البيئة عند حي بن يقظان فلسطين التاريخية أرض اللبن والعسل من تراث فلسطين البيئي
 

تشرين أول 2008 العدد (7)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

October 2008 No (7)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

تراثيات بيئية:


 

 

البيئة عند حي بن يقظان

 

علي خليل حمد

 

تروي قصة حي بن يقظان، للفيلسوف العربي الأندلسي ابن طفيل، سيرة حياة طفل ألقي به بُعيد ولادته في جزيرة خالية من الناس، ليحيا فيها سائر عمره، متكيّفا مع بيئته الفريدة، مكتشفا فيها بمفرده كثيراً من حقائق الكون والحياة التي كانت تتناقلها الأجيال في البيئات الأخرى.

وابن طفيل هو أستاذ الفيلسوف العربي التنويري ابن رشد الذي كان له دور بالغ الأهمية في النهضة الأوروبية.

قصة حي بن يقظان قصة مثيرة بما فيها من خيال وفكر؛ ولعلّ واضعها، الفيلسوف ابن طفيل، أراد بها توضيح مقولة إن بوسع الإنسان التوّصل بنفسه من خلال العقل إلى الحقيقة، مثلما توصّل بالدين من خلال النقل إلى الحقيقة.

وفي كتاب حي بن يقظان نصوص جميلة تبيّن مدى اهتمام الفيلسوف ابن طفيل بالبيئة واحترامه لها، ومن هذه النصوص النّصان الآتيان اللذان يتحدث أولهما عن طبيعة غذاء حي بن يقظان، ويتحدث الآخر عن طريقته الخاصة في التعامل مع البيئة.

 

-1-

الغذاء وحفظ التنوع الحيوي

نظر (حي بن يقظان) أولاً في أجناس ما به يتغذى، فرآها ثلاثة أضرب:

1-    إما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه، وهي أصناف البقول الرطبة التي يمكن الاغتذاء بها.

2-    وإما ثمرات النبات الذي تمّ وتناهى وأخرج بذره ليتكون منه آخر من نوعه حفظاً له، وهي أصناف الفواكه رطبها ويابسها.

3-    وإما حيوان من الحيوانات التي يتغذى بها: إما البريّة وإما البحرية.

 

رأى أن يأخذ من هذه الأجناس إذا عدمت ( لم تتوافر جميعها) أيها تيسّر له، بالقدر الذي يتبيّن (سنبيّنه) له بعد هذا. فأما إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذٍ أن يتثبت ويتخيّر منها ما لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل الفاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها من البزر لتوليد المِثل على شرط التحفظ بذلك البزر، بأن لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات، مثل الصفاة (الصخرة الملساء) والسّبخة ونحوهما. فإن تعذر عليه وجود مثل هذه الثمرات ذات الطعم الغاذي، كالتفاح والكمثرى والإجاص ونحوها، كان له عند ذلك أن يأكل إما من الثمرات التي لا يغذو منها إلا نفس البزر، كالجوز والقسطل (الكستناء)، وإما من البقول التي لم تصل بعدُ حدّ كمالها. والشّرط عليه في هذين أن يقصد أكثرها وجوداً وأقواها توليداً، وأن لا يستأصل أصولها ولا يغني بزرها.فإن عدم هذه، فله أن يأخذ من الحيوان أو من بيضه، والشرط عليه في الحيوان أن يأخذ من أكثره وجوداً، ولا يستأصل  منه نوعاً بأسره.

هذا ما رآه في جنس ما يتغذى به.

وأما المقدار فرأى أن يكون بحسب ما يسدّ خلة الجوع ولا يزيد عليها.

وأما الزمان الذي بين كل عودتين، فرأى أنه إذا أخذ حاجته من الغذاء، أن يقيم عليه ولا يتعرض لسواه، حتى يلحقه ضعف يقطع به عن بعض الأعمال التي تجب عليه...

-2-

احترام البيئة

ألزم (حي بن يقظان) نفسه أن لا يرى ذا حاجة أو عاهة أو مضرة، أو ذا عائق من الحيوان أو النبات، وهو يقدر على إزالتها عنه إلّا ويزيلها.

فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك الحاجب إن كان ممّا يُزال، وفصل بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضرّ المؤذي، وتعهده بالسقي ما أمكنه.

ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه سبع أو نشب به ناشب، أو تعلّق به شوك، أو سقط في عينيه أو أذنيه شيء يؤذيه، أو مسّه ظمأ أو جوع، تكفل بإزالة ذلك كله عنه جهده وأطعمه وسقاه.

ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممرّه ذلك عائق من حجر سقط فيه، أو جرف انهار عليه، أزال ذلك كله عنه.

وما زال يمعن في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ فيه الغاية.

  للأعلىé

من تراثنا البيئي

فلسطين التاريخية أرض اللبن والعسل

ناديا البطمة

رغم صغر حجم فلسطين الجغرافي، إلا أنها تمتاز بتنوع تضاريسها وبيئاتها المناخية من حيث الأرض، ودرجة الحرارة، وكميات الأمطار، والارتفاع والانخفاض عن سطح البحر.

وهذه العوامل الطبيعية تعطي خاصة فريدة للأرض التي تضم بداخلها أراضي ساحلية وجبلية، وغورية وصحراوية؛ مما جعلها موطنا مناسبا للعديد من العائلات، والأنواع والأصناف النباتية المختلفة.  وقد أدت هذه العوامل بمجملها إلى وجود بيئة طبيعية غنية ينمو فيها الكثير من النباتات البرية المفيدة، كما جعلت من فلسطين مناخا مناسبا لزراعة العديد من المحاصيل والنباتات والأشجار الزراعية، التي أغنت سلة الغذاء الفلسطيني بمنتجات نباتية متعددة وبكميات وافرة.  لهذا استحقت فلسطين لقب أرض اللبن والعسل.

ومن جهة أخرى، صُبِغ المجتمع الفلسطيني بصبغة المجتمع الزراعي لتصبح الصفة السائدة لنشاطات هذا المجتمع وعلى مر العصور.  وقد أثر ذلك في تركيبة وحياة وثقافة المجتمع الفلسطيني.  وأصبحت جزءا من ثقافته الغذائية والتراثية، وهذه الثقافة الزراعية أو الفلاحية أصبحت متوارثة من جيل إلى جيل وقد عزّز هذه الثقافة ورود ذكر العديد من النباتات والمحاصيل في الكتب المقدسة للديانات المختلفة، وكذلك في الأحاديث النبوية.  علاوة على الحث على العمل والإنتاج والتمسك بالأرض وحماية الموارد والخيرات الطبيعية.

إن 75% من سكان فلسطين التاريخية ما قبل الحروب والنكبات كان مجتمعا قرويا تميزت بيئته بالتنوع الزراعي وفق نوع التضاريس والمناخ والأمطار,  وكان همّ الفلاح في زراعته وإنتاجه توفير الاكتفاء الغذائي الذاتي، وتوفير الأمن الغذائي الحقيقي وسد حاجاته الأساسية من إمكاناته المحلية المتوافرة من أرضه ومائه؛ فهما قاعدة وأساس رزمة ومعاشه ووعاء حضارته. 

قال المفكر والأديب الفلسطيني حسن مصطفى عام 1945:  "ولعل أولى ظواهر تلك الصلة بين الإنسان والطبيعة هي إثبات الإنسان (هويته) بالنسبة للأرض التي يلتصق بها......"؛ ومن هنا جاز القول:  "من لا أرض له لا هوية له".

إن المجتمع الزراعي والفلاحي يعتمد في عمله وإنتاجه على قوة الأيدي العاملة وعلى أخلاقيات أوجدتها طبيعة الحياة الزراعية، فكانت العائلة الأبوية الممتدة والمتميزة بالتعاون والترابط وتقسيم الأدوار والأعمال كفريق واحد يسعى بنمط حياة زراعي وإنتاجي، لتحقيق هدف واحد وهو العيش الكريم والاكتفاء الذاتي وسد حاجاته ولوازم حياته محليا، بديمومة واستمرار؛ وهذا ما يسمى الأمن الغذائي الصحيح.

إن نكبة فلسطين عام 1948 كانت أول ضربة للأمن الغذائي على مستوى العائلة وعلى مستوى الوطن، حين خسرت الأمة الأرض، وهُجِّر الأهل، وجرفت قراهم لمحو أثرهم، وأُفْقِر المجتمع الذي تحول من مجتمع منتج وفاعل ومستقر إلى مجتمع مشرد وعاجز ومشلول بلا أرض وهوية، يعتمد في قوته اليومي على إعانات الأمم المتحدة غير الكافية أو المرضية كما ونوعا.  ولإثبات هذا الكلام قال رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية في رئاسة وكالة الغوث في الأردن في الخمسينيات، المرحوم حسن مصطفى، في حديث بعنوان "من نكبة إلى غوث ثم إلى أين؟"، موجها إلى وجهاء اللاجئين: "ليس سرا أن بطاقة المؤن مقننة لتسد حاجة اللاجئ مدة لا تزيد على 16 يوما من الشهر فقط" وهذه السياسة تعنى أن يبقى اللاجئ في أزمة غذائية يشغل عقله وروحه وجسده المحطم في حلها.  كيف لا، فالأمن الغذائي من الأولويات والضرورات الملحة لحياة البشر وسلامتهم.  ومنذ 60 عاما والوعي البيئي والزراعي والثقافة الفلاحية في القلوب والذاكرة بلا فعل ولا ممارسة وإنتاج في الواقع، والأمن الغذائي مفقود بين صفوف اللاجئين حتى الساعة، وبخاصة في غزة.

 

الأمثال الشعبية والسعي لتحقيق الأمن الغذائي:

هذه مجموعة من الأمثال الشعبية المعبرة عن ثقافة المجتمع الغذائية وسعيه لتحقيق الأمن الغذائي:

-  "قمح وزيت عمارة البيت" و"قمح وزيت سبعين في البيت"؛ بمعنى أن الزيت والقمح كالأسد في البيت يحميان البيت وأهله من خطر الجوع ويحققان الأمن الغذائي.

-  "أعط  الزرع للزارع والأرض لصاحبها" و"الأرض كنز لا يبلى وذهب لا ينغش"، و "ما يحرث الأرض إلا عجولها"بمعنى إن الأرض وأصحابها هم القوة الفاعلة والمنتجة، وبهما يحارب الجوع والفقر،و"بكانون كن في بيتك، وكثر حطبك وزيتك".

-  "إن مات أبوك وأنت صغير عليك بزراعة الشعير" و"الزيتون رزق الأرامل".

-"إن كان في البيت خبز وزيت زقفت أنا وغنيت"، و"الزيت عمود البيت"،و"الزيتون شيخ السفرة"؛ وهذا المثل يقال في مدينة نابلس لوفرة الزيتون والزيت فيها.  كما يقال:  "كول زيت وانطح الحيط"، ويقال أيضا "زيتنا في بيتنا" و"الزيت في جرارك بجيب السعادة لدارك". 

-  "كول فول وانطح العجول"، و"خبز وبصلة برياحة ولا خروف محشي بصياحة".  و"اشرب شيح واستريح"، و"السنة المليحة بتنعرف من فولها وسخولها".  و"إن فل لحم الضاني  عليك بالقطاني"، و"لو عرفت  النساء قيمة  الجرجير لزرعته تحت السرير"، و"إن غاب عنك لحم الضان، عليك  بالحمصان"، ومعنى الحمصان البذور المحمصة، كالحمص والعدس وهي تسد مسد اللحوم من حيث القيمة الغذائية لأنها غنية بالبروتين.  و"لقمة هنية بتكفي مية"، و"لا توكل تمر إلا من جنى نخلك، ولا تركب السبع لو مثل الجمل ناخ  لك".

-  وفي العمل من أجل الرزق قيل:  "مطرح ما ترزق إلزق" و"تحت كل شقيف رغيف".  ويقال في الفلاح وهمته في طلب الرزق:  "بيطلع اللقمة من قلب الحجر"، و"افلح واثني وازرع بدري"، و"سمعني طق المنكوش، وخذ مني ذهب وقروش"، و"كل شي بالأمل إلا الرزق بالعمل".

و"الفلاح ياما أكلت الأرض من إجريه راقات، وبيعرف البيضه مين باضها والفولة مين قطمها والقمحة مين زرعها"، و"الكسل ما بطعم عسل".  و"اللي ما بحرث في الشتا يستعطي في الصيف" (يستعطي: يشحذ)، و"قطرة ع قطرة بتقدح الصخرة" و"قطرة ع قطرة بيعملوا غدير".

للأعلىé

من تراث فلسطين البيئي

 

هذه مناظر لعين أبّاسين وعين الهوية في قرية بتير الفلسطينية (قضاء بيت لحم). وتقع في الجهة الجنوبية الغربية من القرية في وادي عين جامع؛ ويستغلها أصحابها من الناس في الزراعة والري وبنفس الأسلوب والنظام القديم للريّ وتوزيع المياه، ولكن على نطاق أضيق وأقل؛ فهي عيون صغيرة لعائلات وليس لكل الناس أو أغلبيتهم كما في عيني بتير وعين جامع أو أي عين للقرية بعامة، والتي تحمل، في العادة، اسم القرية ويسمونها عين البلدة. 

(من مجموعة صور المرحوم حسن مصطفى)

 

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.