كانون أول 2008 العدد (9)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

December 2008 No (9)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

منبر البيئة والتنمية:


 

 

 

الفقر الغذائي العربي وأوهام التنمية

جورج كرزم

 

في ظل "عولمة" النهب المنظم والمكشوف، لا تشكل الدول العربية بالنسبة للمؤسسات المالية والاقتصادية "العالمية" والدول الغربية "المانحة" سوى حلقة صغيرة جدا من حلقات ما يسمى "العولمة" التي تقرر من يجوع ومن يأكل.

وهنا لا بد من التأكيد على أن تجزئة الوطن العربي التي فرضت بالقوة لا يمكنها أن تستمر في الحياة إلا بالقوة العسكرية الغربية التي تعيق وحدة الأمة العربية والوطن العربي.  وتتجسد خطورة التجزئة العربية ودورها في تشويه وتشتيت الثروات والاقتصاديات العربية في حقيقة أن نسبة استثمار الأموال العربية داخل الوطن العربي لا تزيد عن 2.5% من إجمالي الاستثمارات العربية خارج الوطن العربي، علما بأن دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، الإمارات،الكويت، عمان، قطر والبحرين) تملك أصولا في الخارج بقيمة 1800 مليار دولار (في نهاية عام 2007) ويتوقع أن يتجاوز الرقم ألفي مليار دولار في نهاية هذا العام.  كما أن هذه الدول نفسها باعت نفطا بقيمة ألفي مليار دولار في الفترة بين 2002 – 2007.  وفي المقابل، فإن التجارة البينية العربية لا تتجاوز حاليا 8% من مجمل التجارة العربية الخارجية، بينما تستورد الدول العربية نحو 92% من احتياجاتها من العالم الخارجي.  فالوطن العربي يستورد معظم احتياجاته الغذائية، حيث يستورد، على سبيل المثال لا الحصر، أكثر من 50% من الحبوب ونحو 66% من الزيوت.

كما تعمقت تبعية  الأنظمة العربية الأمنية والمتمثلة في استيراد غالبية الأنظمة لأمنها من أميركا بشكل خاص.

ويشير هذا الواقع إلى أنه لا يمكن أن يكون ثمة تنمية زراعية واقتصادية وصناعية وبيئية فعالة وناجحة ونوعية في أي قطر عربي، بما يؤدي الى رفع مستوى معيشة الجماهير العربية ورفاهيتها، ما دامت التنمية تتقوقع في الإطار الإقليمي الضيق أو في إطار التبعية للغرب الاستعماري. 

لقد فرض الغرب الاستعماري تجزئة الوطن العربي على أساس دويلات لا تملك كل منها، على حدة، مقومات الوجود الذاتي المستقل، حيث ركز الثروات العربية الضخمة في الأقطار قليلة السكان، واصطنع أقطارا ضخمة الثروات والمساحة وقليلة السكان، وترك أقطارا أخرى كثيرة السكان بموارد بيئية شحيحة ومحدودة، أو شحيحة السكان والثروات معا.

وبالرغم من شراء العديد من الأنظمة العربية لوصفات البنك وصندوق النقد الدوليين المتعلقة بما يسمى "التصحيح الهيكلي" و"الخصخصة" و"السوق الحرة"، وبالتالي تراجع القطاع العام والتخطيط، فإن ما تروج له هذه الأنظمة من مقولات المؤسسات المالية الدولية بأن هذه الوصفات والمشاريع ستأتي على العرب بالازدهار الاقتصادي، ليس أنها لم تتحقق فحسب ، بل إن هناك تدهورا مستمرا في قدرة معظم الأقطار العربية على توفير الغذاء لشعوبها استنادا الى الموارد المحلية، وبالتالي زيادة التبعية للغذاء المستورد.  كما تفاقمت الفجوة الاقتصادية - الاجتماعية بين الأقلية التي تتمتع بالمداخيل والثروات الهائلة والتي يعد معظمها طفيليا وغير منتج، وبين الأغلبية الساحقة التي تعاني من الفقر المادي والغذائي، ناهيك عن استفحال البطالة والزيادة الكبيرة في قوة العمل العربية المهاجرة إلى خارج أوطانها دون الحديث عن تفاقم الفساد والزيادة الكبيرة في نسبة الإنفاق على استيراد السلع الاستهلاكية الترفيهية والكمالية من إجمالي الإنفاق العربي، وبالتالي تعميق عملية تلويث وتشويه وتدمير البيئة العربية.

وبالرغم من انفتاح معظم الأسواق العربية أمام الاحتكارات والشركات الأجنبية، إلا أن استثمارات الأخيرة في البلاد العربية ظلت شبه معدومة (لم تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات)، بينما ارتفعت قيمة الديون العربية الخارجية بنسبة ضخمة، خلال فترة قصيرة، فبلغت مئات مليارات الدولارات في الوقت الذي تقدر فيه الاستثمارات الخليجية العامة والخاصة في الخارج بـِ 2500 مليار دولار.  ويقدر خبراء المال بأن الاستثمارات الخليجية في الخارج قد خسرت فعليا مئات مليارات الدولارات، وذلك منذ الانهيارات المالية – الاقتصادية العالمية وحتى الآن.  كما خسرت الأسواق المالية الخليجية، في أوائل أكتوبر الماضي، نحو 200 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أيام قليلة.  

والنتيجة الواضحة، أن سياسات "السوق الحرة" و"الانفتاح" الاقتصادي على الغرب و"التصحيح الهيكلي" تميزت بتبذير أكبر في الموارد النادرة وغير المتجددة، وتعظيم أضخم للمديونية الخارجية وتعميق أشد للفجوات الاجتماعية-الاقتصادية، قياسا مع المرحلة الوطنية في الخمسينيات والستينيات، أو قياسا مع الخيارات الأخرى.  ناهيك عن ترسيخ ثقافة السوق التي تطمس الاعتبارات الوطنية والإنسانية والبيئية والثقافية لدى استيراد أو إنتاج السلع، وتتمثل الاعتبارات الوحيدة لهذه الثقافة في السعر والربح والنوع والجودة. 

بل، وتنفيذا لمتطلبات "الخصخصة" التي تعد من أهم ركائز "السوق الحرة"، فقد سنت بعض الأنظمة قوانين جديدة تبرر عملية إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء، كما حدث في أواخر التسعينيات في مصر، حيث ألغت الحكومة من "قانون المستأجر والملاك"، البند الذي كان يضمن حماية مستأجر الأرض (الفلاح المصري) من تحكم الملاكين والإقطاعيين الذين منعهم القانون السابق (الذي سنه النظام الناصري) من رفع إيجار الأرض أو طرد الفلاح منها.  وبالنتيجة أعيدت للإقطاعيين القدامى "حرية" استبداد ملايين الفلاحين المصريين الفقراء الذين حرموا من مصدر رزقهم الوحيد، الأمر الذي أشعل، في الريف المصري، مواجهات عنيفة بين الفلاحين، من جهة، والملاكين وقوات الأمن، من جهة أخرى.  وبسبب تبني النظام المصري لسياسات "السوق الحرة"، وبالتالي انسحابه من تقديم الدعم والخدمات والإرشاد الزراعي للفلاحين، فقد ازدهرت عمليات النصب على المزارعين التي امتهنتها العديد من شركات التسويق والتصدير الخاصة.

وبالرغم من أن معظم الأقطار العربية ظلت مكتفية غذائيا حتى بداية السبعينيات، وكان بعضها في الخمسينيات والستينيات يصدر الحبوب والقمح مثل مصر والسودان، إلا أنها أصبحت حاليا من أكبر مستوردي المنتجات الغذائية في "العالم الثالث"، علما بأن الزراعة في العديد من الدول العربية تستوعب أكثر من نصف قوة العمل، وفي بعض الأحيان قد تصل النسبة إلى 70%، إلا أن مساهمة الزراعة في إجمالي الناتج المحلي العربي لا تزيد عن 20% في أحسن الحالات، ناهيك عن وجود مساحات شاسعة من الأراضي العربية الصالحة للزراعة غير مستغلة (نحو 910 مليون دونم)، أي أكثر من 68% من إجمالي المساحات الصالحة للزراعة في الوطن العربي والتي تقدر بنحو 1330 مليون دونم، وهذا يعني أن المساحات المزروعة تبلغ حوالي 420 مليون دونم (أقل من 32% من إجمالي المساحات الصالحة للزراعة). كما تهاوى الوطن العربي، منذ أواخر الثمانينيات، إلى فجوة غذائية قدرت بعشرات مليارات الدولارات، هي عبارة عن الفارق بين إجمالي الاستيراد من الدول الأجنبية والصادرات العربية.  ويكمن السبب المباشر لأزمة الغذاء العربي في كون الزيادة بمعدل الطلب على المنتجات الزراعية أعلى من نسبة نمو الإنتاج الزراعي السنوي، بفارق نحو 4% سنويا لصالح الزيادة بمعدل الطلب.

 

استنتاجات وتوصيات

أولا:  إن تجاوز الصورة الاقتصادية - التنموية القاتمة أمر ممكن إذا تم التركيز على الإنتاج الزراعي بهدف تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية للشعوب العربية، وذلك عبر خطط زراعية عربية تكاملية تستغل المناخ المعتدل في العديد من الأقطار العربية والمساحات الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وغير المستغلة والمياه.   

ثانيا:  إن البديل التنموي-الاقتصادي العربي يتمثل في التطوير الفعلي للقدرات الاقتصادية والبيئية الذاتية، وبخاصة في مجال إنتاج الغذاء لتحقيق الاعتماد على الذات غذائيا، وبالتالي الاستقلال الاقتصادي الذي يشكل الشرط الأساسي والضروري للاستقلال السياسي الحقيقي.  كما أن تنفيذ اتفاقية "منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى" التي أعلن عنها في حينه، والتي لا معنى لها إن لم تؤد إلى زيادة كبيرة في نسبة التجارة البينية العربية، يمكن أن يشكل بداية جدية، وإن تكن متواضعة، نحو تحقيق السوق العربية المشتركة والمشاريع التنموية والبيئية العربية المشتركة والتكاملية، وفي النتيجة، الاتحاد الاقتصادي العربي.  لذا، لا بد من ربط التجارة بعملية التنمية، ورفع معدلات وفاعلية الاستثمار في الأقطار العربية، كي يصبح بالإمكان زيادة معدلات التنمية لامتصاص البطالة وخفض معدلاتها.  وهذا يتطلب شن حملات جماهيرية ضد الفساد، وممارسة ضغوط شعبية لتعميم الديمقراطية، ولإحداث تغيير نوعي في الإدارة والأداء الحكوميين، فضلا عن تعميق الثقافة العربية الوحدوية.

للأعلىé

المنطقة تتأثر كثيراً بالتقلبات المناخية... ولكنها لا تؤثر في المفاوضات حولها!

حبيب معلوف / لبنان

 

أظهرت أوراق ومداخلات المؤتمر الإقليمي الذي عقد في عمان ـ الأردن بين ٢١ و ٢٢ الجاري تحت عنوان "سياسات التغير المناخي في الشرق الأوسط العربي" أن المنطقة العربية لم تحضر نفسها بعد لا لدراسة انعكاسات تغير المناخ على قطاعاتها كافة، ولا سيما الانتاجية منها، ولا مقدار مساهمة أنشطتها وسياساتها في هذا التغير. كما أظهرت ضعف التحضير للمشاركة في المفاوضات الدولية، التي كانت تعقد لهذه الغاية على المستوى الرسمي، ولا سيما للمؤتمر الرابع عشر للأطراف الموقعة على اتفاقية تغير المناخ، وهي الجلسة الرابعة للأطراف الموقعة على بروتوكول كيوتو الذي سوف يعقد في بوزنان ببولندا بين ١ ـ١٢ كانون الأول، ٢٠٠٨  لوضع إطار آخر لاتفاقية كيوتو٢٠١٢.  كما اظهرت غياب ممثلي المجتمع المدني عن الموضوع، بشكل كبير.  وقد حاول مؤتمر عمان، وقبله اجتماع بيروت لمجموعة من الناشطين من بعض الجمعيات العربية، ان يطلق حملة أهلية مدنية لطرح ومواكبة الموضوع، تماهيا مع حملة دولية، ولكن تحت عنوان، بدا غير مدروس بكفاية، هو إشراك الدول النفطية في تحمل المسؤوليات أيضا أسوة بالبلدان المتقدمة صناعيا والأكثر استهلاكا وتسببا بزيادات الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري والتغير المناخي العالمي. وقد بدت الجمعيات المشاركة في الحملة متحسسة لقضية التغير المناخي ومتحمسة للمشاركة، بشكل او بآخر بالمفاوضات، أكثر مما هي متعقلة بأبعاد هذه القضية الفلسفية والسياسية والاقتصادية... حتى بدت حملة مع "الموجة"، أكثر مما هي حملة ضد الموجة.
كما لم تتطرق الأوراق التي عرضت بشكل واف إلى تاريخية المشكلة والصراع حولها، ولا سيما لتاريخ التقارير العلمية التي كانت تؤكد حصول التغيرات المناخية، والتقارير المعاكسة التي كانت تعتبر أن الحديث عن تغيرات دراماتيكية أمر مبالغ به، وأنه قد مر على كوكب الارض مراحل مشابهة، حصلت فيها تغيرات وانقرضت أنواع عديدة. كما لم يتم تناول تاريخية المفاوضات العالمية حول تغير المناخ، مع تحليل وقراءة لخلفيات الأطراف المشاركة، ولا سيما البلدان الصناعية المتقدمة، ومدى تضارب أو توافق مصالح الدول حول الموضوع، ولا سيما عندما يطلب منها التخفيف من الانبعاثات عن طريق إعادة النظر بالكثير من النظم الصناعية والاقتصادية، والتغيير في أنماط السلوك وطرق الحياة. كما لم يتم التطرق إلى أسباب الضعف العربي في التفاوض، أو في بلورة موقف مشترك من هذه القضية العالمية الخطيرة، ولا إلى مدى تأثير تلك التفاوتات بين بلدان نفطية وأخرى غير نفطية... وهو أمر شائك بالطبع، وقد يفرق أكثر مما يجمع.

طغى على أعمال المؤتمر ومناقشاته التي شارك فيها ما يقارب ٥٠ مختصا وناشطا عربيا، ولا سيما من الأردن وفلسطين والعراق ولبنان، والذي استضافته ونظمته جامعة الامم المتحدة في الاردن بالتعاون مع مؤسسة هنريخ بل، قضية أثر الحروب والاحتلالات في المنطقة على تغير المناخ، ولا سيما في فلسطين والعراق ولبنان، وقدمت أوراق أظهرت مدى ضخامة وجسامة التدمير الاسرائيلي للمساحات الخضراء واقتلاع أشجار الزيتون في فلسطين، والسحب الضخم للمياه... وحجم التدمير في أشجار النخيل في العراق وتلوث المياه.

كما تناول المؤتمر قضايا جديدة نسبيا، منها تأثير الثورة المعلوماتية والإنترنت على تغير المناخ. كما طرحت قضايا الأمن الغذائي والطاقات المتجددة ودور المجتمع المدني والحكومات... إلخ. 

لقد بدا العالم في الفترة الاخيرة، ولا سيما في أثناء وبعد اجتماع بالي الاخير في أيار الماضي، أنه شبه مجمع على أن قضية التغير المناخي هي من أحد أكبر التحديات البيئية التي يواجهها العالم اليوم. فارتفاع درجات الحرارة الكونية سوف يأتي بتغيرات على كل شيء تقريبا، من حالات الطقس، إلى ذوبان الجليد القطبي وتوقع ارتفاع مستويات سطح البحار، ويزيد من حدوث وزخامة الظروف المناخية إلى حصول فيضانات وأعاصير وتغيرات لا يعرف مداها في كل شيء. 

ولا تعتبر منطقة الشرق الاوسط بمنأى عن انعكاسات هذه التغيرات السلبية، لا بل قد تحدث مشاكل خطيرة لسكان هذه المناطق الأكثر عرضة لهذا التغير والأقل قدرة على التكيف معها في آن؛ إذ يشير تقرير الرصد الكوني للبنك الدولي (٢٠٠٨) إلى أن مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد زادت من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتواجه تدنيا في الموارد المائية، وأن التغير المناخي قد يتسبب بخسائر زراعية في بعض أجزاء المنطقة، بسبب زيادة حدوث الجفاف وطول مدته. تواجه المنطقة ندرة في الموارد المائية حيث تدنت مستويات موارد المياه العذبة الداخلية إلى األ من ٢٠٠٠ متر مكعب للفرد، ومن المتوقع أن تنخفض إلى أقل من ٥٠٠ متر مكعب للفرد بحلول العام٢٠٥٠.  كما ترتفع معدلات سحب الماء العذب عن مستوى الموارد المتوفرة. وقد وصل السحب من المياه الجوفية في الكثير من الأحوال إلى مستويات تتخطى مستوى إعادة التعبئة، وبخاصة في الدول التي تعتمد بكثرة على المياه الجوفية. فضلا عن ذلك، فإن تلك الموارد المائية النادرة تواجه خطرا متزايدا بفعل التلوث الذي قد يزيد من معدلات الوفيات بسبب الإسهال. وقد تفضي تلك الآثار المتراكمة للتغير المناخي إلى ارتفاع الوفيات الناجمة عن أمراض كالملاريا وسوء التغذية. كما أن المنطقة عرضة لتبعات ارتفاع منسوب البحر بفعل التسخين الكوني. ومع ارتفاع منسوب البحر بمتر واحد، ودون تبني إجراءات فعالة، فإن التجمعات الساحلية تواجه مخاطر وخيمة.

وفي المناطق الريفية في الشرق الأوسط، يفتقر أكثر من ٣٨٪ من السكان للكهرباء وقد يعتمدون على الوقود الحيوي. ولكن الوقود الحيوي محدود وله آثار على الصحة بسبب تلوث الهواء الداخلي. وفي وقت تبدو حصة المنطقة من الموارد الطبيعية مرتفعة حيث تصل إلى ١٢ ألف دولار لكل نسمة، إلا ان ذلك يأتي أساسا من النفط. مع ذلك، يظل عدد من دول المنطقة على مسار غير مستدام حيث يستهلكون الأرباح على استغلال الموارد الطبيعية بدلا من استثمارها لضمان الاستدامة الاقتصادية على المدى البعيد. ورغم تدني مستويات التصنيع في العالم العربي وانخفاض التعداد السكاني مقارنة بالكثير من الدول النامية، إلا أن معدل إنتاج الغازات الحرارية لكل نسمة (وبخاصة ثاني أكسيد الكربون) مرتفع ويضاهي تقريبا معدلاته في الاتحاد الأوربي. وهذا مرده إلى إنتاج الطاقة الأحفورية في دول التعاون الخليجي. وتضع تلك الحقائق ضغوطا أخلاقية واقتصادية على المنطقة لتبدأ بتقليل معدلات انبعاث الغازات الحرارية لكل نسمة.

وإذ يأمل البعض بأن العملية التي تبعت مؤتمر بالي حول التغير المناخي سوف تضع لأول مرة التزامات على الدول النامية لتـقلل من تلك الانبعاثات، ومنها دول التعاون الخليجي وغيــرها من منتجي النفط في المنطقة، أو أن تشترط على الدول النامية على الأقل اتخاذ التدابير القابلة للقياس والتي يمكن التحقق منها وتتبعها... يرى البعض الآخر، أن هذا الهدف ـ المطلب، هو المطلب - الحجة الاميركية منذ توقيع الاتفاق الإطاري لتغير المناخ في قمة الأرض التي عقدت في ريو عام١٩٩٢ والتي استفادت منها الولايات المتحدة الاميركية لتبرير عدم التزامها ببروتوكول كيوتو، تحت عنوان "المساواة في تحمل المسؤولية وفي اتخاذ الاجراءات للتخفيف من الانبعاثات!".  كيف تصرف العرب؟ تجاوبا مع الضغوط لضــرورة القيام بشيء تجاه التغير المناخي، أو على الأصح، تجاه المفاوضات العالمية حول الموضوع، وضع الموضوع على جدول أعمال الجلسة التاسعة عشرة للوزراء العرب المسؤولين عن الشؤون البيئية والمنعقدة في مقر الجامعة العربية في القاهرة في كانــون الأول ٢٠٠٧ وتم توقيع اتفاقية بين كافة الدول العربية، تنــص وللــمرة الأولى على إدماج سياسات تعالج قضــايا التغير المناخي في كافة القطاعات ضمن السياسـات الوطنــية والإقليمية للتنمية المستدامة.  وأشار التصريح أيضا إلى الحاجة لإنتاج واستخدام أنواع أنظف من الوقــود، ورفــع كفـاءة استخدام الطاقة في كافة القطاعــات، مع التوسع في استخدام تقنيات إنتاج أنظف وتكنولوجيا صديقة أكثر للبيئة. وهــناك خيار آخر حدده التصريح حيث وسع استــخدام الحوافزالاقتصادية لتشجيع المنتجات الأكثر كفاءة.

 

المياه العربية

 نظمت الجلسة الاولى الجمــعية الملكية لحماية البحار في الأردن والــتي ناقشــت وضع السكان الفقراء المتواجدين بأعداد كبيرة في البلاد العربية، باعتــبارهم الأكثر عـرضة للخطر. بالاضافة إلى العوامل التي تؤثر على احتمال نشوء نزاعات على المياه ونزاعات مرتبطة بالمناخ، من تزايد ندرة الموارد المائية، إلى قضايا الاتفاقيات المتعلقة بالمياه بين الدول؛ ووجود عوامل زعزعة اقتصادية وسياسية مثل البطالة ومعدلات الهجرة العالية؛ ومدى النمو السياسي والاقتصادي في البلد؛ وقدرة دولة أو منطقة أو مؤسسة معينة على التخفيف أو التكيف مع التغير المناخي؛ والعلاقات السياسية بين الدول.  كما نظم مكتب مؤسسة هينريش بول في بيروت جلسة حول التغير المناخي أاثره على الصراعات في المنطقة، ألقت الضوء على تأثير التغير المناخي في الشرق الأوسط العربي على الوضع غير المستقر سياســيا في المنــطقة مما يضر بموارد المياه الضئيلة أصلا، كما يمكن أن يحدث تهديدا مضاعفا لاستنفاد الموارد المائية النادرة وتصاعد التوتر حول الماء بين الدول التي تشترك بمواردها الهيدرولوجية (المائية)، وفي الجغرافيا والتي بينها حدود سياسية مشتركة.

 

الأمن الغذائي

 كما نظمت "الجمعية العربية لحماية الطبيعة" جلسة ركزت على غياب الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط، مع تراجع في نوعية الأرض، وندرة المياه، وأمراض حيوانية وفواتير باهظة لاستيراد الأغذية. متوقعة أن يأتي التغير المناخي بآثار سلبية على قطاع الزراعة. إلا أن مداخلات المتحدثين لم تشر إلى دراسات وسيناريوهات حول الآثار المحتملة، باستثناء الإشارة إلى تقرير عرض في اجتماع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في الشرق الأدنى الذي عقد في القاهرة في آذار ٢٠٠٨، الذي أشار إلى إمكانية عدم استدامة زراعة المحاصيل في بعض المناطق نتيجة لتفاعلات معقدة لعوامل عديدة.  فقد قيل إن إنتاج الذرة في شمال أفريقيا، على سبيل المثال، قد يتراجع بنسبة ١٥ ـ ٢٥ بالمئة مع ارتفاع درجة الحرارة بمقدار ٣ درجات مئوية. إلا أن هذا المحور لم يتناول قضية البيوفيول، أي الزراعات لبعض المحاصيل من أجل إنتاج الطاقة، والتي اقترحت كأحد الحلول للحد من الانبعاثات، والتي انعكست زيادة في أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية وإلى أزمة غذاء عميقة.

 

الطاقة المتجددة

 كما نظمت جامعة الأمم المتحدة جلسة خاصة عن إمكانيات الطاقة المتجددة في المنطقة العربية، التي بينت أن المنطقة لا تزال تعتمد بنسبة عالية على الطاقة الاحفورية تقارب ٩٧٪ . وقدمت بعض الأبحاث التي بينت أنه يتم إنتاج نحو ١٣ بالمئة من الطاقة الأولية في العالم من طاقة متجددة (بالرغم تشكيك البعض بتضخيم هذا الرقم)، معظمها من الطاقة الحيوية التقليدية مثل حرق الأخشاب. وتأتي الطاقة المائية في المقام الثاني كطاقة متجددة توفر نحو ٢ الى ٣ بالمئة، بينما تليها التكنولوجيات الحديثة مثل الطاقة الجيو ـ حرارية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية والبحرية التي تنتج مجتمعة أقل من ١٪ من الطلب العالمي على الطاقة.  كما بينت الدراسات أن الإمكانيات التقنية لاستخدام تلك الأنواع من الطاقة شاسعة وتتخطى كافة المصادر المتاحة والجاهزة للاستخدام. كما تم الرد على الانتقادات المتعلقة بالاعتماد على تكنولوجيات الطاقة المتجددة كونها غير جذابة، وقد بينت المرحلة الأخيرة أن هناك تزايدا في الطلب عليها، مع ارتفاع أسعار النفط. وفي حين لا توجد مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة، إلا أن التكنولوجيات المتجددة مناسبة لبعض التطبيقات الصغيرة غير المتصلة بالشبكات، أحيانا في المناطق الريفية والبعيدة، حيث الطاقة غالبا حيوية للتنمية البشرية.

لم تتعمق مداخلات المؤتمر في رصد مدى تقدم التشريعات الخاصة بالطاقة المتجددة في الوطن العربي، ولا بالنسبة إلى الإجراءات المتخذة لإعطاء الحوافز وإمكانية تسويق تلك الطاقة... في وقت توصل فيه قادة الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مبدئي في آذار ٢٠٠٧ يقضي بضرورة إنتاج ٢٠ بالمئة من موارد الطاقة في الاتحاد من مصادر متجددة بحلول ،٢٠٢٠ كجزء من توجه الاتحاد نحو تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الملوم جزئيا بإحداث التسخين الكوني. إلا أن المؤتمر ركز على الإمكانيات الكبيرة للطاقة الشمسية المتوفرة بكثرة في الوطن العربي، مع الإشارة إلى أن أوروبا تحاول أن تستفيد من بعض المشاريع لنقل الطاقة الشمسية من الجزائر. وقد أجمع المؤتمرون على أن المشكلة هي في السياسات المتبعة والتي يفترض أن تتغير.

 

مؤتمر بوزنان(بولندا)

تناولت الجلسة الاخيرة التي نظمها اتحاد النشطاء المستقلين (لبنان) كيفية التحضير للمشاركة في المؤتمر الذي سيعقد في بوزنان ببولندا ما بين ١ ـ ١٢ كانون الأول ٢٠٠٨، وهو المؤتمر الرابع عشر للأطراف الموقعة على اتفاقية المناخ (كوب ١٤). ويعتبر هذا المؤتمر بمثابة الجلسة الرابعة للأطراف الموقعة على بروتوكول كيوتو (كوب ١٤/ موب ٤). وناقش المتحدثون مساهمة المنطقة العربية في المؤتمر ودور المجتمع المدني العربي في تشكيل السياسات الختامية لحكوماته. عرضت في الورشة قصة البدء في بناء مدينة خالية من الكربون والنفايات في أبو ظبي. كما لاجتماع وزراء منظمة مصدري النفط (الأوبك) في الرياض، حيث قررت أربع من دول الخليج العربي تكريس ٧٥٠ مليون دولار لصندوق أبحاث خاص بالتغير المناخي. يسعى الصندوق إلى دعم التكنولوجيا النفطية الأنظف والأكثر كفاءة لحماية البيئة المحلية والإقليمية والعالمية، وتشجيع تطوير تكنولوجيات مثل تجميع الكربون وتخزينه.

في الوقت ذاته، تعكف بعض الشركات الكبرى في المنطقة على تطوير وتنفيذ خياراتها الخاصة بالمسؤولية البيئية والاجتماعية في الحد من انبعاثات الغازات الحرارية والتحول نحو مصادر طاقة بديلة.  وبينت النقاشات حالة التخبط في الرأي في الوطن العربي حول الموضوع، وأن معظم المفاوضين العرب وصناع السياسة المناخية في العالم العربي غير متحدين بشأن خيار السياسة حول عدد من القضايا التي تمت مناقشتها خلال العملية. ولكن ظهر اتفاق على عدة مواضيع مهمة مثل تجميع وتخزين الكربون، وزيادة التزامات الدول، والالتزامات على المدى البعيد، ضمن مواضيع أخرى وذلك خلال عملية المفاوضات الحالية التي تستمر منذ عامين.

وقد تم التنبيه الى ضرورة أن لا تصب حملة المجتمع المدني العربي (مع التحفظ على التسمية في المضمون) التي تنطلق من عنوان ضرورة التزام البلدان العربية المنتجة والمصدرة للنفط بالاتفاقيات أسوة بالبلدان الغنية والصناعية، وهو مطلب الإدارة الأميركية وحجتها المزمنة للتهرب من الالتزام باتفاقية كيوتو! على أن تصاغ المطالب حول ضرورة صرف جزء مهم من عائدات النفط، لتطوير البحث العلمي العربي للاستفادة من الطاقات المتجددة في المنطقة، ولا سيما الشمس، ووضع التشريعات والقوانين لدعم التكنولوجيا الملائمة، لإنتاجها في الوطن العربي، كخطة استراتيجية للمستقبل، وإعادة النظر بنموذج التنمية غير المحدودة والزائفة المتبعة في الوطن العربي، والتي تتطلب طاقة هائلة، لا يمكن تلبيتها إلا باللجوء إلى الطاقة النووية، وهو ما تطمح إليه الدول والشركات الغربية الكبرى المسوقة لأفكار التنمية والطاقات الكبرى البديلة.

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.