البيئة عند ابن خلـــدون الأمن الغذائي الفلسطيني ما بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل
 

كانون أول 2008 العدد (9)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

December 2008 No (9)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

تراثيات بيئية:


 

البيئة عند ابن خلدون

علي خليل حمد

ناقش ابن خلدون (1332-1406) في كتابه المشهور "المقدمة"عدداً من القضايا الأساسية في علم الاجتماع، منها اختلاف الجماعات البشرية في أبدانها وطبائعها وسلوكها، وكذلك نشوء الدول وانحطاطها وزوالها .

وكان للبيئة دور بالغ الأهمية في تفسير ابن خلدون لتلك الظواهر؛ وللبيئة عنده مستويان: مستوى أكبر يتمثل في أقاليم الأرض المختلفة في درجة حرارتها بحسب موقعها بين خط الاستواء والقطب الشمالي، ومستوى أصغر وهو حظّ الأرض من الخصب والإمكانات الزراعية...

أقاليم الأرض

يبدأ ابن خلدون مناقشته للعمران البشري، واختلاف الناس في صفاتهم وعاداتهم وأحوالهم وتاريخهم، من دراسة أقاليم الأرض كما عرفها الجغرافيون القدماء، وهي سبعة أقاليم متدرجة من خط الاستواء إلى القطب الشمالي، حيث يقل السكان في المناطق المتطرفة شديدة الحرارة أو شديدة البرودة، ويكثرون في المناطق المتوسطة المعتدلة أي في الأقاليم الثالث والرابع والخامس؛ يقول:

"نحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة، أن الأول والثاني من الأقاليم المعمورة [منطقة خط الاستواء] أقل عمرانا مما بعدهما؛ وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرمال والبحر الهندي الذي في الشرق منهما. وأمم هذين الإقليمين وأناسيّهما ليست لهم الكثرة البالغة، وأمصاره ومدنه كذلك، والثالث والرابع ( المنطقة المعتدلة) وما بعدهما بخلاف ذلك؛ فالقفار بها قليلة، والرمال كذلك أو معدومة. وأممها وأناسيّها تجوز الحد من الكثرة، وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عدداً والعمران فيها مُنْدرج بين الثالث والسادس؛ والجنوب خلاء كله."

ويعلل ابن خلدون هذا التوزيع البشري بحسب الأقاليم وبضرورة اجتماع الحر والبرد بنسب ما من أجل التكوين أو نشوء الكائنات، والإفراط في الحر والبرد ضاران بهذا التكوين، وإن كان الحّر أشد وطأة، مما جعل العمران في الربع الشمالي من الأرض أكثر وأوفر.

أقاليم العمران البشري هي الثالث والرابع والخامس وأعدلها جميعا أوسطها أي الرابع، وسكان هذه الأقاليم هم الأعدل أجساماً وألواناً وأخلاقاً وأديانا، وهم "على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم" وتوجد لديهم المعادن الطبيعية من ذهب وفضة وحديد وغيرها، وهم أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقَيْن والهند والسند والصين وكذلك الأندلس  ومن قرب منها من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين... وأما الأقاليم البعيدة من الاعتدال أي الأول والثاني والسادس والسابع فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع أحوالهم فبناؤهم بالطين والقصب وأقواتهم من الذّرة والعشب وملابسهم من أوراق الشجر ... وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العُجم...

الإقليم ولون البشرة

يرفض ابن خلدون رفضاً قاطعاً الخرافة الشائعة التي تعزو سواد بشرة السودان [السّود] إلى أن السودان هم ولد حام بن نوح اختصّوا بلون السوادِ لدعوةٍ كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما جعل الله من الرقّ في عقبه؛ والصواب في رأي ابن خلدون هو رد اختلاف لون البشرة بين الناس إلى طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه من الحيوانات، ذلك أن مسامتة الشمس الطويلة لمناطق الأرض الجنوبية تزيد تأثير القيظ الشديد على جنوبهم فتسود جلودهم، في حين أن كون الشمس أفقية في المناطق الشمالية يضعف تأثير الحّر ويزيد من تأثير البرد فتبيض ألوان أهلها ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون وبرش الجلود وصهوبة الشعور، وذلك بخلاف أهل المناطق المعتدلة في حرارتها حيث نجد الاعتدال في الخَلْق والخُلُق الناجم عن مزاج أهويتهم المعتدل.

وينقل ابن خلدون في هذا الشأن، أي تبعيّة اللون لمزاج الهواء قول ابن سينا في أرجوزته في الطب :

 

                 بالزنج حرٌّ غيّر الأجسادا      حتى كسا جلودها سوادا

                والصقلبُ اكتسبت البياضا        حتى غدت جلودها بِضاضا

 

ويذهب ابن خلدون أبعد من ذلك فيرى إمكان تعديل البيئة للصفات الوراثية بمرور الزمن في موضوع لون بشرة الإنسان، حيث يقول :

"قد نجد من السودان أهل الجنوب من يسكن الرابع المعتدل أو السابع المنحرف إلى البياض فتبيض ألوان أعقابهم على التدرج مع الأيام، وبالعكس فمن يسكن من أهل الشمال أو الرابع بالجنوب فتسود ألوان أعقابهم."

 

الإقليم والخُلق

لا يقتصر تأثير الإقليم في الإنسان المقيم به على لون البشرة، عند ابن خلدون، بل يتعداه إلى الطبع والخلق أيضاً، ومن ذلك غلبة الخفة والمرح والطيش على السودان، على سبيل المثال، وذلك لتأثير الحرارة في انتشار الروح الحيواني وتفشيه، بخلاف البرد الذي يؤدي إلى انقباضه وتكاثفه؛  يقول في ذلك :

"لما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحّر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من  الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم، فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشيا فتكون أسرع فرحاً وسروراَ وأكثر انبساطاً ويجيء الطيش على أثر هذه. وكذلك يلحق بهم قليلاً أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة"

ومن هؤلاء الأخيرين أهل فاس الواقعة في التلول الباردة من المغرب، الذين يصفهم ابن خلدون بقوله:

"كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في نظر العواقب حتى إن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يُرزا شيئاً من مدّخره."

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى تعليل المسعودي خفة السودان وطيشهم بأسباب وراثية، فيقول ابن خلدون في مناقشة ذلك:

"وقد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفّة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلامٌ لا محصل له ولا برهان فيه."

 

المناطق الخصبة والمناطق الجدباء

بالرغم من أن العمران البشري أكثر ازدهاراً وتنوعاً ورقياً في أقاليم الأرض المعتدلة منه في غيرها من الأقاليم، إلا أن هذا العمران يختلف أيضاً اختلافاً واضحاً في داخل المناطق المعتدلة نفسها بحسب حظ كل منها من الخصب والجدب؛ وتختلف طبيعة تأثير المناطق الخصبة والجديبة بحسب الغذاء الذي توفره البيئة في كل منها، ودرجة الرطوبة التي يشتمل عليها ذلك الغذاء.

يرى ابن خلدون أن سكان القفار البدو الذين يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان، ويفتقرون إلى الحبوب والأدم أحسن حالاً في جسومهم وأخلاقهم وأذهانهم من أهل التلول المنغمسين في العيش الرغيد، ويفسر ذلك بقوله: "والسبب في ذلك والله أعلم أن كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد إقطارها في غير نسبة ويتبع ذلك انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثره اللحم كما قلناه وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الرّديّة فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة."

ويستشهد ابن خلدون للدلالة على صحة رأيه بمقارنة البدو من عرب وبربر في مناطق شمال إفريقيا بغيرهم من الحضر، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة غير الإنسان من حيوانات في القفار بنظائرها في الأمصار، فيجدها متفوقة في الأولى على الأخيرة، كما هو حال المها أو البقرة الوحشية مع البقرة الأهلية، والحمار الوحشي مع الحمار الأهلي، والغزلان مع الماعز؛ ولعله في هذه المقارنة الأخيرة كان ينظر إلى المتنبي في مقارنة المرأة البدوية بالمرأة الحضرية في قوله:

                  أين المعيز من الآرام ناظرةً            وغير ناظرةٍ في الحسن والطيبِ

والآرام هي الغزلان . 

البيئة والسياسة

تتضح أهمية الدور السياسي للبيئة في فكر ابن خلدون في تصنيفه الجماعات البشرية إلى ثلاثة – أو أربعة – أقسام رئيسة هي :

1-    سكان البادية:  وهم يعيشون على الإبل التي يتنقلون بها بحثا عن العشب والكلأ.

2-    سكان المناطق الخصبة:  وهم يعيشون على ما تنتجه الأرض من حبوب وفواكه وغيرهما، وعلى تربية الحيوانات، وهذه الجماعة هي الأكثر معاناة للظلم والاستغلال.

3-    سكان المدن:  وهم يعيشون على التجارة والصناعة وعوائد الدولة؛ وهذه الجماعة هي الأكثر ترفها وترفا وفساداً.

والجماعة الأكثر تهيؤاً لتكوين الدول هي الجماعة الأولى، أي سكان البادية، ويعود ذلك إلى ما تشتمل عليه هذه الجماعة من زمر ذات تماسك داخلي قوي، أو عصبيّة، تستند إلى روابط الدم والنسب وما إليهما، فإذا أحسّت إحدى هذه العصبيات ضعفاً في حكم هذه المدينة/ العاصمة أو تلك انقضت عليها، واستولت على الحكم فيها وكونت دولة خاصة بها فيها وفيما حولها من قرى وبلدان.

بيد أن هذه الدولة الناشئة سرعان ما تتشرب روح الترف واللين التي تتصف بها المدينة، وتتسرب إليها عوامل الضعف من جراء توسعها المفرط والانشقاقات في الأسرة/ الأسر الحاكمة، وإسرافها في جباية الضرائب على حساب الأرياف، وغير ذلك من العوامل، التي تنتهي بها خلال أربعة أجيال (الجيل أربعون سنة) إلى الضعف، حيث تقوم عصبية جديدة من البادية بمهاجمتها والحلول محلها مكونة دولة جديدة، وهكذا دواليك.

هكذا تمضي دولة، وتأتي أخرى في دورة مستمرة، ولكنها تنطلق دائما من بيئة البادية الأكثر توحشا، وتنتهي دائماً ببيئة المدينة الأكثر تحضرا؛ وهي مقولة تصدق على الدول التي استقراها ابن خلدون في شمال إفريقيا، وفي التاريخ العربي، ولكنها تصدق أيضا في حالات أخرى كالرومان، والمغول، والأتراك، وغيرهم.

وصحيح أن الوضع قد اختلف منذ القرن الثامن عشر، وأدت التكنولوجيا إلى تغير جذري في حركة التاريخ، ولكن هذا لا يعني الانتقاض من أهمية البيئة ودورها في صناعة التاريخ، وإنما يعني الحاجة إلى دراسة جديدة مختلفة في العلاقة بينهما.

  للأعلىé

الأمن الغذائي الفلسطيني ما بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل

فلسطين التاريخية أرض اللبن والعسل

نادية البطمة

اللبن والعسل صنفان غذائيان أساسيان في حياة الإنسان؛ فهما يزودان الجسم بما يحتاجه من مواد لازمة وضرورية للبناء، وإمداده بالطاقة، ووقايته من الأمراض، وكلاهما حيواني المصدر.  وهذان المصدران يعتمدان في موادهما الأولية على النبات. فمرعى الحيوانات المنتجة للبن من الحشائش والحبوب والأعلاف.  أما مرعى النحل المنتج للعسل فهو الطيبات من رحيق الأزهار وحبوب اللقاح.

وأرض فلسطين تتصف بالطبيعة الخضراء والحياة البرية المليئة بالأصناف المتنوعة من الأعشاب والزهور البرية التي قد يصل تعداد أصنافها، كما ذكرت (جودريخ فرير في كتابها عام 1924)، إلى ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف صنف. ورغم صعر حجمها إلا أنها تتميز بتنوع بيئاتها المناخية، وفقا لتنوع تضاريسها وأراضيها من ساحلية وجبلية وغورية وشبه غورية وصحراوية وشبه صحراوية، وهذا يوفر تعدد مواسم جني العسل بأنواع مختلفة. 

ودلت الحفريات المكتشفة، على أن النحل قديم الوجود على الأرض، وكان يعيش في الشقوق وبين الصخور وفي جذوع الأشجار بريا، إلى أن اكتشف الإنسان عسل حشرة النحل فبدأ يتعامل معها ويبحث عن عسلها في الجبال والكهوف والأشجار الضخمة، حتى خطرت له فكرة استئناس وتدجين هذه الحشرة وترويضها وإسكانها في أماكن قريبة منه.  وتسمى النحلة بالحشرة الذهبية ،وهي التي يكمن سر عدم انقراضها لتواجدها في بيئة نظيفة وتتغذى على رحيق الأزهار وحبوب اللقاح غذاء متميزا.  وتعتبر طائفة النحل من أرقى الجماعات التي تعيش تحت نظام تعاوني متقدم "الفرد للجماعة والجماعة للفرد" حياة تعاونية اشتراكية منقطعة النظير.  لذا يضرب به المثل، ويشبه المجتمع المنظم والحي والمنتج والمتعاون "بخلية النحل"، كما تشبه المرأة النشيطة الفعالة والدؤوبة المثابرة على العمل بالنحلة.  فالنحلة مدرسة للنظافة والتضحية والمثابرة والطاعة والتعاون والنظام، وكما يقول المثل الشعبي "الكسل ما بطعم عسل".

حظي النحل بمكانة مميزة في الكتب السماوية حيث ورد ذكره في القرآن وسميت باسمه سورة كاملة هي "سورة النحل".  قال تعالى:-

"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم بتفكرون".  وتوضح لنا الآية الكريمة أن إقامة النحل بالجبال يأتي بالدرجة الأولى وكذا عسلها.  ثم بالشجر مرتبة ثانية، أما إقامتها بما يعرشه الانسان فيأتي بالدرجة الثالثة وكذلك عسلها.  وهذا يدلل على قيمة الحياة البرية التي سعى الإنسان إلى تدميرها على مر الزمن، وأصبح وجود النحل البري وعسله نادرا اليوم بسبب تدمير البيئة وتلوثها.

وفي فلسطين ربى الفلاح الفلسطيني النحل في مساكن من الفخار والطين اسمها الشعبي "قادوس"؛ ووضع هذه القواديس في أماكن قريبة من سكنه، وهم يعتقدون أن النحل يأنس بقربه من أصحابه كباقي الحيوانات الأليفة.  وتجمع هذه المساكن في موقع بعيد عن الأوساخ والقاذورات ومحمية من البرد والمطر الذي يذيب البيوت الطينية.  وتزود بحوض ماء نظيف من الصخر تطفو على وجهه عيدان نباتية حتى يسهل عليها الوقوف للشرب في أيام الصيف والحر.  ويفضل أن يكون هذا المنحل في بستان فيه أشجار كي "يطرد" إليها  الطرود الجديدة التي يتعهد بإسكانها في مسكن جديد؛ ومن طبيعة النحل أنه يرتبط بمكان إقامته.

ومن السلالات المحلية الموجودة في البلاد النحل البلدي، والنحل السوري الذي يعيش في سوريا وفلسطين ولبنان ومنه صنفان يسمى أحدهما النحل السياقي وهو نحل ضعيف الإنتاج وشرس الطباع وميال للتطريد.  أما الصنف الثاني فهو أكبر حجما من الصنف الأول ويسمى بنحل الغنامي وهو نحل هادئ الطباع، إنتاجه من العسل أكثر بقليل من الصنف الأول.  ومع الزمن وتطور تربية النحل أدخلت أنواع وسلالات أخرى  كالإيطالي وأنواع أخرى مهجنة.  كما دخلت الخلايا الحديثة الخشبية في عهد الانتداب للمدارس الزراعية أولا ثم انتشرت تدريجيا بعد عام 1967.

ومن مظاهر النحل السلوكية ما يشبه سلوك المجتمع والإنسان كظاهرة التعلق بالمكان والزمان، فهو يغدو ويروح من وإلى الخلية من مطلع الشمس حتى قبيل الغروب دون أن يخطئ، بتوجه غريزي، مستدلا عليها بعلاقات مكانية متميزة كالأشجار والنباتات والألوان وغيرها..

وظاهرة الدفاع عن المسكن موجودة لدى النحل، فهو معني بالدفاع عن خليته، بل الموت دونها، ويميز العاملات في طائفته برائحتها الخاصة.  وهناك ظواهر سلوكية أخرى غريبة عجيبة فسبحان الله أحسن الخالقين.

كان النحل في فلسطين التاريخية يربى بغرض الاكتفاء الذاتي وتوفير ما يحتاج إليه الناس من غذاء ودواء وكانت تربية النحل هواية أكثر منها مهنة يعتمد عليها.

 

أنواع العسل المنتج في الأراضي الفلسطينية:

ظل العسل بأنواعه المتعددة والمختلفة قرونا عديدة يعتبر قيمة عجيبة في منح الطبيعة، امتزجت فيها مزاياه كطعام ذي قيمة غذائية وعلاجية تعم فائدته على الأطفال والبالغين والمسنين والمرضى على السواء، وهناك أنواع عدة من العسل تتنوع وفقا للأصل الزهري والموقع الإقليمي والناحية التكنولوجية.

وفي فلسطين يتم إنتاج أنواع العسل التالية:

  - عسل الحمضيات وهو من أحسن الأنواع وله رائحة ممتازة وأكثر الأنواع شيوعا.

  -عسل المراعي والأعشاب البرية، وفيه كثير من الأصناف البرية والجبلية كالزحيف والزعتر والطيون والشومر وهناك عسل السدر وهو نوع مميز في طعمه ولونه العنبري.  أما الناحية التكنولوجية فالمقصود بها كيفية فرزه واستخلاصه باليد أو بالفرازة أو إذا كان عسلا بشمعه أو دونه.

وقبل أربع سنوات قام أحد مربي النخل بتجربة إنتاج عسل بشهده حين غرس مرطبانات زجاجية في داخل أربع خلايا فقام النحل ببناء أقراص الشمع ممتدا داخل المرطبان بطريقة غريبة، فنية وجميلة وذات لون ابيض نقي وشفاف وممتلئا بالعسل الصافي لذيذ الطعم.  والغريب أن المرطبانات الأربعة صيغت بنفس الشكل وفيها نفس الفراغات والمسارات ولها نفس الوزن، إلا انه غير موفق تجاريا حيث يرتفع سعره لأنه يأخذ منه وقتا وجهدا لبناء الشمع الطبيعي، ثم تعبئة الأقراص بالعسل الصافي، ويمكن أن ينتج أضعاف الكمية بالوضع العادي والدارج.  وقد تمت هذه التجربة في قرية رافات في رام الله والمنحل يقع أسفل جدار الفصل العنصري ويحلق في الأجواء غير آبه بكل الممنوعات.

 

النحل الفلسطيني يتحدى الصعاب:

إن واقع تربية النحل في الضفة الغربية وقطاع غزة يشير إلى أنه لا تقدم في هذا المجال بالمستوى المطلوب والكافي، رغم وجود ظروف تربية مناسبة جدا لمشاريع تربية النحل، كالمناخ وإمكانية الاستفادة من تنوع مناخ المناطق للتصييف والتشتية.  كما أن النحل حر الحركة يمكنه الوصول إلى مناطق محظورة (داخل المستوطنات والأراضي المصادرة والمعسكرات) ويمكنه الاستفادة منها كمراعي وتوفير العسل الممتاز ذي الخواص العلاجية.  لذا فإن العودة إلى فكرة تعميم تربية النحل على المستوى الأسري وفي كل بيت يوفر أمنا غذائيا وعلاجيا مستمرا وكافيا على غرار الحديقة المنزلية .

وتشير إحصائيات قاعدة المعلومات الزراعية إلى أن معدل استهلاك الفرد للعسل سنويا في منطقتنا حوالي 175 غم، ويعتبر هذا دون الحد الأدنى عالميا والذي يبلغ 500 غم؛ مما يبين أهمية تطوير هذا القطاع وزيادة الإنتاج ؛ حيث إن الإنتاج الحالي لا يغطي إلا 30% من نسبة الاستهلاك المحلي، وبسبب الفقر المدقع الذي يعيشه المجتمع فإن العسل يستهلك كدواء صعب المنال باهظ الثمن..إن دراسة مشاكل تربية النحل في المناطق المحتلة والبحث عن حلول لدعم قطاع إنتاج العسل ومنتجات النحل مفيدة يسهم مساهمة فعالة في توفير أمن غذائي للمجتمع ويخلق فرص عمل لفئات كثيرة تعاني من البطالة.  ثم إن وجود صناعات نحلية ذات تقنية عالية لتوفير مستلزمات النحل الضرورية يقلل من المصاريف العالية لاستيرادها ويمكن تصنيعها محليا، مثل ورش عمل متخصصة في إنتاج (البراويز) وشمع الأساس، وأدوات النحال والعاسلات...

وهنا تأتي أهمية الإرشاد الزراعي والمتخصص للمربيين وتأهيل نحالين جدد وتشجيعهم للعمل في الميدان ومساعدتهم،كما يمكن إنشاء تعاونيات فاعلة.

ومن الضروري أيضا نشر الوعي وتعليم الطلاب في الثانويات الريفية كيفية تربية ورعاية النحل، حتى تصبح هواية ومتعة يستطيع كل شاب أو شابة أن يربي النحل في محيط المنزل بقصد توفير العسل للاستهلال المنزلي والاكتفاء الذاتي ولتوفير لأمن الغذائي.

ولا بد من حل مشاكل التسويق، ومراقبة جودة المنتج، وضبط الأسعار، وحماية الإنتاج المحلي بعدم استيراد العسل أو السماح للعسل الإسرائيلي بمنافسة الإنتاج المحلي.

لذا، من الأهمية بمكان التركيز على نحل البلاد الذي يمتاز بمقدرته الكبيرة على مقاومة الأمراض والتأقلم والعمل في أقسى الظروف؛ مما يسهل عملية تحسين هذه السلالات وراثيا وتعزيز مقاومتها للأمراض والآفات، والحد من انتشارها والتركيز على البرامج الوقائية قبل العلاجية.

إن مشاريع تربية النحل أحد أربح المجالات الزراعية وتتصف بقلة التكاليف مع ضخامة المردود.  وبالإمكان تطوير مشاريع النحل في فلسطين لتزدهر وتحقق أرباحا عالية لأن النحل في فلسطين يعمل ثمانية أشهر في السنة، بعكس الدول الأخرى التي لا يعمل فيها النحل سوى شهرين في السنة.

ويجري الآن في بعض المناطق تدريب النساء على تربية النحل، وهذا أمل جديد في فتح آفاق جديدة والترويج لمنتج اقتصادي وعلاجي وغذائي بامتياز، له مردود خير على المستوى الأسري والوطني والصحي والاجتماعي.

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.