|
|
![]() |
|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||
|
تشرين أول 2008 العدد (7) |
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا |
October 2008 No (7) |
||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||
|
منبر البيئة والتنمية:
|
||||||||||||||||
|
بالإضافة لبعدها البيئي مشاريع الطاقة المتجددة: مكون هام في اقتصاد الصمود الفلسطيني والتحرر من التبعية جورج كرزم
تغيب حاليا الرؤى والاستراتيجيات القابلة للحياة، والهادفة إلى الحفاظ على البيئة الفلسطينية، والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة التي ستقلل من تبعيتنا الكاملة حاليا لمصادر الطاقة غير المتجددة وبخاصة الطاقة الأحفورية التي يتحكم الاحتلال الإسرائيلي في عملية تزويدها وتسويقها لنا، علما بأن الأخير لم يحترف التفنن في إذلال وتعذيب وقتل الإنسان الفلسطيني فحسب، بل أتقن أيضا عملية إرهاب وتخريب البيئة الفلسطينية، ابتداء من تخريب وتجريف مئات آلاف الدونمات الخصبة والمزروعة، واقتلاع ما يزيد عن مليوني شجرة، وتلويث المياه الجوفية، ونهب معظم مصادر المياه الفلسطينية، وانتهاء بجعل محيط السكن الفلسطيني مكبّا للنفايات الإسرائيلية الصلبة والسائلة والنووية، وتحويل أجواء الضفة والقطاع إلى مستقبِل للانبعاثات الإشعاعية والغازية الكربونية وغير الكربونية السامة، والمسببة لأمراض خطيرة، والتي مصدرها المصانع والمستعمرات ومحطات توليد الكهرباء الإسرائيلية.
لكن، وبالرغم من هول وفظاعة الممارسات الإسرائيلية المدمرة للبيئة، يجب ألا نغفل العامل الذاتي الفلسطيني أيضا في تلويث البيئة، وإن كان هذا العامل صغيرا جدا بالمقارنة مع العامل الإسرائيلي. ونذكر في هذا السياق، غياب الضوابط والقوانين والرقابة الحقيقية التي تحدد سقف الانبعاثات السامة من المركبات والصناعات الفلسطينية، وتضع حدا لاستخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية العشوائي والمفرط، فضلا عن الانبعاثات الكبيرة والخطيرة من مئات آلاف السيارات. يتأكد مما سبق، أن هناك الكثير الذي يجب على المؤسسات والجهات الفلسطينية الرسمية والأهلية المهتمة بالبيئة والطاقة أن تفعله لترشيد استخدام الطاقة النفطية الملوثة للبيئة ولصحة الإنسان، أو أن يستبدل بها، حيثما أمكن، الطاقة المتجددة والنظيفة من الانبعاثات السامة المخربة للصحة العامة والبيئة والمناخ. وتتراوح مجالات العمل من المستوى التوعوي الإرشادي والتدريبي، إلى مستوى العمل التنموي الفني لإنشاء وتطوير مشاريع خدماتية وصناعية معتمدة على استخدام الطاقة المتجددة (الشمس والرياح والغاز الحيوي)، مثل الكهربة الشمسية للعديد من المناطق الفلسطينية والإنارة الطبيعية وغير ذلك. وبالإضافة للبعد البيئي الكامن في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، يتضمن هذا الاستخدام أيضا، في الحالة الفلسطينية، بعدا تنمويا وطنيا، حيث سيقلل من اعتمادنا على الطاقة الأحفورية (الكهرباء، البنزين، السولار، الغاز والمحروقات بشكل عام) ومصدرها الوحيد الدولة اليهودية التي تتحكم بعملية تسويقها أو حجبها عنا، فضلا عن التحكم بنوعيتها وجودتها. وفي المحصلة، ستنخفِّض كثيرا النفقات على الطاقة النفطية الإسرائيلية، وتتعزز بالمقابل عملية إعادة تدوير الرأسمال المحلي في السوق الفلسطيني. علاوة على ذلك، تساهم مشاريع الطاقة المتجددة في القرى الفلسطينية النائية والمحاصرة بالمستعمرات والقواعد العسكرية الصهيونية، في تثبيت أهاليها على أرضهم. ضرورة بيئية – تنموية ووطنية الجدير بالذكر أنه حتى عند إنتاج جزء من الكهرباء فلسطينيا، كما هو الحال في قطاع غزة، إذ تنتج شركة كهرباء غزة وتغطي نحو 30% من احتياجات القطاع من الكهرباء وتتولى شركة توزيع غزة توزيعها، فإن المصدر الوحيد للوقود اللازم لإنتاج الكهرباء هو الدولة اليهودية، علما أن الاتفاقيات الإسرائيلية - الفلسطينية تمنع الطرف الفلسطيني من شراء الوقود من مصدر غير إسرائيلي! أما باقي كهرباء غزة (نحو 70%) فمصدرها الدولة اليهودية، بينما تعتمد الضفة الغربية كليا على الكهرباء التي يتم شراؤها من الدولة اليهودية. وقد شاهد جميعنا كيفية استخدام الاحتلال الإسرائيلي الوقود والمحروقات، ككماشة ضغط ضد شعبنا الغزي، وبخاصة الكمية اللازمة لعمل محطة كهرباء غزة ومضخات المياه والصرف الصحي، فيحجبها أو يسمح بدخولها القطاع كما يشاء، مما تسبب مرارا ولفترات طويلة، في توقف عمل محطة الكهرباء والمضخات، كما تعطلت المستشفيات عن العمل وأغلقت المخابز أبوابها، فضلا عن إغلاق معظم المنشآت الصناعية. وأخذ القطاع يسير نحو كارثة بيئية وصحية. وذلك في سياق ممارسة الاحتلال حصارا تجويعيا همجيا، بتواطؤ واضح من بعض ذوي القربى الفلسطينيين والعرب "الرسميين". استنادا إلى ما ورد، يمكننا القول إن الضرورة البيئية والتنموية الوطنية تحتم التفكير والعمل الجديين باتجاه التحرر من التحكم الإسرائيلي المطلق في الوقود والكهرباء، والتأسيس لبنية تحتية لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وغيرها من أشكال الطاقة المتجددة. ولا بد من تحفيز الخبراء والعاملين في قطاعي البيئة والطاقة، على صياغة الدراسات المتعلقة بفرص وجدوى الاستثمار في مجال التكنولوجيا البديلة والفعالة والموفرة للطاقة، وفي المشاريع المعتمدة على الطاقة المتجددة، فضلا عن رسم الخطط والاستراتيجيات المناسبة وتطبيقها. وهذا يتطلب، على سبيل المثال لا الحصر، تطوير الإمكانيات البحثية وتوفير المعلومات اللازمة حول أفضل المواقع للاستفادة من الطاقة الشمسية، ومتوسط سطوع الشمس، والمتوسط اليومي لشدة الإشعاع على السطح الأفقي في المناطق المختلفة، ومصادر الرياح في المدن، ومواقع وجودها، وغير ذلك من المعلومات العلمية والعملية الضرورية. تجارب ناجحة ومميزة مما يشجع على الاستفادة من الطاقة الشمسية في فلسطين، أن الأخيرة تتمتع بكمية وافرة من الطاقة الشمسية، إذ يبلغ المعدل السنوي لكثافة الإشعاع الشمسي فيها 5.4 كيلو واط ساعة / م2. ويبلغ المعدل السنوي لساعات سطوع الشمس أكثر من 2800 ساعة. ومما يشجع أيضا على هذا التوجه، بعض التطبيقات الفلسطينية الهامة والناجحة في مجال استخدامات الطاقة البديلة، وفي طليعتها الاستخدام واسع الانتشار للطاقة الشمسية في الضفة الغربية وقطاع غزة لتسخين المياه، وذلك بالاستعانة بالسخان الشمسي الذي يتكون غالباً من ثلاثة ألواح شمسية مساحة كل منها 1.7 م2، وخزان للماء الساخن سعته 200 لتر. ويغطي هذا النظام كافة الاحتياجات الأسرية اليومية من الماء الساخن (لأسرة مكونة من 6 - 7 أفراد) ولفترة قد تمتد أكثر من تسعة أشهر سنوياً. وفي أثناء هذه الفترة، يستغنى بشكل شبه كلي عن استعمال البويلرات الكهربائية أو تلك العاملة بالديزل أو الغاز. ويوفر استعمال السخان الشمسي على الأسرة ما لا يقل عن 20 دولار شهرياً، علما بأن فترة استرداد رأس مال السخان أقل من سنتين. علاوة على ذلك، توجد في الضفة والقطاع بضعة مشاريع خدماتية وإنتاجية متميزة تعتمد على الطاقة المتجددة، ومن أبرزها مشروع توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاحونة الهواء والخلايا الشمسية في قرية عناب الكبيرة جنوب الخليل، علما بأن القرية كانت معزولة كهربائيا عن العالم الخارجي، وغير مربوطة بشبكة الكهرباء الرئيسية، وكان جزء من القرية يعتمد على الطاقة الكهربائية من مولد ديزل قديم يعمل ساعتين يوميا فقط وينتج غاز ثاني أكسيد الكربون. ويستفيد حاليا من هذا المشروع، على مدار 24 ساعة، جميع سكان القرية البدو وعددهم نحو 150 نسمة، بالإضافة إلى مدرسة وجامع ومضافة القرية. والمشروع عبارة عن محطة توليد الطاقة الكهربائية ذات قيمة إنتاجية تبلغ 18 كيلوواط / الساعة، وتتكون من طاحونة هواء وخلايا شمسية، وقد ربط المشروع أهل القرية بالعالم الخارجي، من خلال التلفزيون والراديو والهاتف، فضلا عن الغسالات والثلاجات الصغيرة. كما أقيم في حي الزيتون بمدينة غزة، الذي يعد من أكثر الأحياء ازدحاما في المدينة، مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية باستخدام الألواح الشمسية. ويستفاد من الطاقة الشمسية كمصدر طاقة متجدد بديل في ضخ المياه الجوفية من عمق أربعين متراً وفي تشغيل بعض الأجهزة الكهربائية وإنارة غرفة مضخة المياه. يضاف إلى ذلك، مشروع الإنارة بواسطة الخلايا الشمسية في قرية عطوف(محافظة طوباس الفلسطينية)، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 120 شخصا يعيشون في 22 منزلا. وقد تم تركيب نظام الخلايا الشمسية بقدرة 12KW، وهو يغذي كامل القرية المكونة من بيت وجامع ومدرسة، فضلا عن إنارة الشوارع. كما يوجد أيضا بعض مشاريع توليد الكهرباء والإنارة في تجمعات بدوية مهددة بالاقتلاع ونهب الأراضي في عين العوجا وعمورية وقريوت وبيت لحم والخليل، علاوة على مضخة مياه في قرية يانون (محافظة نابلس). ومن خلال مبادراتهم الشخصية، برز بعض البيئيين الفلسطينيين الطليعيين الذين حولوا ضوء الشمس إلى كهرباء. ونشير هنا إلى التجربة الناجحة لمحمود شاهين في غزة، حيث، ومنذ 18 عاماً، يضاء منزله بالكامل ويعمل بواسطة الخلايا الشمسية التي تزوده بالطاقة الكهربائية التي يتم تخزينها في بطاريات، ولا تعرف فاتورة الكهرباء عنوان منزله. واللافت للنظر، أنه كلما انقطع التيار الكهربائي في جميع منازل ومؤسسات حيه، بسبب الحصار الإسرائيلي، يبقى بيته مصدراً للضوء، فيتهافت المواطنون إلى منزله لمتابعة الأحداث عبر التلفاز. اقتصاد بيئي ومقاوم للاحتلال من الواضح، أن المشاريع السابقة وغيرها ممولة بغالبيتها من مؤسسات تمويل دولية. إن من أهم أسباب إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة غياب البيئة الاستثمارية المناسبة؛ إذ إن القطاع الخاص لا يستثمر إلا في مشاريع مجدية ومربحة اقتصاديا. ونظرا لأن حجم مشاريع الطاقة المتجددة في الضفة والقطاع صغير، فإن التكلفة الإنشائية لهذه المشاريع مرتفعة، الأمر الذي لا يحفز القطاع الخاص على الاستثمار فيها. كما أن الاستثمار في هذا المجال يتطلب تسهيلات بنكية وحكومية، وتخفيضات وإعفاءات ضريبية، وسن القوانين التي تقيد إلى الحد الأدنى إنتاج الملوثات البيئية؛ وبالتالي تحدد الاستخدام الأفضل للطاقة، ناهيك عن إبرام اتفاقيات التعاون مع الأقطار العربية التي ترغب في الاستثمار بالطاقة البديلة والمتجددة، وكل ذلك يزيد من إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار. وإجمالا، يفترض بالقطاع العام (الحكومي) أن يتحمل المسؤولية الأساسية في المبادرة إلى إنشاء مشاريع الطاقة البديلة وتطويرها. وأهم من كل ما ورد، أن الاستثمارات المجدية والإستراتيجية في مجال الطاقة المتجددة والتكنولوجيا البديلة والموفرة للطاقة، على مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية واحدة، تتطلب القضاء على أرخبيل الجزر المتناثرة التي عزل فيها الاحتلال الصهيوني أبناء شعبنا وحاصرهم بأكثر من 140 مستعمرة وطرق التفافية، حيث لا يمكن التنقل بين هذه الجزر إلا بإذن منه. وفي ظل غياب كامل للسيادة السياسية والجغرافية على الأرض والموارد المائية والحدود وانعدام التواصل الجغرافي، والتحكم الإسرائيلي المطلق في حركة قوة العمل والسلع والواردات والصادرات ورأس المال، فمن المستحيل المراهنة على استثمارات تنموية وبيئية إستراتيجية شاملة ومستدامة في مجال الطاقة المتجددة. على أي حال، من منظور تنموي استراتيجي، يبقى الاستثمار في مشاريع إنتاجية (زراعية وصناعية) وخدماتية بيئية، مستدامة ومقللة من تبعيتنا للأجنبي، ومعززة لاعتمادنا على الذات، ولو بشكل جزئي، أفضل بألف مرة من التشبث بالأطروحات والسياسات الاقتصادية التي سادت وطغت قبل انتفاضة الأقصى وثبت إفلاسها، حيث عملت ولا تزال على تشويه الاقتصاد الفلسطيني وتثبيت وتعميق عملية إلحاقه بالاقتصاد الصهيوني. لهذا، وبنفس السرعة التي اندلعت فيها الانتفاضة تلاشت وانهارت العديد من الاستثمارات والمشاريع الاستهلاكية الاستعراضية والمظهرية التي دأب العديد من "المانحين" والسلطة الفلسطينية وأصحاب رؤوس الأموال على التركيز عليها. وقد ثبت أننا في ظل الاحتلال الاستيطاني الجاثم على صدورنا، لا مجال ولا مستقبل للحديث عن تنمية اقتصادية إلا في إطار اقتصاد إنتاجي بيئي ومستدام، وهذا يعني اقتصادا متمحورا داخليا ومتحررا قدر الإمكان من الارتباط بالمُدخلات الخارجية، اقتصادا مقاوما للاحتلال. ملاحظة هامة: إذا كانت لديك اقتراحات أو إضافات تتعلق بآفاق الاستفادة من الطاقة المتجددة وتطبيقاتها، لحماية بيئتنا الفلسطينية والعربية من التلوث، ولخدمة اقتصاد الصمود والمقاومة والتحرر من التبعية، الرجاء الكتابة حولها (لمجلة آفاق البيئة والتنمية) على العنوان التالي: george@maan-ctr.or |
||||||||||||||||
|
علـى الحـافـة ثوب البيئـــــة لبّيس حبيب معلوف / لبنان
ليس غريبا في بلد "متنوع" مثل لبنان أن يتأسس فيه أكثر من حزب للبيئة، كما فرخ فيه سابقا أكثر من مئة جمعية بيئية. وفي زمن سيطرة الفكر البراغماتي، وضياع القيم الثابتة والتي تحمل صفة الديمومة، وسيطرة مقولة أن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة والمنتشرة والتي تأخذ المساحة الأكبر في الإعلام وعلى لوحات الإعلانات... لم يعد هناك شروط معينة ومواصفات صارمة وواحدة لكي يستحق أي تنظيم تسمية "حزب". فالأحزاب أنواع متعددة أصلا. ويبقى السؤال: ما الذي تحتاجه القضية البيئية نفسها، أي نوع من الأحزاب؟ وفي بلد مثل لبنان تحديدا؟ هناك الأحزاب الجماهيرية التي تسعى إلى تنسيب أكبر عدد ممكن من الناس، كهم رئيسي، والأحزاب "النخبوية"، التي تركز على النوعية، بمعنى تنسيب من يقتنع جيدا بعقيدتها فقط. وهناك أحزاب (حديثة) هي بمثابة قوى ضغط (غير حزبية) على أحزاب أخرى أو على السلطات، وأحزاب تسعى إلى التغيير. أحزاب البرامج لقضايا محددة، وأحزاب العقائد التي تصعّب مهمتها وتسعى إلى تفسير كل شيء في الكون، كما تسعى إلى التغيير الشامل. هناك حزب القائد الملهم، والأحزاب التي تقوم على مونة الأخ الأكبر وأحزاب المصلحة. كما أن هناك أحزاب الطائفة أو المذهب، وأحزاب الأقوام أو الطبقات... والأحزاب المسماة "وطنية"، وتلك التي تكون طرفية أو ظرفية...الخ. وتبقى الصفة العامة الغالبة والمشتركة بين الأحزاب جميعها، هي أن يقوم الحزب على أهداف وقيم وتنظيم وهيكلية معينة، وأن يجمع أعضاء متجانسين ومتوافقين وأن يكون له برامج محددة، وأن يسعى إلى السلطة لتحقيق الأهداف. وإذ يرى البعض بأن السعي إلى السلطة ليس صفة رئيسية، يرى البعض الآخر بأن وجود الخلفية الفكرية أو الأيديولوجيا ليس ضروريا .يتميز لبنان بعدم احترامه للقواعد، وبلبننة أي شيء. ويبدو الانقسام اليوم بين حزبي البيئة اللذين تأسسا في السنوات الأخيرة بين نهجين مختلفين. حزب يدعي بأنه أيديولوجي ويحاول أن يبلور خلفية فكرية لكي ينطلق منها، وحزب يتهرب من الأيديولوجيا ويحاول صياغة برامج بسيطة لينطلق منها، ولو قبل بازدواجية الولاء وبالتنوع داخل الحزب. ولكل خيار من الخيارين ضريبته. فالخيار الأيديولوجي، يخسر على المستوى الشعبي والمالي والتمويلي، ويجمع حوله قلة مهووسة بالمبادئ وبحب حماية البيئة بأي ثمن، ويبدو كأنه يحب تعذيب النفس وتحقيرها، في زمن تسود فيه ثقافة "حب الحياة"... والاستهلاك. أما الخيار غير الأيديولوجي، فينتج كوكتيلا منفلتا، عجيبا غريبا، يختلط فيه الحلو بالمر والحامض والحابل بالنابل... تحت عنوان "التنوع". ويمكن لهذا التنوع أن يمتد للقبول بعضوية الرأسمالي مع الاشتراكي، والمتدين مع الكافر، وبالفاجر مع التاجر، وبأهل العريس وأهل العروس، بأصحاب الفنادق والمطاعم والملاهي كما بعمالها والراقصات... إلى ما لا نهاية، فلا نعود أمام تنظيم يسمى حزبا، بل أمام عالم آخر تسوده فوضى الأفكار، أو أمام برج بابل جديد لا احد يفهم فيه على أحد. ثوب البيئة لبيس. وقد تحولت الحركات البيئية الخضراء في العالم، التي تعاني من مشاكل بنيوية، لن ندخل فيها، إلى موضة جديدة عندنا. وإذا لم يكن هناك من أيديولوجيا وقيم ومعايير، يمكن لأي كان أن يلبس لباس البيئة، تماما كما أسس الكثير من السياسيين التقليديين في لبنان، بالأصالة أو بالوكالة، عبر أتباعهم أو عبر زوجاتهم... "جمعيات بيئية"، ولبسوا من تنانيرها وتمولوا من تمويلها. ويمكن لحزب يحمل شعارا أخضر، أن يتحول إلى مكان لتبييض الوجوه والأموال والصفحات. تماما كما تفعل بعض المجلات المسماة "بيئية"، حين تحاول أن تبيض أموال شركات النفط على صفحاتها، عبر تصويرها محسنة تتبرع "لمشاريع بيئية" صغيرة، هنا وهناك، في وقت تكون أثناء عمليات الإنتاج والتكرير والنقل، قد لوثت ودمرت الحياة في محيطات بكاملها! كذلك الأمر بالنسبة لتبييض صفحات الأمراء والملوك والرؤساء الذين يديرون مشاريع مدمرة وملوثة للبيئة، والذين يصورون كحماة الحمى، يحمون الغزلان أو المها "العربي"، المهددين بالانقراض! يا لهذا "اللبناني الشاطر" الذي يعرف كيف يلبنن القضايا دائما. الشاطر في عمليات التبييض ولو كان على الحضيض، والشاطر في عمليات التجميل والتكحيل، وأن يجعل نفسه لكل سائح دليلا ولكل تاجر وكيلا ولكل فاتح عميلا ...إلخ. ولهذا لا نتمنى "الشطارة" للبيئيين عندنا. قيل بأن بعض الأعضاء المؤسسين في حزب الخضر تعهدوا بأن لا يترشحوا للانتخابات قبل عشر سنوات. فهذا زهد لا معنى له. انه زهد غير القادر على الفعل. بينما الزهد الحقيقي بالأشياء، هو في الامتناع عن المتاح والمستطاع والمتوافر، وليس الامتناع عن الصعب والمستحيل. ثم إن بين الأهداف الرئيسية الطبيعية للحزب السياسي أن يقطر الناس للعضوية والعقيدة (إذا وجدت)، وأن يختار من بين أعضائه من يترشح عنه لتنفيذ برامجه. فإما أن تكون أهداف أحزاب البيئة مثل أهداف أي حزب سياسي، وإما أن تكون مختلفة، فتقرر أن لا تسعى إلى السلطة أبدا، وأن لا تسعى إلى تمثيل الناس في الندوة البرلمانية، كونها تحمل قضية أكبر، إذ هي تدافع عن الأجيال الآتية، ولا حاجة لها لأصوات الناس الحاليين. وربما يشكل هذا الخيار الموقف البيئي الأسلم في لبنان، في هذا الزمن الصعب، زمن الأكثريات الساحقة الفاسدة. |
||||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||
|
التعليقات |
||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة. |
||||||||||||||||