|
نحو تشجيع وتطوير المواصلات العمومية للتخفيض من تلويث الهواء والازدحامات المرورية وحوادث الطرق والتلوث بالضجيج
ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعد أزمة المواصلات في داخل وبين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، من أخطر الأزمات البيئية – الصحية المتفاقمة. فالازدحامات المرورية خانقة في جميع المدن الفلسطينية، ونظام المواصلات الفلسطيني معطوب ومكلف جدا من ناحية التلويث الكبير للهواء وشق الشوارع والطرقات، وحوادث طرق يومية مميتة، وتبذير الوقت، وتكلفة الوقود المرتفعة، وغير ذلك. فالسيارة التي يفترض بها خدمتنا، تحولت إلى عبء. لذا، وانطلاقا من دوافع بيئية-صحية وإنسانية، آن الأوان للتفكير والتخطيط الجديين باتجاه التركيز بقوة على تشجيع المواصلات العمومية، وبخاصة الحافلات.
تشير المعطيات إلى أن نظام المواصلات العمومية الفلسطينية ضعيف وبائس؛ وهو يحتاج إلى تحفيز وتطوير، كي يصبح شعبيا وفعالا ومجديا. وتعد البنية التحتية للمواصلات العمومية الفلسطينية متخلفة. وللمقارنة فقط: متوسط طول الطرق المخصصة للمواصلات العمومية في براغ هو 200 متر لكل ألف فرد؛ بينما في زوريخ 350 مترا. أما في الضفة الغربية فلا يوجد أصلا مسارب أو طرق خاصة بالمواصلات العمومية. ومقابل عدد مرات سفر الفرد الفلسطيني في المواصلات العمومية بما لا يتجاوز بضع عشرات من المرات سنويا، نجد أن الفرد الأوروبي في مدن مثل روما، ميونيخ وأمستردام يستخدم المواصلات العمومية أكثر من 300 مرة سنويا.
وللأسف، تبعية معظم فلسطينيي الضفة للمركبات الخاصة الُملوِّثة شبه مطلقة؛ ما يولد يوميا اختناقات مرورية لا تطاق في شوارع المدن إجمالا؛ والتي تعاني أصلا من ضعف رهيب في البنية التحتية القائمة.
الخطوات الأولى نحو تغيير هذا الواقع، لا بد أن تبدأ بتحديد أهداف حكومية ومجتمعية طموحة تمتد لفترات زمنية طويلة (للعقدين القادمين مثلا). ومن بين الأهداف البيئية-الصحية الطموحة، على سبيل المثال لا الحصر، إقامة مسارب أو طرق خاصة للمواصلات العمومية داخل المدن، سواء كانت للحافلات أو للتاكسي العمومي؛ الأمر الذي سيزيد نسبة سفريات المواطنين في المواصلات العمومية. وفي المحصلة، سيحدث هبوط جدي في استخدام المركبات الخاصة، وفي تلويث الهواء والازدحامات المرورية وحوادث الطرق والتلوث بالضجيج.
وبالطبع، سيتطلب الأمر استثمارات حكومية وخاصة كبيرة، قد تمتد على مدى عقدين أو ثلاثة، في مشاريع تتعلق بوسائل النقل والبنية التحتية للمواصلات.
وما يمكن أن يسرع كثيرا عملية التحول نحو الاستخدام الواسع للمواصلات العمومية، هو الاستثمار الحقيقي في قطاع الحافلات؛ وبخاصة الحافلات الأكثر صداقة للبيئة، وتحديدا تلك العاملة على الكهرباء أو الغاز الطبيعي؛ إذ أن الحافلات الأخيرة أقل ضجيجا وأكثر نظافة بكثير من الحافلات القديمة المستعملة حاليا والتي تعد مصدرا خطرا لتلوث الهواء وللضجيج. وحاليا، تستخدم في العديد من مدن العالم الحافلات العاملة على الغاز الطبيعي.
وفي الواقع، يعد استخدام الحافلات النظيفة والهادئة شرطا ضروريا لتطوير نظام مواصلات نوعي غير ملوِّث للبيئة. إلا أن هذا الشرط غير كاف؛ بل من الضروري أيضا العمل على إنشاء بنية تحتية خاصة بالمواصلات العمومية، وبالتالي إحداث زيادة جدية في عدد المسارب والطرق الخاصة بالمواصلات العمومية في داخل وبين المدن، وإقامة نظام انتشار فعال للمواصلات العمومية؛ بحيث تقام محطات صغيرة للحافلات في أطراف المدن، دون الحاجة إلى محطات ومجمعات مركزية بداخل المدن.
|