أيار 2008 العدد (3)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

May 2008 No (3)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب الصورة تتحدث الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

ندوة العدد:

وثيقة هامة

الزلزال المتوقع في فلسطين: الوقاية من آثاره وسلوكنا في أثناء حدوثه


د. جلال الدبيك: جميع الدراسات أجمعت على أن الزلزال في فلسطين سيحدث والخلاف بين الخبراء هو حول قوة الزلزال، هل تكون 6.5 أو 7...؟ احتمال حدوث زلزال في المستقبل القريب مركزه شمال أو جنوب البحر الميت وارد...هناك احتمال وارد لحدوث زلزال في شمال فلسطين، في إصبع الجليل، ولسوء الحظ نحن

 ضمن الفترة الزمنية لتكرار هذا الزلزال المدمر... في حال حدوث زلزال بقوة 6.5 حسب مقياس ريختر، فإن 5 – 15% من بعض الأحياء في بعض المدن الفلسطينية ستتعرض إلى انهيار كلي ونحو 20 – 22% ستتعرض إلى انهيار جزئي، وسنقف على مناطق معزولة بالكامل؛ ولن تستطيع سيارات الإسعاف والإطفاء الوصول إليها... قابلية الإصابة للمخيمات الفلسطينية مرتفعة جدا ومعظم المخيمات ستكون بقعة معزولة... الحكومة لدينا لا تعتمد الكوارث أولوية وطنية، كما ليس لدينا إدارة للكوارث ونحن نعيش في وضع كارثي.

م. محمود عبد الله: الفوضى التي نعيشها أدت إلى إقامة أبنية لا تراعي في أغلبها موضوعة الزلازل أو التكيف أو مقاومة الزلازل... حاليا كل المؤسسات الأجنبية الموجودة في فلسطين، واستشعارا بما يصدر في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل من احتمالات الزلازل، تتلقى تعليمات من بلادها، تلزمها إجراء دراسات لفحص مدى قدرة المباني التي يشغلونها على مقاومة الزلازل، وترصد الموازنات لتقوية وتدعيم هذه المباني لحماية أنفسهم... لا يوجد في نظام الأبنية والتنظيم القائم حاليا ما يلزم المستثمرين أو أصحاب المباني بأن يعملوا تصميما مقاوما للزلازل.

م. إياد بكير: توصلنا كنقابة، إلى بعض الأمور والتفاصيل التي يجب أن تتوافر في المبنى لنضمن متانته، مثل ما يعرف بإذن الصب، وذلك بعد أن يكون المهندس قد اطلع على العنصر الإنشائي الذي سيتم صبه... في المستقبل، لن نستقبل أي مخطط دون أن يتضمن العمل على الكود الزلزالي، حيث سيقوم الأخصائيون في النقابة بفحص المخططات من ناحية تطبيقها لجميع المعايير المطلوبة، ومن ذلك فحص التربة الذي أصبح إلزاميا... التنظيم أو الحكم المحلي سمح ببناء الطابق الرخو، أي الطابق على أعمدة، لاستخدامه لمواقف السيارات، وهذا الطابق خطر جدا.

جورج كرزم: في حال ضرب المنطقة زلزال بقوة 6.5 – 7 درجات، تتوقع الدراسات الإسرائيلية انهيار كلي أو جزئي لما لا يقل عن 40% من المباني في إسرائيل، فضلا عن عشرات الآلاف من القتلى والإصابات.

في إطار الفعاليات المتصلة بمجلة "آفاق البيئة والتنمية" الهادفة إلى بلورة منبر لمناقشة مفيدة ومهنية ومؤثرة لمختلف القضايا البيئية – التنموية، باتجاه التأسيس لسياسات وممارسات واستراتيجيات تنموية مستدامة وصديقة للبيئة، نظم مركز العمل التنموي / معا يوم الخميس 24 نيسان 2008 ندوة حوارية مكثفة بعنوان: "الزلزال المتوقع في فلسطين: الوقاية من آثاره وسلوكنا أثناء حدوثه"، وذلك في مقر المركز برام الله، وبمشاركة: د. جلال الدبيك (مدير مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل / جامعة النجاح)، م. محمود عبد الله (نائب رئيس بلدية رام الله)، إياد بكير (رئيس هيئة المكاتب في نقابة المهندسين) وجورج كرزم (كاتب وباحث ومسئول تحرير مجلة "آفاق البيئة والتنمية").
هدفت الندوة إلى مناقشة احتمالات أن يضرب فلسطين زلزال قوي، في ضوء وقوع فلسطين في منطقة نشطة زلزاليا، وكثرة التوقعات والأقاويل والإشاعات في الأشهر والسنين الأخيرة حول هذا الموضوع.
واتخذت الندوة شكل الطاولة المستديرة، حيث طرح المشاركون وجهات نظرهم، وخلصوا إلى توصيات عملية وقابلة للتنفيذ.
 

ونقدم فيما يلي ملخصا لمحتوى النقاش والتوصيات:
جورج كرزم (كاتب وباحث):
كمدخل عام، سنبدأ من مرجعنا في مجال هندسة الزلازل في فلسطين، د. جلال الدبيك. والأسئلة الهامة المطروحة تحديدا هي: كيف يتوقع الخبراء احتمال حدوث زلزال في منطقة معينة، وفي منطقتنا تحديدا؟ وهل التوقع مجرد احتمال علمي أم يقين؟ إذ بالرغم من عدم وجود أجهزة أو إمكانيات تقنية تستطيع أن تقيس أو تحدد بأنه بعد ساعات ستحدث هزة أرضية، إلا أن هناك تجارب بعض الدول مثل الصين، التي تشير إلى تمكنهم من التنبؤ بحدوث زلزال استنادا إلى التغيرات التي أخذت تطرأ على سلوك الحيوانات، كما حدث في حالة زلزال شينج الذي ضرب الصين عام 1995 وبلغت قوته 7.5، حيث تمكن العلماء من التنبؤ به قبل حدوثه بساعات، فأخلت السلطات الصينية مسبقا السكان، مما أدى إلى وقوع عدد قليل من الضحايا. وقد أعلنت السلطات في بيان حكومي عن الزلزال المتوقع خلال ساعات. كذلك زلزال فمريولي في إيطاليا، عام 1976، حيث فوجئ الإيطاليون بعواء غير عادي للكلاب. فهل يمكننا الاعتماد على بعض التغيرات البيئية كمؤشرات لتوقع حدوث زلزال، مثل ارتفاع درجة حرارة المياه الجوفية، وحدوث تغير في سلوك الحيوانات، وغير ذلك؟

د. جلال الدبيك (مدير مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل / جامعة النجاح): علم الزلازل، أصلا، هو علم احتمالي وليس يقينيا قطعا، سواء في فلسطين أم الأردن أم اليابان أم أية دولة أخرى في العالم. فلا يزال علم الزلازل يستند إلى أمور احتمالية وليس يقينية. فعلى ماذا يعتمد الأخصائيون والباحثون عند حديثهم عن احتمال حدوث زلزال في المستقبل؟ أولا: يدرس تاريخ المنطقة الزلزالية وبناء عليه الفترات الزمنية التي يتكرر فيها حدوث الزلزال. ثانيا: موقع المنطقة. فإذا كانت المنطقة المدروسة تقع ضمن منطقة نشطة زلزاليا وفيها صدوع أرضية نشطة، تدرس هذه الصدوع الأرضية، من ناحية طولها، وعمق القشرة الأرضية في تلك المنطقة؛ وبالتالي يتم تحديد الفترة الزمنية التي ينكسر فيها هذا الصدع. لأن الزلزال هو في الأصل حصول انكسارات في طبقات الأرض، وتحديدا في مناطق الشقوق والتصدعات الأرضية. ثالثا: يعتمد الخبراء على النشاط الزلزالي الذي تسجله الأجهزة. وتوجد في العالم أجهزة مختلفة، وبعض هذه الأجهزة هدفها ليس فقط التسجيل الزلزالي بل أيضا التسجيل النووي، لأن التفجيرات النووية تحدث نوعا من الزلازل من خلال الطاقة التي تولدها. إذن، استنادا إلى التاريخ الزلزالي للمنطقة وموقعها، والنشاط الزلزالي الذي تسجله، يتم إجراء دراسات بطريقة معقدة، وبأكثر من منظومة، ويتم تحديد درجة الزلزال المتوقع في المستقبل. وعندما تحدد هذه الدرجة، يقول الخبراء إن الزلزال قد يحصل، وقد تتراوح قوته بين كذا وكذا. إذن الحديث عن فترة زمنية واسعة، وليس عن ساعات أو أيام أو أشهر، كما أن الحديث يكون عن درجة زلزالية تتراوح بين، مثلا، 6 – 7، ولا يتم الحديث عن درجة محددة. وكل هذه الأمور تدخل ضمن علم الاحتمالات وليس علم اليقين.
ولو طبقنا هذا الكلام على المنطقة الفلسطينية، نجد أن منطقتنا تقع على حفرة الانهدام التي تفصل بين البلاطة العربية (منطقة الجزيرة العربية وجزء كبير من سوريا والعراق) والبلاطة الإفريقية أو بلاطة سيناء فلسطين. البلاطة العربية تتحرك باتجاه شمال شرق، مبتعدة عن البلاطة الإفريقية، مما يؤدي إلى زيادة عرض البحر الأحمر بمقدار 2 سم سنويا. ففي التاريخ الجيولوجي، لم يكن البحر الأحمر موجودا قبل 65 مليون سنة، وهو، جيولوجيا يعد بحرا حديث التكوين. فتحرك البلاطة العربية باتجاه شمال شرق يضغط على شرق تركيا ومنطقة طوروس في إيران. وهذه الحركة تؤدي إلى حدوث حركة انزلاقية ما بين فلسطين والأردن، وبالتالي فإن فلسطين تتجه حاليا بحركة نسبية مبتعدة عن الأردن باتجاه الجنوب بمعدل 5 – 7 ملم سنويا، وبالتالي تتجمع الإجهادات حول مناطق الصدوع الأرضية في فلسطين وعددها 12 صدعاً. ويجمع الصدع الواحد الطاقة باستمرار ويتشوه كل سنة، وفي لحظة ما يعجز عن تحمل هذا الضغط؛ وبالتالي ينكسر. والكسر أنواع، فقد يكون تباعديا، أي يحصل تباعد بين الصفيحتين، أو قد يكون تقاربيا، أو قد يحدث هبوطاً أو انزلاقاً. والحالة الأخيرة هي المرجحة في فلسطين، وهي تسمى أيضا كسراً تحويلياً، لأن فلسطين تبتعد عن الأردن بصدع تحويلي بمعدل 5 – 7 ملم سنويا. وتشير الدراسات إلى أن بعض الصدوع في فلسطين يكسر كل 80 – 100 سنة، ويكسر البعض الآخر في أكثر من 250 سنة، أو 500 سنة أو 1000 سنة. وحسب الدراسات، في الصدوع بشمال فلسطين، في منطقة إصبع الجليل، توجد ثلاث مناطق نشطة، بعضها يحدث زلزالا كل 250 سنة، والبعض الآخر كل 500 سنة أو كل 1000 سنة، وبالتالي احتمال حدوث زلزال في المستقبل هو علم احتمالي، لكن، الزلزال سيحدث. فلا يوجد خلاف بين جميع الدراسات على أن الزلزال سيحدث أو لن يحدث، بل إن جميع الدراسات أجمعت على أن الزلزال سيحدث. إلا أن البعض يقول بأن درجة القوة الزلزالية القصوى في فلسطين قد تصل إلى ما بين 6 – 6.5، وبعض الدراسات الأخرى قالت إن الدرجة قد تصل إلى 7. وما هو الدليل على أن الدرجة قد تصل إلى 7؟ الأمر يتعلق هنا بالبؤر الزلزالية في شمال فلسطين التي يتكرر فيها حصول الزلزال كل 250 أو 500 سنة أو أكثر. وآخر مرة حصل فيها زلزال بتلك المنطقة كان عام 1759، وأحدث أمواج مد تسونامي في بحيرة طبريا، وقتل نحو 40 ألف نسمة ما بين فلسطين ولبنان وسوريا، ودمر 20 قرية فلسطينية ومنها قرية الجش. ونحن الآن ضمن الزمن الدوري لحدوث هذا الزلزال. أما الزلازل التي يكون مركزها جنوب أو شمال البحر الميت، فتكرر كل 80 – 100 عام. ولا يوجد خلاف بين الدراسات، سواء أكانت فلسطينية أو إسرائيلية أو أردنية أو إقليمية أو دولية حول هذه المسألة، كما أن أيا من هذه الدراسات لم تتحدث خارج هذا الإطار. الخلاف بين الخبراء هو حول قوة الزلزال، سواء 6.5 أو 7. إلا أن معظم الدراسات قالت إن قوة الزلزال ستكون بين 6 – 7. وهذه الدرجات تصنف بالمعتدلة أو القوية نسبيا. فإذا كانت مبانينا جيدة ومصممة حسب الأصول، فتستطيع أن تتعامل مع هذه الدرجات. وباعتقادي أن الموضوع ليس في علم الزلازل أو الزلزال ذاته، وإنما في مبانينا ومنشآتنا ومدى جاهزيتنا.

جورج كرزم: ما دام مختلف الباحثين والخبراء متفقين على أن الزلزال الكبير بين 6 – 7 درجات سيحدث، فما هي المناطق الفلسطينية المتوقع حدوث زلزال فيها؟ ما هي قوته؟ ما هي طبيعة الخسائر والأضرار المتوقعة؟ وذلك حسب بنية الأراضي والمباني الموجودة في منطقتنا.

جلال الدبيك: استنادا إلى الدراسات الزلزالية وعلم الزلازل، تدرس المخرجات المتمثلة بثلاثة عناصر أساسية هي: قوة الزلزال المحتمل، الفترة الزمنية لتكرار حصوله، بالإضافة إلى مركز هذا الزلزال. منطقة شمال وجنوب البحر الميت تعد منطقة نشطة، وهي تسجل حركات زلزالية مستمرة في هذه الفترة، وبالتالي احتمال حدوث زلزال في المستقبل القريب وارد في هذه المنطقة. كما أن هناك احتمال وارد لحدوث زلزال في شمال فلسطين، في إصبع الجليل، ولسوء الحظ نحن ضمن الفترة الزمنية لتكرار هذا الزلزال الذي حدث عام 1759. كما حدث زلزال آخر عام 1202 والذي يعد أكبر زلزال مدمر، ووصلت الخسائر، حسب بعض المقولات، إلى نصف مليون شخص، سواء من الزلزال مباشرة أو بسبب الأمراض التي أحدثها الزلزال لاحقا. وكتب عن هذا الزلزال في كتاب "كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة" لجلال الدين السيوطي، حيث ذكر أن الخسائر في مدينة نابلس وحدها كانت 30 ألف شخص. والحديث يدور هنا عن مدن كان فيها حضارات. يوجد اليوم في إطار علم الزلازل علم جديد يعتمد على الآثار والقص والقطع، وقد أظهرت جميع الدراسات والآثار أن طريقة انهيار المباني القديمة وشكل الكسر ناتجان عن وجود القوى القاصة الزلزالية في تلك الفترة، والتي يمكن مشاهدتها لغاية اليوم. فإذا حدث زلزال مركزه شمال أو جنوب البحر الميت، فستتأثر أكثر المناطق الأقرب على مركز الزلزال. وفي حال حصول زلزال مركزه شمال البحر الميت فسيتأثر نحو 2000 كم2 من مساحة الضفة الغربية بشدة زلزالية مرتفعة، وستتأثر بشكل خاص المنطقة من القدس إلى نابلس تقريبا. يضاف إلى ذلك عامل تأثير الموقع وتربة الموقع وقوة الزلزال في فلسطين، بسبب نظام الصدوع الأرضية، هناك تضخيم زلزالي في بعض المناطق الفلسطينية، مما سيساهم في زيادة شدة تأثير الزلزال. أما إذا كان الزلزال شمال فلسطين، في منطقة إصبع الجليل، حيث توجد 3 بؤر زلزالية نشطة، وحيث أننا ضمن الزمن الدوري لحدوث هذه الزلازل، فسيمتد تأثير الزلزال إلى منطقتي جنين ونابلس وحتى المنطقة الممتدة بين نابلس والقدس. وبالطبع، كلما ابتعدنا عن المركز فتكون شدة الزلزال أقل. ومؤخرا كان هناك نشاط زلزالي في جنوب لبنان. ومما يثير الدهشة أن مركز الزلازل التي حصلت في جنوب لبنان كان عمق الزلزال فيها لا يتجاوز 2 كم، أي أن الطبقة سطحية. وبالتالي فإن شدة تأثير الزلزال تعتمد على عمق الزلزال، بالإضافة إلى قوته. فزلزال 6.5 درجة قليل العمق يكون ذا تأثير أكبر بكثير من زلزال 6.5 كبير العمق، فكلما قل العمق لنفس القوة ازدادت الشدة، لأن هناك تناسباً طردياً ما بين قوة الزلزال وشدة التأثير، ومابين العمق وشدة التأثير.، إضافة إلى عامل تأثير الموقع.
علاوة على ذلك، فنحن لا نزال نتحدث عن أنماط مبان فلسطينية، سواء القديمة أو الجديدة، لا يملك بعضها القدرة على التعامل مع الزلازل؛ وبالتالي، وبغض النظر عن مكان مركز الزلزال سواء شمال أو جنوب البحر الميت أو شمال فلسطين، فستكون شدة تأثيره واضحة في المناطق التي أشرت لها سابقا. وذلك بسبب قوة الزلزال النسبية التي أسميها معتدلة إلى قوية نسبيا، وعامل تأثير الموقع، والمباني وعدم وجود الوعي الكافي للتصرف واتخاذ الإجراءات على مستوى الدولة ومستوى الإسناد والطوارئ والإغاثة.
وباختصار، فإن المخاطر / risk (أي درجة توقع كمية الأضرار والخسائر)، تساوي الأخطار (أي احتمال ظهور حدث يعمل أضراراً محتملة) مضروبة بقابلية الإصابة (أي قابلية الإصابة للعناصر المعرضة للخطورة نتيجة وقوع الكارثة) ومقسومة على الجاهزية. ففي حالتنا، يوجد خطر معتدل مضروب بقابلية إصابة مرتفعة ومقسوم عل جاهزية قليلة، وبالتالي المخاطر ستكون مرتفعة. لكن لو طبقنا على اليابان نفس المعادلة ونفس مبدأ تحليل المخاطر الذي أشرت له في كتابي "الزلازل وجاهزيتنا"، فسنلاحظ أن الأخطار هناك عالية، وقابلية الإصابة قليلة، والجاهزية كبيرة، أي أن الأخطار الكبيرة مضروبة برقم صغير ومقسومة على رقم كبير، وبالتالي تكون النتيجة مخاطر قليلة. للأسف، أستطيع أن أقول إننا في كل أنحاء الوطن العربي نعيش ضمن نفس المشكلة تقريبا. فقد اطلعت على برامج معظم الدول العربية، وتبين لي أننا نتحدث عن طريقة تفكير خاطئة، سواء لدى المواطن أو المختص أو صانع القرار. فنحن، في أغلب الأحيان، نميل إلى التواكل وليس التوكل، وهذا أمر مزعج، ويعتمد على نظام تربوي خاطئ ونظام توعية خاطئ ولا بد من تغييره.

جورج كرزم: بالرغم من أن قوة الزلزالين اللذين ضربا فلسطين عامي 1927 و1995 كانت متقاربة (6.2 و6.8 على التوالي)، إلا أن زلزال عام 1927 كان مدمرا جدا ومميتا (آلاف القتلى والجرحى)، بينما تسبب زلزال عام 1995 الذي كان مركزه في العقبة ببعض الأضرار المتوسطة والخفيفة في المباني والبنى التحتية، ونحن نتحدث هنا عمليا عن نفس المنطقة وعن مناطق قريبة جدا بعضها من بعض. فكيف يمكننا تفسير ذلك؟

جلال الدبيك: مركز زلزال عام 1927 كان شمال البحر الميت بدرجة 6.2 وأدى إلى قتل 350 شخصاً، وامتد تأثيره من منطقة نابلس إلى القدس. وكان عدد السكان في المنطقة الذين تأثروا في تلك الفترة ازداد 15 ضعفاً. كما أن العديد من المباني لا تزال موجودة منذ تلك الفترة، فضلا عن الأخطاء وعدم التخطيط، وبالتالي إذا حدث زلزال بنفس القوة فيتوقع أن تكون الأضرار من 10 إلى 15 ضعفاً على الأقل عما كانت عليه عام 1927. أما الزلزال الذي كان مركزه 95 كم جنوب مدينة العقبة فكان مركزه أعمق، بمعنى زيادة العمق وزيادة البعد عن المركز السطحي، فالمركز السطحي لزلزال العقبة يبتعد عن مدينة نابلس بأكثر من 400 كم، لكن المركز السطحي من شمال البحر الميت يبتعد نحو 70 كم؛ وبالتالي الشدة تتناسب عكسيا مع المسافة، أي كلما ابتعدنا قلت الشدة، إضافة لعامل العمق. فزلزال العقبة كان عمقه يختلف، ناهيك عن شكل الكسر. فكسر الزلازل التي تحدث في منطقة البحر الميت يكون تحويلياً أو انزلاقياً. بحيث يحدث قوة قاصة على المباني؛ لذا، عندما كان الكسر شمال البحر الميت (عام 1927)، والقدس أقرب من نابلس عن مركز الزلزال، فلماذا تأثرت نابلس أكثر من القدس؟ السبب أن اتجاه القوة القاصة يكون شمالا، والقوى الانزلاقية الطولية، حتى تعمل هذه القوى زاوية انفراج، فتكون المدن الشمالية مثل نابلس أكثر تأثرا من القدس، رغم أن الأخيرة أقرب. كذلك الزلزال الذي حصل في شباط 2004، كان أيضا مركزه شمال البحر الميت، بمسافة نحو 2 – 3 كم عن فندق "الموفين بيك" على الشاطئ الأردني، فكان تأثيره في منطقة نابلس أكبر من بيت لحم التي هي أقرب إلى مركز الزلزال. وهذا يتعلق بنظام الصدوع. فنظام الصدوع في منطقة البحر الميت تفرعي، أي يتفرع من حفرة انهدام الكرمل والفارعة وغيرهما، وبالتالي للنظام والتركيب الجيولوجيين وتأثير الموقع دور كبير. وأظهرت آخر الدراسات التضخيمية التي أجريت في مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل بجامعة النجاح، أن في مدينة نابلس، وفي مناطق لا تزيد المسافة بينها عن 200 – 300 متر، كان التضخيم الزلزالي يتراوح بين 2 – 8 أضعاف. أي أن المهندس عندما يصمم لقوة زلزالية مقدارها 100 طن، فسيفاجأ بأن قوة الزلزال ستصل إلى 800 طن، أي ستتضاعف 8 مرات. وهذا ما يعرف بالتضخيم الأولي. وهناك تضخيم من نوع آخر، وهو المتمثل في العلاقة بين تردد الأرض وتردد المبنى، فيصبح لدينا ما يعرف بالتضخيم المزدوج. وهذا ما نخاف منه من ناحية هندسية، ما لم يتم ضبط طريقة استخدام المباني ووجود خرائط لاستخدامات الأراضي.

جورج كرزم: يا حبذا لو يوضح لنا المهندسان محمود عبد الله وإياد بكير، الجانب المتعلق بالإجراءات الوقائية، قبل وقوع الزلزال، التي من الضروري أن يلتزم بها المواطنون وأصحاب القرار والخبراء، للتقليل إلى الحد الأدنى من الأضرار الناتجة عن زلزال قوي؟ وما هي متطلبات البناء حسب المواصفات المقاومة للزلازل؟ لأنه، وكما ذكر الدكتور جلال، فالأضرار غير ناتجة عن الزلزال ذاته، بقدر ما تنتج عن دمار المباني والمنشآت.



جلال الدبيك: نحن نقول دائما بأن الزلزال لا يقتل، بل ما يقتل هو المبنى، والانزلاقات الأرضية والحرائق التي تحدثها الزلزال، والتلوث البيئي بعد حصول الزلازل، وتداخل أنظمة الصرف الصحي مع مياه الشرب، وانبعاث الغازات من بعض المصانع. فعندما أتحدث عن كارثة زلزالية، أقصد الكارثة بالمعنى الشمولي. لأن الزلزال قد يؤدي إلى إثارة كل ما هو موجود لديك دون سلامة عامة، وبالتالي كل شيء يمكن أن يتحرك، فضلا عن الحرائق، وانهيارات في الطرق، وانزلاقات أرضية، وتلوث المياه. لذا، فإن كل خططنا التنموية وتخطيطنا الاستراتيجي، وكل مؤتمراتنا والدول المانحة وغير ذلك، تم عمله دون منظور التطور المستدام، ودون الأخذ بالاعتبار لمنهجية التطور والبناء المستدام وفقا للمتطلبات.

جورج كرزم: فيما يتعلق بالمواصفات هناك شقان للمسألة: أولا المواصفات والشروط المطلوبة والمعتمدة عالميا، وربما نحن نسير حسبها من الناحية النظرية على الأقل لمقاومة الزلازل. وثانيا، المباني القائمة، وإلى أي مدى تلبي هذه المواصفات، وفي أي مواقع، وما هي نوعية ونسبة المباني التي تخضع فعلا للمواصفات المقاومة للزلازل؟ وكيف تتوزع تلك المباني والمنشآت في المحافظات، المدن، والشوارع في الضفة وغزة، علما بأنه في غزة، بالإضافة لمسألة المواصفات، هناك الرطوبة البحرية الطبيعية التي تزيد من تآكل المبنى؟

م. محمود عبد الله (نائب رئيس بلدية رام الله): كما ذكر د. جلال، فإن فلسطين والوطن العربي غير جاهزين من ناحية مقاومة الزلازل أو التعامل معها؛ وبالتالي، ما زالت الأنظمة والقوانين المتبعة رسميا دون المستوى، وإن كانت موجودة في بعض الدول، لكن لا يتم تطبيقها ولا يتم الرقابة عليها ومتابعتها. ولغاية الآن لا يوجد لدينا "كودة" زلازل، ربما هناك أفكار للعمل على كودة زلازل، وعلى الأغلب سيكون د. جلال ومركز هندسة الزلازل المبادرين بهذا الموضوع. توجد كودة زلازل في الأردن. ويستخدم معظم المهندسين الفلسطينيين كودة الأردن أو الكودة الدولية. وخطورة استخدام هذه الكودة أنها لا تحاكي المنطقة التي نعيش فيها، وإنما تحاكي زلازل حدثت في أميركا. بينما كودة الأردن قد تكون أقرب لنا في التعامل مع الكودة. لكن الكودة الأردنية بسيطة ومعلوماتها منقولة عن كودات عالمية. فعند الحديث عن كودة فلسطينية للتعامل مع الزلازل، يجب أن تكون لها أبحاث خاصة بنا. فإذا كان لدى إسرائيل شيء من هذا القبيل فسيكون أقرب إلى تصورنا. هذه الحالة من الفوضى التي نعيشها أدت إلى إقامة أبنية لا تراعي في أغلبها موضوعة الزلازل أو التكيف أو مقاومة الزلازل، على الأقل أثناء التصميم والتنفيذ. وأحيانا، بعض المهندسين يأخذون بالاعتبار مسألة الزلازل، وذلك بمبادرات خاصة، أو نتيجة لأهمية المباني. فيعمل أولئك المهندسون على وضع مجموعة من العناصر الإنشائية التي يمكن أن تساعد على مقاومة الزلازل. وفي الأصل، مبانينا القديمة التي كانت عبارة عن جدران داخلية وخارجية سميكة وهي موجودة على الأرض، تقاوم بطبيعتها الزلازل، بسبب وجود الحوائط المقاومة لها، علما بأن الحوائط سميكة ولكنها غير مسلحة، أي أن فيها أيضا ضعفاً. ونقطة الضعف الأخرى أنه لم تدرس الأرض، بل كان يتم التعامل مع الأرض من خلال تناقل الخبرة، وحسب المناطق المختلفة، مثل المناطق الجبلية التي تكثر فيها الصخور، والمناطق السهلية الخالية من الصخور. إلا أن مجموعة العوامل التي تؤثر وتتأثر بالزلازل لم تؤخذ بشكل شامل، بل هناك مبادرات، فضلا عن أن بعض المباني القديمة واستخداماتها قد تعطي فرصة لأن يكون هذا المبنى مقاوماً للزلازل أكثر من غيره. لكن مع التطور الحديث، ونتيجة لمتطلبات الحياة العصرية، وبخاصة متطلبات السيارات، بذل المهندسون جهدا كبيرا لإزالة الجدران القائمة والتي تحمل المبنى واستبدلوا بها أعمدة، وهو ما يعرف بالطابق الرخو، وأصبحت المسافات بين الأعمدة أكثر، كي تلبي احتياجات الحياة، وهي أقل مقاومة للزلازل. كما أصبحنا نشيد مباني أعلى وبحجم أكبر. وصحيح أن هذه المباني تحوي تسليحا وحديدا أكثر من الفترات السابقة، إلا أنها أخطر لأنها أصبحت عبارة عن كتل معلقة قابلة للحركة نتيجة الزلازل. كما لم يؤخذ بالاعتبار في التصاميم عناصر مقاومة الزلازل، وهي بالأساس جدران القص التي يفترض أن تكون موجودة وبمساحات أكبر ومتصلة مع الأرض أكثر. وينطبق هذا الكلام أيضا على الإسرائيليين، فالعديد من المباني الإسرائيلية التي بنيت في الخمسينيات والستينيات على أعمدة، اكتشفوا لاحقا مخاطرها الكبيرة، وهم حاليا يعملون على مراجعتها. هذا النظام الجديد من المباني الذي لم يأت نتيجة استخدام كودات أو مواصفات إلزامية من قبل مؤسسات وهيئات، أوجد حالة عشوائية كبيرة في المباني القائمة، كما أوجد حالة تعتمد إلى حد كبير على قدرة المهندس على استنباط بعض القضايا بخبراته. فقد يكون مهندس ما ذا خبرة عالية، ومواكباً للتطورات العالمية الخاصة بموضوع الزلازل، بادر إلى إيجاد تصاميم هندسية تتضمن نوعا ما مقاومة الزلازل. لكننا، بشكل عام، لا نزال بحالة خطيرة ولا تتوافق مع كل التوقعات التي يتحدث عنها د. جلال ومراكز أبحاث الزلازل، وما زلنا نفتقر إلى أسس حقيقية وعلمية في التعامل مع الزلازل. توجد قدرات معينة لدى المهندسين يمكن أن تتطور عندما يصبح لدينا إلزام بالمواصفات اللازمة، بحيث تصبح المباني التي نشيدها قادرة على تحمل أو مقاومة الزلازل. يوجد لدينا الآن مجموعة من الأنظمة غير الموفقة، في حال فحصنا مدى قدرتها على مقاومة الزلازل. كما توجد أخطار كامنة، إذا صح التعبير. وحيث إن معظم التوقعات تقول بقرب حدوث زلزال في فلسطين، إذن، لا بد أن نتوقع عندنا الكثير من الكوارث التي، وبالرغم من كل التنبيهات والإشعارات، لا تزال الخطوات المتخذة لمواجهتها هامشية، وأحيانا تصدر بشكل عاطفي ومؤقت ومن ثم تندثر، لأنه على مستوى المسئولين لم يتم اتخاذ خطوات جدية.

جورج كرزم: ماذا يمكن فعله، في إطار خطة طوارئ عاجلة وخلال أقصر فترة ممكنة، كي نتدارك وضعنا المأساوي بأسرع وقت، ولمعالجة ولو جزء من العيوب والثغرات والمخاطر الكبيرة القائمة في مبانينا ومنشآتنا، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ ما هو التصور الأولي الذي يمكن وضعه لخطة طوارئ للمحافظات المختلفة؟

محمود عبد الله: إذا أخذت الأمور على محمل الجد، وعلى جميع المستويات، فهناك خطوات معروفة عالميا اتخذت في العديد من الدول، وتتمثل في إعادة دراسة المباني وأنظمة البناء القائمة، وبالتالي تطويرها ووضع تدعيم للمباني بحيث تصبح مقاومة للزلازل. الإمكانية الفنية والعلمية لهذا الأمر موجودة فقط في أذهان المهندسين والأخصائيين. أما على الأرض فلا توجد آية تعليمات أو قوانين أو أنظمة ملزمة حتى يتبعها الناس. وكمثال على فارق التفكير بيننا وبين الأجانب، أقول إنه حاليا كل المؤسسات الأجنبية الموجودة في فلسطين، واستشعارا بما يصدر في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل من احتمالات الزلازل، تتلقى تعليمات من بلادها تلزمها إجراء دراسات لفحص مدى قدرة المباني التي يشغلونها، من سفارات ومؤسسات أجنبية، على مقاومة الزلازل، وترصد الموازنات لتقوية وتدعيم هذه المباني لحماية أنفسهم، علما بأن نحو ربع العاملين في هذه المؤسسات أجانب والباقي فلسطينيون. وهذا يدلل على الفرق بين ذهنية المسئولين الأجانب في هذه الدول التي وزارات خارجيتها على الأغلب التي تتابع مواطنيها، وذهنية المسئولين لدينا في الوزارات المختلفة المسئولة عن حياة المواطنين. وللأسف، نحن لم نتطور إلى هذا المستوى من الذهنية في التفاعل مع الأمور والقلق الحقيقي على أرواح وممتلكات الناس والاقتصاد الوطني، لأننا نتحدث عن موضوع كبير جدا، ونحن بلد فقير بكل المقاييس. والعديد من المنشآت القائمة قامت بفضل جهد وتعب حقيقيين للناس، أو بفضل تبرعات من دول أخرى، ولا توجد لدينا الثروة مثل دول أخرى، بحيث تستطيع أن تعوض نفسها من داخلها. وكما ذكر د. جلال، لا نزال في وضع متخلف، على الأقل في المستوى القانوني والرسمي.

جورج كرزم: في حال ضرب المنطقة زلزال بقوة 6.5 – 7 درجات، تتوقع الدراسات الإسرائيلية انهيار كلي أو جزئي لما لا يقل عن 40% من المباني في إسرائيل، فضلا عن عشرات الآلاف من القتلى والإصابات. لذا، من ضمن التعليمات التي أعلن عنها في "التخنيون" الإسرائيلي، قبل بضع سنوات، بخصوص تدعيم وتقوية المباني القائمة، وهذا يؤكد ما قاله محمود، أن تتم تقوية جميع المباني غير المطابقة للمواصفات بالإضافات المناسبة، أو بإضافة أجنحة إضافية لها، أو بتعبئة الفراغات في الطوابق الأرضية القائمة على أعمدة بالباطون، فضلا عن مراقبة ونقل كتل الأجسام والأحمال الثقيلة المتحركة في داخل المباني، وبخاصة في الطوابق المرتفعة. فماذا يمكن فعله في الضفة والقطاع بهذا الخصوص؟

جلال الدبيك: لا توجد مؤسسة علمية تعاملت مع المواطن والمختص وصانع القرار بقدر الفعاليات التي قام بها مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل في جامعة النجاح، بل سجل المركز عشرات الأضعاف ما قام به الإسرائيليون. وهم وضعوا بضع سيناريوهات، لكن السيناريو الأولي على مستوى المنطقة كان فلسطينياً ولم يكن إسرائيلياً. فأول التقارير الفلسطينية لقابلية الإصابة لأنماط المباني الدارجة في المنطقة كان عام 1999، ثم تلتها القراءات الإسرائيلية. لكن الفرق بيننا وبينهم أن لدى الإسرائيليين مؤسسات تتابع القانون، ولديهم أيضا العديد من المشاكل. ويلزم الإسرائيليين 11 مليار دولار لتقوية وتدعيم المباني الضعيفة. لكن، ما أرغب في الإشارة إليه، أولا، أن كل ما نتحدث عنه غير مجد، في ظل عدم وجود قانون وآلية تطبيق القانون. وفي النهاية، لدينا المهندس والقانون والبلدية والنقابة والمؤسسات ذات العلاقة، وما نريده هو قانون وآلية لتنفيذ القانون. ثانيا، بخصوص الكود، فنحن أقرب إلى الكود الأردني وقليلا من الكود الإسرائيلي. أما الكود الدولي للبناء فلدينا تحفظات عليه، بسبب بعض المُعامِلات. أما بخصوص قابلية الإصابة الزلزالية لأنماط المباني الدارجة في فلسطين، ففي حال حدوث زلزال بقوة 6.5 حسب مقياس ريختر، فإن 5 – 15% من بعض الأحياء في بعض المدن الفلسطينية ستتعرض إلى انهيار كلي، علما بأنه ليس كل المدن ستتأثر بنفس النسبة. كما أن نحو 20 – 22% ستتعرض إلى انهيار جزئي. أي أننا نتحدث عن ربع أو ثلث المباني في بعض الأحياء في بعض المدن في الضفة وغزة، ستتعرض لأضرار كلية إلى جزئية، وهذا رقم هائل. السيناريو الفلسطيني يقول إنه بسبب أن المدن الفلسطينية قائمة على مناطق جبلية، حيث إنه من الطرق قليلة العرض، وقد ينهار الجدار الاستنادي أو قد يحدث انزلاق أرضي، أو قد ينهار المبنى على الشارع فيغلقه. فالسيناريو الفلسطيني يقول بشكل دقيق إن الكثير من المناطق الجبلية ستغلق بسبب كون الشوارع طولية وليست عرضية، وسنقف على مناطق معزولة بالكامل، وستعزل أحياء كاملة، ولن تستطيع سيارات الإسعاف والإطفاء الوصول إليها. وهذا ما أظهره السيناريو الفلسطيني المعتدل. وحسب أنماط المباني الدارجة في فلسطين فإن قابلية إصابتها مرتفعة. أما بخصوص المباني القديمة، لا بد من نقطة تصحيحية، وهي أن قابلية لإصابة الزلزالية لأنماط المباني غير المسلحة مرتفعة أكثر من المباني المسلحة، إلا أن قابلية إصابة المباني المسلحة ارتفعت بسبب أخطاء التشكيل المعماري والإنشائي، مثل الطيرنات والطابق الرخو. فلا يمكننا أن نعدل شيئا دون قانون وآلية تطبيقه. ولا يمكن تعديل أي شيء دون أن يعرف المهندس بأن هذا الأمر مسئوليته. وبغض النظر عن وجود أو عدم وجود قانون، فالمهندس الذي تخرج في السبعينيات والثمانينيات لم يدرس هذه العلوم، وعليه أن يتعلم باستمرار. لكن المهم أن على المؤسسة أن تسهل الأمور أمام المهندس من خلال القوانين وتفعيل القوانين والعمل المؤسسي وهكذا. هذا التباعد وهذه الحلقات المنفصلة نحن نرغب في أن نشكل منها سلسلة مؤسساتية؛ إذ لا يبنى الوطن وكل مؤسسة تعمل لوحدها. ومن خلال عملي الواسع مع جميع المؤسسات الفلسطينية، وجدت أن بعضها يريد أن يكون حلقة قوية، لكن ليس ضمن سلسلة، وللأسف تتبعثر الجهود. علينا أن نقف وقفة حقيقية. وجورج تحدث عن برنامج طارئ، وهذا شيء جميل. فلنبدأ بإيقاف الخطأ في المباني الجديدة وتصحيحه، ونحن نتحدث عن هذا الموضوع منذ التسعينيات. ومن ثم بلورة خطة وطنية لمعالجة المباني القائمة. فسيناريو البنك الدولي يقول إن الأراضي الفلسطينية ستخسر مباشرة 5 مليارات دولار في حال حدوث زلزال، دون احتساب الخسائر غير المباشرة، من خسارة الوظائف والعمل والمصانع وغيره. فحسب القانون الدولي، لو توجهنا إلى البنك الدولي، فنستطيع أن نحصل على 10% من هذا المبلغ، أي نصف مليار تودع في صندوق خاص. فعلى المواطن أن يستثمر الآن في منزله 10% بدلا من أن يدفع لا حقا 100%. وما تقوم به الآن بجهد 10% يخفف عنك 90% بعد الزلزال. فلو دفع المواطن 5% فيمكن للدولة أن تدفع أل5% الأخرى من الصندوق لمدة عشرين سنة. وفي هذه الحالة، يكون البنك الدولي قد استفاد ونحن استفدنا وخلقنا فرص عمل للمجتمع الفلسطيني. والخطة الطارئة يجب أن تتمحور على صناع القرار، إلى جانب مجموعة ضاغطة، وهذا الأمر لا يتنافى مع قوانين البنك الدولي.
السيناريو الفلسطيني يأخذ بالاعتبار أن الأراضي الفلسطينية لا تمتلك حدوداُ ولا مطارات، علما بأن الإنقاذ في الدول التي تمتلك بنى تحتية يصل بعد 24 – 48 ساعة؛ وبالتالي فسنعيش أمام أحياء ومناطق معزولة، والمساعدات الدولية ستتوقف، كما أن الإسرائيليين سينشغلون في الكارثة لديهم، وكذلك الأردن. وقد طرحت هذا الأمر على مؤسسات دولية في جنيف وغيرها، بكل صراحة. فأين مطاراتنا وموانئنا التي ستنزل فيها طائرات الإسعاف والإنقاذ. وقد طرحنا الأمر على الجهات السياسية والدفاع المدني، فباشروا مؤخرا إلى طرح الموضوع أمام المؤسسات الدولية. وهذه أيضا مهمة المفاوض الفلسطيني الذي عليه أن يضغط. المناطق الفلسطينية تفتقر إلى البنى التحتية من طرق سريعة وواسعة، بحيث تستوعب طائرات الإنقاذ. فالشعب الفلسطيني سيدفع ثمن ثلاث كوارث: كارثة اللجوء، وكارثة مصيبة الاحتلال، وكارثة إفرازات الاحتلال.
نستطيع أن نبدأ ولو بمتطلبات الحد الأدنى، كي ننجز الكثير من الأمور. وأقولها بصراحة، إذا كانت هناك نية واضحة لدى فئتين هامتين جدا هما البلديات ونقابة المهندسين، فنستطيع أن نعدل الوضع. ونقابة المهندسين قامت بخطوات مشكورة لكنها بحاجة إلى تدعيم. وفي آخر استطلاع للرأي أجري في جامعة النجاح، تطرق أحد بنوده إلى المسكن والتوعية الزلزالية. ونحن أول دولة في العالم تقريبا نقوم بهذا العمل. وقد صعقت بعض المؤسسات الدولية من كوننا توصلنا إلى عمل هذا الاستطلاع. وفي هذا الاستطلاع يقول المواطن العادي إن نقابة المهندسين تتحمل 46-47% من مسئولية المتابعة ، أما البلديات فتتحمل 42% من المسئولية. المواطن يقول إن المهندس في الأصل يتحمل مسئولية آلية تطبيق ما صدر عن المهندس تصميما وتنفيذا. المواطن يحمل الحلقتين القويتين جدا المتمثلتين بنقابة المهندسين التي تعد مؤسسة رائدة نعتز بها، والبلديات التي تعد أقوى المؤسسات لدينا. كما أن 8 – 9% من المستطلعين قالوا إن المسئولية تقع على الدفاع المدني. وعندما سئل المواطن هل أنت على استعداد لدفع 3-5% زيادة على منزلك، كي يكتسب منزلك تصميما زلزاليا، أجاب 85% نعم، علما بأن التصميم الزلزالي العادي لا تزيد تكلفته عن 3-5%. هناك مبان تحديدا في رام الله، في حال تم تصميمها زلزاليا فسيتم التوفير فيها. هذا الاستطلاع جريء بطبيعته، ويمكن استخدامه لصناع القرار والبلديات ونقابة المهندسين وجميع الجهات العلمية. وقد تمكنا من خلال الاستطلاع معرفة نسبة المباني الفلسطينية التي تحوي طابقا رخوا. فنحو 38% من المباني عبارة عن طابق واحد، أي لا يوجد فيها طابق رخو. و62% أكثر من طابق، ومن هذه النسبة يوجد نحو 34% يوجد فيها طابق رخو. وإجمالا، فإن نحو 25% من المباني فيها رخاوة. والرخاوة ليست رقماً محدداً، بل عبارة عن مدى معين، بين عالية الرخاوة وقليلة الرخاوة. ونحن نتحدث هنا عن مجرد عامل واحد هو عامل الطابق الرخو فما بالك بالأخطاء الأخرى. وبخصوص قابلية الإصابة، أشارت آخر الدراسات التي أجريت على مخيمات بلاطة، الأمعري والدهيشة لصالح UNDP، إلى قابلية الإصابة للمخيمات الفلسطينية مرتفعة جدا، ومعظم المخيمات الفلسطينية ستكون بقعة معزولة، وهذا ما لا يرضاه لا ضمير ولا إنسان ولا منطق. وعندما طرح هذا الموضوع في مؤتمرات اللاجئين وغيرها، فهم البعض هذه المسألة من منظور آخر. لكننا، ومن منطلق الأمانة العلمية نقول بأن قابلية الإصابة في المخيمات الفلسطينية مرتفعة جدا، فلا يوجد طرق داخلها، وبالتالي ستغلق الطرق الداخلية والرئيسية والفرعية، مما سيشكل كارثة حقيقية، ولن تستطيع سيارات الإسعاف أن تدخل أي مخيم فلسطيني، سوى القليل جدا من الشوارع. والوضع في الريف الفلسطيني ليس بأفضل، إذ نواجه هناك مسألة الطابق الرخو والانزلاقات الأرضية، واتضح هذا الأمر من خلال الدراسات التي أجريناها، والحديث يدور هنا عن أرقام مرتفعة جدا، وبالتالي لا بد من التدخل وفي أسرع وقت. وفي مثل هذا التدخل، يجب أن يعي المواطن واجبه، و أن يعرف الأخصائي وصانع القرار ما هو مطلوب منهما، وأن لا يلقي كل جانب المسئولية على الآخر. ومن حملات توعية وإرشاد من خلال وسائل الإعلام نستطيع أن نصل إلى الناس. وقد تبين من استطلاع الرأي أن 36% من إجمالي الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، في الريف والمدينة والمخيم، كبارا وصغارا، يعرفون مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل. أما لدى المتعلمين فكانت النسبة 55%، وعلى مستوى محافظة نابلس كانت النسبة 85% من المتعلمين، بحكم كونهم أقرب إلى المركز. ونسبة الذين يستطيعون تحديد الطابق الرخو في محافظة نابلس أكثر من 25% من السكان، أي أنهم يعرفون هذه الكلمة العلمية ومدى خطورة الطابق الرخو. وهذا يشير بأننا نستطيع أن نصل إلى المواطن ضمن خطة محكمة من خلال وسائل الإعلام.

جورج كرزم: هل هناك تصنيف واضح لنوعية الأراضي ومدى تماسكها ومتانتها (أراض صخرية، رملية، طينية...إلخ)؟ وهل توجد سياسة وطنية لاستعمالات الأراضي، وبخاصة الأراضي الضعيفة أو القابلة للانزلاق؟

جلال الدبيك: الزلزال بحد ذاته لا يقتل، بل إن العوامل الثلاثة المتمثلة في المبنى، وتربة الموقع، والتركيب الجيولوجي للمنطقة، هي التي تحدد انهيار أو عدم انهيار المبنى. للتربة الطينية يوجد عامل تضخيمي زلزالي، وبخاصة إذا أشبعت في المياه أو اقتربت من صدع أرضي، وهي كثيرة في فلسطين. وجزء من المناطق الجبلية التي تحوي الصخر الحوري الذي يشكل ما لا يقل عن 30% من المناطق الجبلية المنحدرة أو عالية الانحدار والتي يفترض بتربتها أنها صخر جيري حوري، وهذا قابل للانزلاق. ويوجد في الضفة الغربية ما لا يقل عن 35-40 حيّاً كاملاً مبنية على أرض حورية قابلة للانزلاق ولها حساسية عالية للانزلاق، وبخاصة إذا حدث الزلزال في فصل الشتاء. كما توجد مناطق تضخيم زلزالي في منطقة رام الله، كما اتضح من 4 نقاط مختلفة. وتبين من 22 نقطة في منطقة نابلس أن التضخيم الزلزالي في بعض المناطق مرتفع. وفي منطقة غزة حيث يوجد تميؤ للتربة الرملية، فإن الرمل يكون جيدا في حال كونه جافا. بينما الرمل على شاطئ البحر مشبع بالرطوبة، فإذا تعرض لحركة اهتزازية يتميأ ويصبح كالماء. ولا توجد خرائط لاستخدامات الأراضي في المناطق الفلسطينية. بل حتى الإسرائيليين بدؤوا حديثا برسم خرائط التفاصيل الزلزالية الدقيقة للمناطق، وتحديدا في منطقة كفار سابا ومنطقة حول تل أبيب. هناك خرائط يعملون عليها في منطقة عسقلان، علما بأننا في الأعوام 1996، 1997 و1999 كنا المبادرين في هذا الموضوع، إلا أن الإسرائيليين سبقونا لأن المؤسسات لدينا لم تأخذ الموضوع على محمل الجد. لو نظرنا إلى خرائط الاستخدام الإسرائيلية للأراضي في الضفة الغربية، سواء في منطقة الجبل الأبيض بنابلس أو في مناطق أخرى في الخليل، نجد أنه بالرغم من الانزلاقات الأرضية الكثيرة التي حصلت، فإنها تشير إلى أن هذه الأراضي صالحة للبناء. وهذا يشكل كارثة. لذا، هذه الخرائط بحاجة إلى إعادة نظر، لأنها لم تجر أي دراسات زلزالية تفصيلية، ومن ذلك الانزلاقات الأرضية، بل إن خرائط الاستخدامات الإسرائيلية عبارة عن خرائط أمنية عسكرية، لأن كل الموازنة تضخ عندهم. بل إن الأخصائيين الإسرائيليين يعانون من شح في الموازنة؛ لذا، يجب ألا نعطيهم أكثر من حجمهم. لا يوجد أي مبرر للمؤسسات والوزارات الفلسطينية في عدم إعدادها خرائط لاستخدام الأراضي، وذلك على الأقل في المناطق الخاضعة للسيطرة الإدارية الفلسطينية، أي مناطق "أ"، وَ "ب". ودون ذلك لا نستطيع عمل خطة تطويرية. فكثير من المباني التي أنشئت بعد إقامة السلطة عام 1994، قد شيدت على أراض يجب ألا يبنى عليها، بل قد تكون صالحة لإنشاء متنزهات عليها، لأن فيها تضخيماً زلزالياً. فالأرض ليست فقط للبناء، بل للزراعة، للصناعة وللأجيال القادمة. فهناك مناطق لا تصلح للبناء، كما لا تصلح للزراعة والصناعة، بل تصلح لتشجير الغابات، وهكذا نكون قد حققنا جوانب بيئية. فسياسة استخدام الأراضي عبارة عن أداة فعالة تستخدم في العالم للحد من المخاطر، إذ لا يمكننا أن نعدل الوضع القائم. فالكود الزلزالي وتطبيقه هو الجانب الأول، أما الجانب الثاني فيتمثل في سياسة استخدام الأراضي التي من الضروري بلورتها. وأنا أتحفظ هنا مما قامت به وزارة التخطيط في الأعوام 1994، 1995، و1996، حيث صرف الكثير على خرائط الاستخدام التي لم تأخذ بالاعتبار الكثير من العوامل الزلزالية والكارثية. والمبالغ التي صرفت تكفي لبناء مؤسسات وطنية.

م. إياد بكير (رئيس هيئة المكاتب في نقابة المهندسين): أود أن أستعرض وضع المباني القائمة بالنسبة لمسألة مقاومة الزلازل، وماذا كان دور نقابة المهندسين في هذا السياق، فضلا عن نظرة الناس للمبنى. قبل التسعينيات لم يعرف المواطن الفلسطيني ما هي الهندسة، بل كان يتعامل مع عملية البناء باعتبارها معاملة بناء، مثل معاملة تسجيل أو شهادة ميلاد، وللاحتلال دور هام في هذه النظرة. فالهندسة أو محتوى هذه المعاملة كانت مستبعدة، وهم المواطن الأساسي هو البناء. فالمباني كانت تلقائية، ولم يكن وجود لمكاتب الهندسة، وربما كان للبَنَّاء دور أكبر بكثير من المهندس. وصاحب المبنى هو الذي يقرر التصميم. بعد عام 1994، حدثت نقلة نوعية من تحت الصفر إلى مستوى يضاهي دولة مثل الأردن الذي لا يخضع للاحتلال، وتحديدا عندما أنجز مشروع هيئة المكاتب الهندسية، وأصبح لدينا نظام العمل الهندسي، وأخذ يتطور المخطط الهندسي، حيث أصبحت النقابة تقرر متطلبات العمل الهندسي. وحاليا، فإن طريقة عملنا الهندسي، في الضفة الغربية، مواز لطريقة العمل الهندسي في الأردن، علما بـأن الأخير متميز عربيا في العمل الهندسي وأنظمة العمل الهندسي ومتطلباته، حتى بالمقارنة مع دول الخليج. فحاليا اختلف لدينا وضع العمل الهندسي وأصبح، ابتداء من عام 1994، ينتج مبان مختلفة عن السابق، حيث أصبح هناك متطلبات. فبعد أن كانت معاملة البناء عبارة عن 4-5 صفحات، أصبحت الآن المخططات تزيد على 70-80 صفحة للمشروع الواحد، وبعض المشاريع قد تفوق ال 200 صفحة أو 200 مخطط. فحين تطور العمل الهندسي أصبح يأخذ بالاعتبار عوامل كثيرة، وأصبح لدينا تخصص وإنتاج مبان يختلف عن فترة ما قبل التسعينيات، حين كان القانون آنذاك يسمح للمهندس بأن يحصل على ترخيص للبناء، حتى لو كان مهندسا ميكانيكيا، وبأي شيء لديه وكيفما اتفق. منذ عام 1995 أصبح لدينا أربعة تخصصات، هي مهندس إنشائي، ومهندس معماري، مهندس كهربائي ومهندس ميكانيك، الأمر الذي انعكس على طبيعة المباني التي نشأت. وقد توصلنا كنقابة، إلى بعض الأمور والتفاصيل التي يجب أن تتوافر في المبنى لنضمن متانته، مثل ما يعرف بإذن الصب الذي تعمل به بلديتا رام الله ونابلس، وهو عبارة عن تصريح بالصب من المهندس للمتعهد أو البنَّاء، وذلك بعد أن يكون المهندس قد اطلع على العنصر الإنشائي الذي سيتم صبه، ومدى تطابقه فنيا مع المخططات، وتنظيميا أيضا، من الناحية القانونية، وهذا يعني أن هناك رقابة على المباني التي لم تعد تبنى دون مراقب ومختص. وهذا الأمر معمم على كل الضفة الغربية، ومع ذلك فالوضع في الريف ضعيف، لأن آلية السيطرة على الوضع ضعيفة. لدينا ثلاث مدن في الضفة الغربية هي نابلس ورام الله والبيرة يشكل فيها العمل الهندسي والمشاريع نحو 60-65% من إجمالي العمل الهندسي في الضفة الغربية، وهذه المدن تحديدا لدينا عليها سيطرة. أما فيما يتعلق بالريف، فإننا نتفاوض حاليا مع وزارة الاقتصاد التي تعطي التراخيص لشركات الباطون، لربط إذن الصب عن طريق هذه الشركات، وذلك كي يمنع عليها عملية الصب دون إذن الصب. إذن، بهذه الطريقة يمكن السيطرة على مناطق الريف. وابتداء من بعد عام 2000، إثر الزلزال الذي حدث في نابلس، تولدت تخوفات معينة. وعندها قدم لنا د. جلال توصيات، بحيث يستطيع المهندس أن ينفذ بعض الأمور والتعليمات البسيطة بسهولة، دون الخوض في التصميم الزلزالي، وينتج مبنى أكثر مقاومة للزلازل. وقد أشار د. جلال في توصياته إلى مسألة الطابق الرخو وبعض التفاصيل الإنشائية البسيطة التي يمكن لغير المختص أن يفهمها أيضا. وقد عممنا هذه التوصيات على المكاتب الهندسية، بحيث إن الالتزام بهذه التعليمات قد ينتج لنا مبنى أكثر مقاومة للزلازل. وحاليا، يوجد قرار لنقابة المهندسين بلزوم عمل دورات إجبارية ومجانية للمهندسين الإنشائيين، خاصة باستعمال الكود الزلزالي، وكان يفترض بداية تنفيذ هذا القرار ابتداء من هذا العام (2008)، لكن الأمر تأخر لأسباب فنية ومالية. ويتوقع أن تبدأ هذه الدورات خلال الفترة القريبة القادمة. وفي المستقبل، لن نستقبل أي مخطط دون أن يتضمن العمل على الكود الزلزالي، حيث سيقوم الأخصائيون في النقابة بفحص المخططات من ناحية تطبيقها لجميع المعايير المطلوبة، ومن ذلك فحص التربة الذي أصبح إلزاميا منذ نحو أربع سنوات، وهذا الأمر يعد من إنجازات النقابة. ولدينا حاليا مختبرات تربة، ونحن نرفض استقبال الكثير من المعاملات دون فحص التربة في مختبر مختص. وأستطيع القول إن منتج المباني منذ 2005 وحتى اليوم أفضل من منتج المباني في الفترة 1995-2005.
المسألة الخطرة الأخرى تتمثل في مسألة التنظيم والطابق الرخو. التنظيم أو الحكم المحلي سمح ببناء الطابق الرخو، أي الطابق على أعمدة ، لاستخدامه لمواقف السيارات، وهذا الطابق خطر جدا. ويفترض أن يكون تنسيق ما بين الحكم المحلي والنقابة لحل هذه الإشكالية.

جلال الدبيك: توجد حلول لهذه المسألة، فحتى لو أراد صاحب المبنى إنشاء كراج يمكننا حل الموضوع، وننفذ في نفس الوقت قانون التنظيم.

إياد بكير: أنا ود. جلال أعضاء في اللجنة الاستشارية لبلدية نابلس، وطرحنا مسألة الطابق الرخو، واتخذ قرار بأنه يمكن أن تكون واجهات للمبنى، وليس فقط على أعمدة. والتنظيم يريد الأعمدة، خوفا من أن يستعمل الطابق ذو الواجهات كسكن أو شقق، وبالتالي يلغى كطابق للكراجات. وقد تجاوبت بلدية نابلس معنا، بحيث يكون في هذا الطابق واجهات خارجية تسهل حركة السيارات. فيفترض أن يكون تنسيق ما بين الحكم المحلي ومُشَرِّع أنظمة البناء والنقابة وعلوم الزلازل، كي نحل مشكلة المباني الهزيلة وغير المقاومة للزلازل.

محمود عبد الله: نحن نحتاج إلى مجموعة من الأنظمة تضمن توزيع المسئولية على العديد من الجهات. فلا يكفي أن تأخذ نقابة المهندسين دورها، بل يجب أيضا أن يصدر مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل تعليمات. ولو أخذنا بلدية رام الله كمثال، أقول، إنه تقدم للبلدية مؤخرا عدد من المستثمرين لإقامة مبان مرتفعة. فلا يوجد في نظام الأبنية والتنظيم القائم حاليا ما يلزم المستثمرين أو أصحاب المباني بأن يعملوا تصميما مقاوما للزلازل. لكننا استفدنا من بند آخر يقول إن الهيئة المحلية تستطيع أن تضع شروطا إضافية، ووضعنا قائمة مكونة من 42 شرطا فنيا للمباني المرتفعة، منها 15 شرطاً تتعلق بالزلازل، وبعض هذه الشروط يتعلق بمرحلة التصميم، وأخرى بمنافذ ومخارج المبنى وعددها. كما توجد شروط تتعلق بالأجهزة المستعملة بداخل المبنى، مثل إطفاء الحريق، الإنذار وغيرها. ولأول مرة على مستوى البلد، فقد وضعنا شرطا لأية جهة ترغب في تقديم تصميم لمبنى مرتفع والحصول على الموافقة الأولية، حيث إن جميع المباني العالية يجب أن تحصل على الموافقة الأولية قبل تقديم المخططات النهائية، ففي هذه المرحلة نعطي الجهة المقدمة قائمة ال 42 شرط التي تحوي على الكثير من الأمور ذات الصلة بالزلازل. وينص أحد هذه الشروط على أنه عند تقديم التصميم النهائي يجب أن يقدم تدقيق من مكتب إقليمي مختص لهذه المباني لتأكيد مدى مقاومة المبنى للزلازل. ولدينا حاليا حالتان توجهتا إلى الأردن لمراجعة مكاتب لديها خبرة أكثر في المباني المرتفعة للحصول على الأمور اللازمة للترخيص النهائي. وبالتعاون مع نقابة المهندسين وجهات أخرى، نتوقع أن تؤسس هذه الآلية لمكاتب تدقيق محلية لهذه المسألة. فالوسط الهندسي الفلسطيني يستطيع أن يتطور بشكل سريع، وأن يتعامل مع هذه المواضيع بشكل علمي، لكن تنقصه الإلزامات والقوانين والآليات التي تساعده. فكي يصبح هذا المكتب استثمارياً وقابل للحياة يجب أن تكون إلزامات من الجهات الأخرى بأن تتضمن التصاميم الجوانب المتعلقة بالزلازل. وقد رأينا، كبلدية، تعاونا وتفهما من جانب المهندسين والمالكين، بالرغم من أن هذه المسألة مكلفة في التصميم وفي التدقيق، أي ستكون هناك تكاليف إضافية. لكن هذه مجرد مبادرة واحدة، ونحن بحاجة إلى استكمال الحلقة، بحيث تكون فيها القوانين والهيئات المسئولة والحكومة ممثلة بوزارة الحكم المحلي، ووزارة التخطيط، والدفاع المدني ووزارة الداخلية. والدفاع المدني تحديدا لا يملك الإمكانيات، وربما يملك النوايا، وهو لا يملك فريقا من المهندسين المؤهلين للتعاون في هذا المجال، كما أن الأنظمة القائمة والقانون الذي يعمل به الدفاع المدني ليس سيئا، بل يحتاج إلى تعديل وتطوير. ومثل هذه الأجهزة تعاني من العجز في الكفاءات العلمية القادرة على التعامل مع هذا الموضوع. قد يكون لدى الجهاز المدني كفاءات للتعامل مع الحريق وأمور أخرى. هم يتحدثون عن إطفاء الحرائق والإخلاء في حالة وقوع الكوارث، أي مرحلة ما بعد وقوع الكارثة، وليس المرحلة الوقائية من الكارثة، أي منع وقوع الحوادث أو تقليل الأخطار.

جورج كرزم: من الواضح أن الجهود الموجودة منفصلة بعضها عن بعض. فلدى بلدية رام الله توجه، وللنقابة توجه، والدفاع المدني إمكانياته ضعيفة، ولا يوجد إطار واحد يجمع كل هذه الجهود والتوجهات، قد نسميه لجنة طوارئ، أو إطار مؤسسي واحد يشكل بوتقة واحدة، يصب فيها كل التفكير والخبرات والمبادرات. هل يوجد مثل هذا التوجه لجمع كل المعنيين في نفس الإطار المؤسسي، وبالتالي تعظيم المخرجات والنتائج؟

جلال الدبيك: هذا الموضوع هام جدا. فمنذ عام 2004، وإثر كل الجهود التي بذلت في نقابة المهندسين ومركز علوم الأرض وهندسة الزلازل والعديد من البلديات، ومنها بلدية رام الله ونابلس والخليل، عقد لقاء، وكان ينقصنا حلقة ضائعة، كنا نبحث عنها، وقد تحدثنا عن هيئة وطنية للتخفيف من مخاطر الزلازل وأنشأناها. ووجدنا في القانون الفلسطيني "المجلس الأعلى للدفاع المدني الفلسطيني" الذي يفترض به أن يكون الجامع والمخطط، وقد أنشأ بموجب قرار صدر عام 1998، وللأسف فقد اجتمع لأول مرة عام 2005. ومهمة هذا المجلس صياغة القرارات التخطيطية للمؤسسات والوزارات وتوجيهها ورسم خطة مستقبلية. وكل هذا قبل الحدث. وأثناء الحدث يشكل المجلس غرفة عمليات مركزية، علما بأن الممثلين في المجلس الأعلى للدفاع المدني هم مديرون عامون في الوزارات. لكن، تبين، بعد عام 2005، أن الوزارات والمديرين العامين يرسلون موظفين عاديين، أو أن المندوب يتغير، كما أنهم يتعاملون مع القانون الأردني القديم. وقد أنشأنا، بعد عام 2005، ضمن عمل جماعي مع مؤسسات، "الهيئة الوطنية للتخفيف من أخطار الكوارث"، وهي هيئة حكومية أنشئت بنظام يتبع "المجلس الأعلى". وبسبب عدم تفهم وضع الهيئة تم تحويلها إلى منظمة غير حكومية. وعمر هذه الهيئة (كمنظمة غير حكومية) نحو عام ونصف، وموقعي الشخصي في هذه المنظمة هو نائب رئيس الهيئة. وقد نظمت الهيئة العديد من الفعاليات، لكنها تبقى غير حكومية. وتوجد حاجة لمظلة. وحسب القانون الفلسطيني فإن الجسم الوحيد الذي يستطيع ضبط المعادلة هو "المجلس الأعلى للدفاع المدني". لكن، مشكلة المجلس أن "غير الحكومي" غير ممثل به، علما بأن "غير الحكومي" في المجتمع الفلسطيني، يكون أحيانا، أقوى بكثير من الحكومي. والحقيقة أن مدير عام الدفاع المدني قام بجهود جبارة لتعديل الوضع وتطويره. ونحن كنقابة مهندسين لا مانع لدينا بأن يأخذ الدفاع المدني صلاحياته، وهناك فرق بين الدفاع المدني، و"المجلس الأعلى للدفاع المدني". الدفاع المدني عبارة عن أداة تنفيذية للطوارئ، قبل الحدث وبعده. أما المجلس الأعلى للدفاع المدني فوظيفته التخطيط المسبق والعمل في غرف عمليات وغير ذلك. وكي تتم معايير السلامة العامة في المباني لا بد من توفر الكادر، وقد حدث بعض التطوير على كادر الدفاع المدني، ونحن نسعى إلى أن يكون التطوير نحو الأفضل. وموقف نقابة المهندسين أنه ما دام في الدفاع المدني يوجد مهندسون متخصصون في جميع التخصصات الكهربائية والميكانيكية والبناء، فستكون آليات التنفيذ أوضح. وهنا قد يكون الخلاف حول آليات تنفيذ المعايير وليس المعايير نفسها.
النقطة الضائعة الأخرى تتمثل في أن أي عمل يتم لا بد أن يستند إلى سياسة وطنية على أعلى المستويات، بحيث تعتمد الكوارث كأولوية وطنية. ففي أية عملية تطويرية، مثل المدارس والمستشفيات والبنى التحتية، نريد مبنى يصمد بعد الكارثة، والتطوير المستدام ضمن تخطيط غير مكلف، وإن ازدادت التكلفة فتكون بسيطة جدا، فنحن نستثمر القليل قبل الحدث، لتوفير الكثير بعد الحدث، وهذه هي منظومة التطوير المستدام. فنحن لا يوجد لدينا سياسة استخدام الأراضي وأولوية وطنية للكوارث، وهنا نتحدث عن متطلبات الحد الأدنى للمباني المقاومة للزلازل، وتطبيق هذه المتطلبات سهل. فأي مبنى متماثل في شكله وكتله وقوته أفقيا ورأسيا، وحتى لو لم يصمم للزلازل بإمكانه أن يقاوم. فالحكومة لدينا لا تعتمد الكوارث أولوية وطنية، كما ليس لدينا إدارة للكوارث، وهذا هو الموضوع القاتل، ونحن نعيش في وضع كارثي.
في المستوى العربي، يفهم أن إدارة الكوارث عبارة عن كيفية التصرف في أثناء الكارثة، علما بأن إدارة الكوارث تتحدث بنحو 90% عن عملها قبل الكارثة، من ناحية تجنب الكارثة، والنواحي الوقائية والتوعية على جميع الأصعدة. أما ما قد نقوم به بعد الكارثة فلا يشكل سوى 5-10% وهو ما يعرف بالاستجابة للطوارئ. في المستوى الفلسطيني نحتاج إلى إدارة كوارث واستجابة للطوارئ. وإدارة الكوارث تحتاج إلى هيكلية وغرف عمليات مركزية تعمل قبل وفي أثناء وبعد الكارثة، كما أنها بحاجة إلى تفكير استراتيجي واضح للخطط التنموية، وبحاجة الأخذ بالاعتبار كل إمكانات البلد المتاحة ووضع سيناريوهات لجميع الكوارث المحتملة بمفاهيم تقييم وتحليل المخاطر، وهذه منظومة علمية متناغمة ومتكاملة لا تفصل الإنسان عن المختص وصانع القرار. وباعتقادي أن مسألة إدارة الكوارث هي مأساة أمتنا العربية، ويمكن تلخيصها بشقين، الأول العقلية والثاني إدارة الكوارث. فبغياب الهيكلية والأولوية الوطنية وإدارة الكوارث سيكون عملنا مجرد رد فعل.
 

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: akawis@gmail.com

الموضوع: ندوة العدد:3

التعليق:

من الواضح أن الأخصائيين المتحدثين في الندوة يعرفون تماما عما يتحدثون، وهم يمتلكون المعطيات والأرقام التي تدلل على خطورة ما يطرحون.  السؤال هو:  إلى متى سيتواصل تجاهل  المسئولين معالجة المخاطر الكارثية الكامنة في مبانينا ومنشآتنا الكثيرة غير المطابقة للمواصفات اللازمة لمقاومة الزلازل؟


 

 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.