مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تشرين أول 2012 العدد-48
 
Untitled Document  

أكثر من 80% من الكيماويات في الأسواق لم تفحص للتأكد من احتمال تسببها بأمراض خطيرة
آفاق البيئة والتنمية تكشف:  ارتفاع مستوى الكيماويات السامة في الجسم يضعف جهاز المناعة ويزيد نسبة الإصابة بأمراض السرطان والربو والجهازين العصبي والتناسلي ويخفض مستوى الذكاء
 لا يوجد في الضفة والقطاع أبحاث طبية لفحص مستوى الكيماويات الخطيرة في الدم أو البول
شركات الكيماويات الاحتكارية تصد المحاولات العلمية للكشف عن المخاطر الصحية للعديد من الكيماويات في الأسواق

مادة BHA المتواجدة في الأغذية المصنعة مثل الزيوت والمقرمشات وحبوب الصباح المصنعة والزبدة والمرجرين ومنتجات اللحوم تتسبب في سرطان المعدة

ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية

يتعرض أطفالنا باستمرار للمواد الكيميائية السامة التي تحاصرهم من كل ناحية؛ سواء من الطعام الذي يتناولونه، أم من المنظفات الكيميائية ومواد العناية بالبشرة التي نستخدمها يوميا، أم من الحدائق المحيطة بالمنازل، بل وحتى من الدمى التي يتلهون بها.  آفاق البيئة والتنمية راجعت ودققت بعض الأبحاث الحديثة التي عالجت هذا الموضوع وكشفت حقائق علمية وتجارية مثيرة وحساسة تؤكد الخطورة الكبيرة الكامنة في التعرض لهذه الكيماويات، وبالتالي ضرورة تقليص المخاطر الناجمة عن التعرض لها.  
فقد بينت بعض الأبحاث الطبية، ومنها بحث نشر مؤخراً في مجلة المجتمع الأميركي للطب، أن المواد الكيميائية الشائعة المتواجدة في طلاء التفلون الذي تطلى به أواني الطبخ مثل المقالي والطناجر، والمواد الموجودة في الأثاث، وتلك المضادة للبقع المستعملة في تنظيف السجاد والموكيت، بل والمواد الموجودة في الأكياس المستخدمة في الأفران والمايكروويف؛ كلها قد تضعف قدرة جهاز المناعة في الجسم على إنتاج الأجسام المضادة المطلوبة في أعقاب أخذ التطعيمات، وبخاصة لدى الأطفال.  إذ توجد علاقة عكسية بين مستوى الكيماويات في الدم ومستوى الأجسام المضادة؛ فكلما ارتفع مستوى الكيماويات في الجسم كلما انخفض مستوى الأجسام المضادة وبالتالي، كلما ضعف أكثر جهاز المناعة.  وقد تبين على سبيل المثال، أن الأولاد الذين يوجد في دمهم ضعف مستوى الكيماويات الموجودة لدى أولاد آخرين، يحملون نصف كمية الأجسام المضادة الموجودة لدى الأولاد الآخرين.
وتبين أيضا بأن الأولاد الذين مستوى الكيماويات في دمهم أعلى بمرتين من الآخرين، يزداد لديهم ضعفين إلى أربعة أضعاف احتمال وجود رد فعل مناعي ضعيف؛ لدرجة أنهم يفقدون تماما مناعتهم ضد الأمراض التي تلقوا التطعيمات ضدها.  كما أثبت الباحثون بأن تعرض الوالدين لذات الكيماويات قد يؤثر على عمل الجهاز المناعي لدى أطفالهم.  وهنا أيضا العلاقة واضحة:  حينما يكون مقدار الكيماويات في دم الأمهات الحوامل مضاعفا، فيهبط تركيز الأجسام المضادة في أجسام أولادهن بنسبة 39%. 
نتائج هذا البحث مقلقة، وبخاصة أنه يكشف لأول مرة بأن تعرض أولادنا للكيماويات يتسبب في تدمير جانب هام لتفادي الأمراض في مجتمعنا.

200 مادة كيميائية سامة في أجسامنا
تراكمت في السنين الأخيرة أدلة كثيرة حول التأثيرات الخطيرة للتلوث البيئي على صحتنا وصحة أطفالنا.  وخلال العقود الثلاثة الأخيرة ارتفعت باستمرار نسبة الأمراض المزمنة؛ فتضاعف مرض الربو ثلاث مرات، وارتفعت بنسبة الأمراض السرطانية لدى الأولاد بمقدار 40%، كما تضاعفت التشوهات في الجهاز التناسلي  لدى الأبناء.  وفي المقابل، يزداد تعرض الأولاد للكيماويات الصناعية.  ومنذ عام 1950 تم اختراع أكثر من 80 ألف مادة كيميائية؛ منها 3,000 شائعة الاستخدام كثيرا في البيئة المحيطة بنا.  ولدى فحص عينات ممثلة من السكان تبين بأن في أجسامنا يوجد 200 مادة كيميائية على الأقل من هذه المواد.
وتأكدت في السنوات الأخيرة أيضا، الكثير من العلاقات بين الكيماويات والأمراض المختلفة؛ فتلوث الهواء، التدخين السلبي، إفرازات الذباب، الغبار، العفن وجسيمات الأوزون تساهم في نشوء أمراض الربو.  أما الأشعة المؤينة والمبيدات الكيميائية والمذيبات المختلفة فتحرض على السرطانات في الطفولة.  كما توجد قائمة طويلة للكيماويات المسببة لأمراض التوحد وإعاقات التعلم والسمع والتركيز، ومن هذه الكيماويات الرصاص و"بيسفينول A " والزئبق.  وكما يبدو، يصعب علينا عدم التعرض نهائيا لهذه المواد، إلا أننا نستطيع، بالتأكيد، أن نقلل كثيرا تعرضنا وتعرض أطفالنا لها.

مادة التفلون التي تطلى بها أواني الطبخ قد تضعف جهاز المناعة

ويجب أن نتذكر بأن التعرض للكيماويات قد يبدأ لدى الأجنة في أرحام أمهاتهم.  وقد اكتشف الباحثون أن عشرات المواد الكيميائية الشائعة، بما فيها المواد المتواجدة في مقالي التيفلون والمراهم الواقية من الشمس، موجودة في 99% من إجمالي النساء الحوامل.  بل وجدت بعض هذه المواد بتراكيز مرتفعة تم ربطها علميا بمشاكل في نمو الدماغ في مرحلة الطفولة، وبمشاكل كامنة في الخصوبة.  
وتعد المبيدات الكيميائية من أخطر المواد التي يتعرض لها الناس يوميا، وبخاصة الأولاد؛ وذلك ابتداء من متبقياتها في الطعام وانتهاء بأدوية مكافحة القمل.  وللأسف، لم يجر في الضفة الغربية وقطاع غزة أي بحث طبي منظم ومنهجي لفحص مستويات بعض الكيماويات السامة في الدم أو البول، وبخاصة متبقيات المبيدات الكيميائية لدى الأطفال والنساء الحوامل، والتي قد تكون في بعض الحالات مرتفعة.  وفي مثل هذا العمل الطبي، يفترض بأفراد العينات البشرية الممثلة الذين سيجرى عليهم الفحص، أن يعبئوا نموذجا يفصل مصادر التلوث البيئي التي من المحتمل تعرضهم لها.   
وفي الواقع، مستوى الوعي الصحي الفلسطيني بهذا المجال متدني، علما بأن المبيدات والأسمدة الكيميائية المستخدمة في الزراعة تباع في محلات الأدوية الزراعية، بل وأحيانا في محلات الأدوات المنزلية، لأي شخص يطلبها.
ومن الضروري جدا، امتناع النساء الحوامل عن التعرض لمثل هذه المواد، لأن حساسية الجنين لها مرتفعة جدا، بل إن حساسية الأطفال في الأشهر والسنوات الأولى بعد الولادة تظل مرتفعة.  وتكمن مشكلة تعرض الجنين للكيماويات السامة، أنه في حال حدوث تلف للجهاز العصبي لديه، فإن مثل هذا التلف غير قابل للعلاج بعد الولادة؛ كما يصعب توقع ما سيؤول إليه وضع الطفل الذي تعرض للكيماويات وهو جنين، بعد بضع سنوات. 
وبسبب كثرة تعرض الأجنة والأطفال لمواد كيميائية مختلفة، يعبر بعض الأطباء والباحثين عن قلقهم من احتمال حدوث تدني في مستوى الذكاء لدى السكان عموما، بسبب تعرضهم الكبير، وبالتالي تعرض أجهزتهم العصبية، للكيماويات السامة.
مسألة أخرى مقلقة، في ذات السياق، تتعلق بهبوط في مستوى الخصوبة، وبخاصة لدى الرجال، بسبب التعرض للكيماويات.  فمن المعروف طبيا أن تعداد الحيوانات المنوية لدى الرجال في جميع أنحاء العالم آخذ في الهبوط، كما يوجد ارتفاع جدي في حالات تشوه الأعضاء الذكرية لدى الأبناء.    

علاقة قوية بين بعض الكيماويات والسرطانات في مرحلة الطفولة
أثبتت العديد من الأبحاث التي جرت في العالم وجود علاقة بين تلوث الهواء وبعض الأمراض المزمنة والخطيرة.  ومن الأمور المثبتة علميا أن الأولاد الذين يتعرضون للتلوث المنبعث من المركبات يصابون أكثر من غيرهم بأمراض الربو.  وقد يتسبب التلوث بسرطان الغدد الليمفاوية، وأمراض في الرئتين، ووزن ضئيل في الولادة.  كما أثبتت أبحاث السنوات الأخيرة وجود علاقة بين تعرض الأولاد للمبيدات الكيميائية وبين إصابتهم بأمراض سرطان الغدد الليمفاوية واللوكيميا (سرطان الدم) بأنواعها المختلفة.  وقد ثبتت العلاقة بين بعض الكيماويات والإصابة بأمراض السرطان في مرحلة الطفولة؛ وبخاصة لدى التعرض للمبيدات والمذيبات الكيميائية أثناء الحمل.  وهناك بعض الأدلة التي تفيد بأن تناول حامض الفوليك في مراحل الحمل المتقدمة  يقلل احتمالات الإصابة بالسرطان في مرحلة الطفولة.  
علاوة عن ذلك، تشير بعض الأبحاث إلى وجود مؤشرات مقلقة حول العلاقة بين بعض الكيماويات ومرض التوحد.  فقد وجدت مجموعة بحثية من جامعة كاليفورنيا بأن احتمال الإصابة بمرض التوحد لدى الأشخاص القاطنين بمحاذاة الطرق السريعة أكبر بـِ 1.9 مرة؛ وذلك كما يبدو بسسب التعرض لتلوث الهواء.  كما أن أبحاثاً أخرى دلت على وجود علاقة محتملة بين المبيدات لحشرية وتطور مرض التوحد.

ترخيص تسميم وقتل الناس
الغريب حقا أنه في السنوات القليلة الماضية فقط، بدأ الباحثون في مختلف أنحاء العالم بفحص تأثيرات الكيماويات السامة على الصحة البشرية.  وهذا يشير إلى قوة وتحكم شركات الكيماويات الاحتكارية، وصدها أي محاولة علمية جدية تهدف الكشف عن المخاطر الصحية للعديد من المواد الكيميائية الشائعة والمستخدمة في الأسواق.  وفي الأشهر الأخيرة، طالب أخصائيون في الولايات المتحدة الأميركية، بإعادة النظر في القوانين التي تسمح باستعمال مواد كيميائية جديدة دون إجراء فحوصات وأبحاث علمية وطبية معمقة.
والمأساة الكامنة في التَسَيُّب الكيميائي للشركات والتجار الذين همهم الأول والأخير مراكمة المزيد من الأرباح الضخمة في جيوبهم، ولو على جثث بسطاء الناس والغلابة، أن ما لا يقل عن 80% من المواد الكيميائية المتداولة حاليا في الأسواق لم يتم فحصها إطلاقا للتأكد من احتمال تسببها بعواقب مرضية جدية، وبخاصة للأطفال والأولاد.  هذا ما حصل، على سبيل المثال، مع مادة "بيسفينول A " (BPA ) التي أُدخِلت في تصنيع مئات السلع، ومنها قناني الأطفال، والطلاء الداخلي لعلب حفظ الأغذية، والمعدات البلاستيكية الخاصة بتخزين الأغذية، وقناني المشروبات الخفيفة؛ وذلك قبل أن يتم أصلا فحص مخاطر هذه المادة، إلى أن تبين في السنوات الأخيرة بأنها تؤثر على عمل الدماغ، وتتسبب في أنواع مختلفة من الحساسية وفي إتلافها للنظام الهورموني، سواء لدى الأطفال أو البالغين.  كل هذا يكشف تساهل الجهات الحكومية وسماحها باستعمال مواد كيميائية خطيرة وسامة؛ ربما لأن ترخيص تسميم وقتل الناس يشكل أولوية لدى بعض الحكومات والوزارات المعنية، لضمان استمرار تدفق المداخيل والضرائب الدسمة إلى خزائنها!
وأمام هذه "الحرب" الكيميائية الكامنة في آلاف السلع المنتشرة في الأسواق، يفترض بالجهات الحكومية المعنية، وبخاصة وزارة الصحة، أن تباشر فورا في إجراء مراجعات علمية وفحوصات جدية لمئات المواد الكيميائية السامة التي نتعرض لها يوميا من خلال السلع المختلفة في الأسواق، أو من خلال التلوث البيئي والهوائي؛ بما في ذلك مواد معروفة بأنها مسرطنة أو مسببة لتشوهات وراثية.  ومن بين هذه المواد، على سبيل المثال لا الحصر، "بيسفينول A "، الفثالات (Phthalates ) التي تتسبب في تشوهات خلقية وسرطان الثدي، البارابين (Parabens ) التي تولد أنواعا مختلفة من الحساسية وتتسبب في سرطان الثدي، البنزوفينون (Benzophenone ) الذي يعتبر من مسببات السرطان، البِنْزِين (C6H6 ) الذي يعتبر مسرطناً أكيداً ويتسبب بخاصة في اللوكيميا (سرطان الدم)، BHA (Butylated hydroxyanisole ) الذي يتسبب في سرطان المعدة، المبيدات الفسفورية العضوية التي تتلف الجهاز العصبي، المواد السامة المتواجدة في دخان السجائر، وغير ذلك الكثير جدا من المواد السامة.
وفي كل الأحوال، يجب ألا ننتظر إجراء المراجعات العلمية والفحوصات الجدية للمواد الكيميائية السامة التي نتعرض لها، أو تطبيق الرقابة الرسمية المشددة على السموم الكيميائية المتداولة في الأسواق وحظر جزء كبير منها؛ بل يجب علينا أن نتبع مبدأ "الحذر الوقائي"، وأن نتخذ إجراءات عملية، منذ الآن، بهدف تقليل التعرض للكيماويات الخطرة.  وفي هذا السياق، يفترض بطبيب العائلة، وكجزء من عمله الطبي الروتيني، أن يسأل أفراد الأسرة المسؤول عن علاجهم ، وبخاصة الأولاد، عن الكيماويات التي يتعرضون لها في منزلهم.

مادة الفثالات المتواجدة في طلاء الأظافر وبخاخات الشعر والشامبو ومزيلات رائحة العرق تتسبب في تشوهات خلقية وسرطان الثدي

كما باستطاعة الأباء والأمهات القيام بالعديد من الأمور في منازلهم؛ فعلى سبيل المثال، تقليل استخدام الأدوية والمبيدات الحشرية، والانتباه إلى الأسماك التي نتناولها، والتأكد من خلوها من الزئبق.  وتناول الطعام البلدي والموسمي أو العضوي الخالي من الأوساخ الكيميائية، قدر الإمكان، والتقليل من استعمال مواد التجميل الكيميائية والتعامل مع المواد الآمنة، وبخاصة الخالية من الفثالات (Phthalates ).  فضلا عن التقليل قدر الإمكان، من استعمال الأكياس والعلب البلاستيكية، واستخدام الأواني الزجاجية والفخارية بدلا منها.

التعليقات
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية