|
الأطماع الإسرائيلية في السيطرة على المياه
د. أيمن الرابي
مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين
 |
|
الأحواض المائية في الضفة الغربية |
إن الموقف الإسرائيلي من موضوع المياه لم يتغير منذ قيام الدولة
العبرية حتى هذا اليوم. هذا الموقف قائم على عدم السماح بتغيير كميات
الاستهلاك الحالية بشكل قد يؤثر على الاستهلاك داخل إسرائيل؛ وبذلك فهم
يروجون لأفكار عديدة منها تحلية مياه البحر، أو إعادة استخدام المياه
العادمة، أو حتى الترويج لمشاريع إقليمية كبيرة مثل قناة البحر الأحمر
– الميت، من أجل إغراقنا بالتفاصيل التي تمنع أن نكون طرفا مؤثرا أو
مشاركا على مبدأ التساوي في أي منها، ومن أجل أن تظهر للعالم بأنها
تعمل على حل المشكلة وأن الحل ليس من خلال تقاسم المياه الموجودة وليس
بتوصيف الحق الفلسطيني في هذه المياه، موردة بذلك كافة الذرائع من شح
المياه إلى غير ذلك. وإنما يجب أن يأتي هذا الحل من الخارج على أن تبقى
إسرائيل مسيطرة على هذا الحل بغض النظر عن مصدره، فبالمحصلة سنبقى طرفا
تابعا معتمدا على نفس السياسة المائية القائمة. طبعا هذا لا يعني بأننا
ضد هذه الحلول أو المشاريع أو حتى لسنا ضد ترشيد الاستهلاك وتعظيم
الفائدة من كل قطرة ماء متاحة، على العكس إننا نؤمن بأهمية ذلك ونعمل
على تحقيقه،
وإنما نحن ضد أن يكون الترويج لهذه المشاريع أو التقنيات
كبديل عن الحقوق المائية الفلسطينية في المياه الجوفية والسطحية. نحن
نرى أن هذه الخيارات ما هي إلا خيارات داعمة لزيادة كمية المياه
المتاحة لكل بلد بعد أن يتمتع بكامل السيادة على أرضه ومائه، ويكون
قادرا على اتخاذ القرار بشكل متساو مع الجار القريب والبعيد؛ وإلا فلن
تكون هذه الخيارات إلا فرض أمر واقع، وعلى الطرف الضعيف القبول به.
وكلا الأمرين لا يخدم مصلحة الطرف الضعيف كمثل حالنا في هذه المعادلة
الحالية.
لقد حرصت الحركة الصهيونية ومنذ أواخر القرن التاسع عشر على أن تكون
المياه جزءا رئيسيا في رسم معالم الدولة، حيث حرصت على إبقاء منابع نهر
الأردن ضمن حدودها المقترحة على حكومة الانتداب. بل ذهبت إلى أبعد من
ذلك لتقترح أن تمتد الحدود إلى نهر الأولي في الجنوب اللبناني. وقد
نجحت بالفعل في جعل منابع نهر الأردن وبحيرة طبريا تحت سيطرتها. وتابعت
السيطرة على المزيد من المياه الفلسطينية والعربية منذ ذلك الوقت إلى
يومنا هذا وبأشكال مختلفة. فإذا نظرنا إلى تطور هذه المراحل عبر
المحطات الرئيسة للصراع نجد أنه بعد عام 1948 قامت إسرائيل بالسيطرة
على كافة المياه السطحية وجزء من المياه الجوفية في فلسطين، وفي عام
1967 أكملت السيطرة على المياه الجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة،
وفي 1982 أضافت الى موازنتها المائية جزءا من نبع الوزاني في الجنوب
اللبناني. وهكذا دواليك حتى أصبحت هذه السياسة التوسعية القائمة على
إلغاء الغير وتجاهل حقه في أرضه ومائه جزءا لا يتجزأ من هوية الدولة
العبرية.
تجميل وجه الاحتلال
هذا، وبعد أن أحكمت سيطرتها على هذه المصادر بالقوة وبصفه غير شرعية،
انتقلت إلى مرحلة تشريع هذه المكاسب من خلال عملية سياسية هدفت من
ورائها . إلى إبقاء الجزء الأكبر من هذه المكاسب تحت سيطرتها وإعطاء
الفلسطينيين الفتات القليل من المصادر، تحت حجج واهية لا تستند الى أية
قوانين أو شرائع قانونية أو سماوية. ولذلك كانت مرحلة اتفاقية أوسلو
المرحلية والبند 40 الشهير.الذي هو بحاجة إلى اتفاقية جديدة من أجل
تفسيره وترجمته إلى واقع. وأصبحنا ندور في دوامة جديدة تتحدث عن أرقام
لا ادري كيف وصلت أو ما هو أساسها، إضافة الى ذلك فقد هدفت هذه العملية
إلى إغراق الجانب الفلسطيني بالتفاصيل غير الضرورية والإجراءات
البيروقراطية العالية، كجزء من الترتيب الجديد لحصوله على ترخيص
إسرائيلي لإقامة بئر جديدة أو تزويد قرية فلسطينية بشبكة مياه جديدة أو
أي مشروع مائي آخر. وبذلك سيشعر الفلسطيني بأن العملية مجدية وأننا
نحقق شيئا. ويظهر الإسرائيلي بدوره أمام المجتمع الدولي بأنه يتعاون
ويساعد على حل المشكلة. ولكن من المفارقات العجيبة أن معظم الآبار التي
سمح الإسرائيليون للفلسطينيين بحفرها خلال مرحلة أوسلو كانت في ما يسمى
بالحوض الشرقي، الذي اتفق على أن طاقته الإنتاجية حوالي 172 مليون متر
مكعب على الرغم من عدم وجود ما يثبت هذه الأرقام فعلياً؛ وبالتالي فإن
هذه الآبار الجديدة بدأت تأكل الآبار القائمة في العديد من المناطق،
مثل منطقة بطن الغول جنوب شرق بيت لحم ولم تؤد إلى زيادة تذكر في كمية
المياه بل على العكس أدت إلى خسارة الاستثمار في حفر هذه الآبار و
انخفاض منسوب المياه الجوفية بما يؤدي الى ارتفاع كلفة الضخ وما لذلك
من انعكاسات اقتصادية وبيئية سلبية على الوضع العام وعلى استدامة
الحوض.
في ظل هذا كله ظن المفاوض الفلسطيني عندما اعترفت إسرائيل بالحقوق
المائية الفلسطينية دون أن توصف ما هي هذه الحقوق أنه حقق إنجازا كبيرا
سيمكنه من مفاوضة إسرائيل لاحقاً لانتزاع هذا الحق؛ أملا بان القانون
الدولي يضمن له ذلك أو حتى ظنا منه بان هناك التزاما إسرائيليا بمتابعة
العملية السلمية على أسس ومبادئ الاتفاقيات والمواثيق الدولية. والمرجح
هنا أن إسرائيل لن تتفاوض بناءً على هذه الأسس بالمطلق، وبالتالي فيجب
علينا الإعداد الدقيق للمرحلة القادمة إن كان سيكون هناك مفاوضات
حقيقية كما يجب علينا وضع سيناريوهات مختلفة لقواعد اللعبة المتوقعة،
وكذلك أن نحدد خطوطنا الحمراء والمدة الزمنية للتفاوض ومتى يجب أن
نتوقف.
أخيراً، نجد لزاما علينا أن نعمل على تكثيف جهودنا وتنسيقها من أجل وضع
خطة تفاوضية متناسقة مع مصالح شعبنا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية،
وأن نقوم بتحديد الحقوق ا لمائية التي يمكن أن تشكل الحد المعقول لضمان
تنمية حقيقية دون المساس باستمرارية المصادر مع وضع خيارات بديلة
ومتعددة ودراسة هذه الخيارات واختيار الأفضل منها عند الجلوس مع الطرف
الآخر. وباختصار يجب أن نتعلم من دروس الماضي، ويجب أن نكون بكامل
الجهوزية قبل أن نذهب وإلا فلن يكون هناك جدوى من الذهاب.
للأعلىé |