضرار البيئية الواسعة". وبالطبع فإن حصة الأسد في هذه الخسائر ستكون للاحتلال الإسرائيلي، لأن استغلال الأردن الاقتصادي والتجاري للبحر الميت هامشي، بالمقارنة مع إسرائيل، كما أن الأخيرة تمنع أصلا فلسطينيي الضفة الغربية منعا مطلقا من الاقتراب من البحر.
ومن خلال "خبراء" من بعض الدول، بمن فيهم "خبراء" من إسرائيل والأردن، درس البنك الدولي بعض البدائل لنقل كمية كبيرة من مياه البحر الأحمر، عبر الأردن، إلى البحر الميت. وبحسب توصيته، يتجسد البديل الأمثل في إقامة محطة ضخ بمنطقة العقبة؛ ومن ثم جعل المياه تجري إلى نقطة مرتفعة ومنها نقل المياه، بواسطة أنابيب ونفق، إلى منطقة تقع جنوب البحر الميت. ومن المخطط أن يقام في ذات المنطقة أكبر محطة تحلية في العالم؛ ستزود، بشكل أساسي، إسرائيل والأردن بمياه الشرب (أكثر من نصف مليار متر مكعب سنويا). كما ستقام منشأة هيدروكهربائية لتزويد الكهرباء إلى كل من إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية! المياه المالحة المتبقية من عملية التحلية ستُضَخ بواسطة أنبوب إلى البحر الميت؛ ما سيؤدي إلى وقف تراجع مستوى البحر، ومن ثم ارتفاعه التدريجي.
وفي المحصلة، سيُضَخ في مشروع "القناة" ملياري متر مكعب من المياه؛ سيصل جزء كبير منها، في نهاية المطاف، إلى البحر الميت. وستبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو عشرة مليارات دولار يتوقع أن يتم توفيرها من خلال القروض و"المِنَح" الدولية. ويدعي البنك بأن الأرباح الناتجة عن توليد الكهرباء والمياه يمكنها سداد جزء أساسي من القروض. وبحسب الجدول الزمني للبنك، يتوقع في مطلع العقد القادم أن يصبح المشروع ساريا.
وأقر البنك الدولي بأنه قد يكون للمشروع -المزمع إنشاؤه- آثار سلبية على البيئة والمشهد الطبيعي، بما في ذلك حدوث تغيير في تركيب البحر الميت يشمل تكون كتل بيضاء من الجبس ونمو طحالب غريبة! كما أشار البنك إلى أن تسرب المياه المالحة من الأنابيب في منطقة العربة قد يتسبب في ملوحة خزان المياه الجوفية الهام هناك. ويقول البنك إن بالإمكان التعامل مع هذه الآثار البيئية، ويوصي بتنفيذ مشروع تجريبي لنقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت؛ إلا أنه يعترف بمحدودية مثل هذا المشروع التجريبي على تقدير الآثار البيئية.
تقارير مليئة بالتناقضات
اللافت أن البنك الدولي، وبما يتناقض مع استنتاجه القائل إن بالإمكان التعامل مع الآثار البيئية، يقول في تقريره الخاص بدراسة الآثار البيئية لمشروع القناة بأن "إعطاء الاهتمام اللازم للتنفيذ والإشراف والرصد يتيح تطبيق المشروع دون تأثيرات بيئية أو اجتماعية غير مقبولة فيما يتعلق بمرحلة تزويد مياه الشرب. ومع ذلك، يوجد، لغاية الآن، عدم يقين بخصوص تأثيرات المشروع الممكنة على البحر الميت، وإمكانية تحقيق الاستقرار في مستوى سطحه، دون التسبب بأضرار غير قابلة للإصلاح لقيمته الثقافية"!
من الواضح أن تقارير البنك الدولي المتعلقة بمشروع قناة البحرين مليئة بالتناقضات، وأهمها إقراره الصريح بأن مشروع القناة سيؤدي إلى نمو طحالب حمراء غريبة وتكون كتل من الجبص الأبيض في البحر الميت، إضافة إلى وجود مخاطر جدية على المياه الجوفية في وادي عربة. وعندما يقول تقرير البنك بوجود جدوى اقتصادية للمشروع، وبأن المساعدات الدولية اللازمة للمشروع تبلغ 5 مليارات دولار، إضافة إلى أن على الأردن أن يستثمر 2.5 مليار دولار في البنى التحتية الخاصة بنقل المياه إلى عمان- عندما يقول كل ذلك فإنه يتجاهل الأزمة الاقتصادية العالمية وبأن الأردن تحديدا على حافة الإفلاس الاقتصادي والمالي. ناهيك أن المشروع سيرفع تكلفة المياه في الأردن، ما قد يؤدي إلى نشوب انتفاضة شعبية. بل إن الحكومة الأردنية أعلنت عن تخوفها من التكلفة المرتفعة للمشروع، وبأنها ستدرس إمكانية تنفيذ مشروع صغير خاص بها لنقل المياه المحلاة من خليج العقبة إلى عمان. وقد نشرت مجلة آفاق البيئة والتنمية في شباط الماضي (2013) تقريرا حول إعلان الحكومة الأردنية مؤخرا بأن مشروع قناة البحرين غير مجدٍ اقتصاديا؛ وبخاصة في ظل تدهور الوضع الاقتصادي الأردني وعدم قدرة المواطن الأردني على تحمل تكلفة المياه المحلاة في إطار المشروع.
كما يتناقض التقرير البيئي الأخير للبنك الدولي مع ما كشفه بحث أعلن عنه ذات البنك في أوائل عام 2012 ورد فيه بأنه في حال إنشاء القناة بين البحرين الأحمر والميت، فإن ذلك قد يتسبب في تحول لون البحر الميت إلى الأبيض نظرا لتكون طبقات من الجبص؛ وقد تنمو به أيضا طحالب مائية غريبة. كما أشار البحث إلى أن القناة قد تفاقم ظاهرة الحفر البالوعية الناتجة عن انكماش البحر الميت وذوبان الطبقات الملحية الهشة في محيطه، ما يلحق الضرر بالمنشآت والبنية التحتية والطرق الممتدة على جانبي البحر، ويهدد الحياة والممتلكات والمنشآت، ويشكل خطرا على مرتادي شواطئ البحر الميت بهدف الاستجمام.
وكانت مجلة آفاق البيئة والتنمية قد نشرت منذ أكثر من ثلاثة أعوام (كانون أول 2009) دراسة حول قناة البحرين دحضت فيها ادعاء الأطراف المسوقة لمشروع قناة البحرين والقائل إنه مشروع بيئي هدفه الحفاظ على البيئة، وبينت، استنادا إلى العديد من خبراء البيئة، أن هذا المشروع سيسبب كارثة بيئية ستحل بالبحر الميت بالدرجة الأولى؛ إذ أن العديد من علماء الجيولوجيا يؤكدون بأن تنفيذ هذا المشروع سيتسبب في حدوث زلازل مدمرة، وذلك نظرا لأن تدفق كميات كبيرة من مياه البحر الأحمر ( نحو ملياري متر مكعب سنويا) في البحر الميت الذي يعد أخفض منطقة في العالم، سيؤدي إلى زيادة الضغط على قعر البحر الميت، ما سيولد اختلالات في طبقات الأرض في منطقة الأغوار التي تقع فوق ما يعرف بفالق شمال أفريقيا النشط زلزاليا، بمعنى أن تدفق المياه في تلك المنطقة قد يحرك الفالق وينشط الزلازل في المنطقة.
مشروع "وطني إسرائيلي"
من ناحيتها، أعلنت ما يسمى وزارة "التعاون الإقليمي وتطوير النقب والجليل" بأن الإعلان عن تقارير البنك الدولي يعد خطوة إيجابية وقاعدة يمكن الاستناد إليها لمواصلة العمل على تنفيذ المشروع. وقال سلفان شالوم نائب رئيس الحكومة ووزير التعاون الإقليمي وتطوير النقب والجليل: "جميع الأطراف ستستفيد من التعاون حول المشروع؛ الأمر الذي سيؤدي إلى إنقاذ البحر الميت الذي يعد من عجائب العالم. سنعمل على تجنيد جهات مؤثرة كي يصبح المشروع حقيقة على أرض الواقع".
ويتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع مشروع "قناة البحرين" باعتباره مشروعا "وطنياً إسرائيليا" كما أعلن سلفان شالوم العام الماضي؛ والذي شدد على أن هذا المشروع يعد "مشروعا وطنيا عظيما سيساهم في تنمية النقب والعربة" (معاريف 3/7/2012).
والغريب أن أوساطا فلسطينية رسمية تتجاهل بأن هذا المشروع يعد تثبيتا وتعميقا للوجود الاستيطاني الإسرائيلي في النقب وفي الضفة الغربية بعامة، وفي مناطق الأغوار بخاصة. فضلاً عن أن إنشاء المشاريع الإسرائيلية حول القناة سيجذب العاملين الإسرائيليين إليها وسيعزز الاستيطان الإسرائيلي في الأغوار.
|