تشرين أول 2008 العدد (7)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

October 2008 No (7)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

قراءة في كتاب:

كتاب:

العرب وشبكات المعرفة دراسة في الموقع والواقع!

تأليف:  يحيى اليحياوي

سنة الإصدار:  2007

عدد الصفحات:  158 من القطع المتوسط

 

عرض ومراجعة:  تحسين يقين

صوت يغرد خارج السرب!

لكنه ليس أي تغريد، ولا أي حديث، بل هو حديث علمي قادم من وعي  بالموضوع وعلم بالمجتمع العربي بل وانتماء له، يريد له الأفضل والأكثر رسوخا بالاقتراب من الجوهر والمضمون وعدم الاقتناع بالتواجد على مستوى الشكل، راضين بالسطح والقشرة!

إن استعراض هذا الكتاب الذي صدر عن دار الطليعة في بيروت يثير لدى القراء تداعيات كثيرة لها علاقة بعلاقة كل واحد منا ليس بشبكات المعرفة، بل بالسلوك الذي ظهر لدى المؤسسات والأفراد، وآفاق تلك الظاهرة الرقمية عالميا، من خلال ما نراه من تبعية المحليين هنا للآخرين، وما تخلقه التبعية من تشويه وتقليل للثقة بالنفس.

فعندما تصبح قيمة الطابع والموصل وخبير الاتصال هي القيم الكبرى، على حساب آخرين لهم دور أساسي في المعرفة والإنتاج، فليس لهذا من دلالة إلا تهشيم الفكر والانتقاص من العقل والعمل.

ولنا أن نتذكر إعلانات التوظيف التربوية والعلمية والبحثية قبل بضع سنوات، وكيف كانت تضع في شروطها شرط القدرة على استخدام البريد الالكتروني، كأن العمل على الحاسوب هو بيت القصيد، وكيف أصبح الخبراء مغتربين إزاء هذه الشروط، ولكن لم تكد تنقضي سنوات قليلة حتى اكتشف الخبراء الحقيقيون أن تلك الشروط ليست إلا مهارات يمكن اكتسابها فقط في بضعة أيام!

ليس تقليلا من أهمية الحاسوب وشبكات المعرفة، لكن يجب ألا يكون ذلك مهمشا لما هو منجز من علم وعمل وإنتاج، حيث ما زلنا نعاني من فجوة قيمية لصالح ما صار يطلق عليهم الخبراء الجدد!

مصداقية صوت د. يحيى اليحياوي تأتي ليس من وجوده بعيدا عن هذا الحقل، بل بسبب وجوده فيه، ينطبق ذلك على آخرين ينتقدون من داخل الحقل، وليس من مجرد الرأي النمطي القادم عن بعد وعن تصورات مسبقة تعادي ما هو سائد عن غير وعي وبشكل مطلق دون أن ترى أهمية ما يوجد هناك من منجزات ووسائل مفيدة، حتى ولو اعتراها بعض الشوائب.

صوت اليحياوي هنا يقول للعرب انتظروا قليلا ولا تتحمسوا لكل جديد هكذا دون دراسة، وليكن تحديثكم للأمور مبنيا على شيء حقيقي لا هش، استخدموا الجديد ولا تجعلوه يستخدمكم ويستعبدكم!

لقد حرص د. اليحياوي أن يمهد للكتاب عبر حديث عن سياق العصر ما بعد انتهاء المنظومة الاشتراكية، وتفرد النظام الرأسمالي الغربي، وتطوره باتجاه ما قد صار يطلق عليه العولمة، رابطا ذلك بالحديث عن تكنولوجيا العصر، والتحول الذي جرى على رأس المال الذي لم يعد مقتصرا على الإنتاج والعمل اليدوي، بل صار له علاقة بالعمل عن بعد.

وخلال تأليف الكاتب لفصول الكتاب، رأينا كيف كان يعرض ويحلل وينتقد في وقت واحد، فهو  بعد تقديمه الفكري للظاهرة ضمن سياق التطور الحضاري، راح يعرض لتكنولوجيا الإعلام والمعلومات وكيف أن الأمر بشكل عام اقتصر على وجود الأجهزة، دون أن يصب هذا الجديد في البنية الفكرية والعلمية، وكيف أنه من البداية استلزم ذلك وجود تبعية لدى المستهلكين، حيث اقتصر المحلي على الاستخدام، فارتبطت التبعية بالتصميم والإنشاء والمراقبة والصيانة..

فصارت تكنولوجيا الإعلام والمعلومات مكمن رهانات كونية كبرى؛ فهي مكمن رهان اقتصادي كبير بحكم ضخامة السوق العالمية وقوة الشركات الفاعلة، وهي كذلك رهان جيوستراتيجي على اعتبار أن من يملك المعلومة والشبكات المنتجة والموزعة لها هو الذي يملك السلطة الحقيقية في علاقاته؛ لذلك فإن  تعذر خضوع التكنولوجيا للتملك من قبل الأفراد والجماعات يجعلها منفصلة عن المنظومة الثقافية.

يعرض في الجزء التالي للفجوة الرقمية من خلال الحديث عن السوق العالمية، وتحكم الولايات المتحدة في مفاصل الانترنت، وقطبية تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال وعولمة المعرفة وشركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات كسلطة جديدة، فيما أفرد حديثا خاصا نراه مهما وهو يتمثل في نموذج "إيشلون" كتكنولوجيا رقابة.

فـَ "إيشلون" هو نظام مراقبة وتجسس وتنصت صممته الولايات المتحدة في أثناء الحرب الباردة، وصارت الولايات المتحدة تستخدمه لمراقبة الحلفاء والأعداء، ويرى د. اليحياوي " إن الزج بكل المنظمومة لخدمة مصالح دولة بعينها هو تجاوز عليها،....وهو أمر يطاول الوطن العربي أكثر من سواه لا سيما في ظل التحالف الاستراتيجي الذي يجمع الولايات المتحدة بإسرائيل". وقد  أورد المؤلف مثال مراسل الجزيرة تيسير العلوني كأحد الضحايا كما ورد في مسوغات الحكم عليه.

في عرضه في القسم الثاني حول العرب وشبكات المعرفة فإنه يعرض للواقع العربي الذي يرينا التدني الحاصل ويرينا الفجوة، لكنه يعيد النظر في السياسات التكنولوجية العربية  منتقدها، مبينا كيف يتم تعمق الاستيراد وترسيخ كون الخبراء من الخارج، في الوقت الذي يشير فيه إلى دول أخرى مثل الهند والصين وماليزيا وكيف نجت من الرهان، عبر البدء من الصفر والبناء على ذلك من منظور استقلالي، بعيدا عن الطبيعة الاستعراضية التي وقعنا فيها كعرب، وكيف ظهرت شريحة طفيلية تابعة صارت لها السلطة وقدمت نفسها كشريحة خبيرة، وهم ليسوا إلا مكونين في الخارج كخبراء إدارة، فهي شريحة طفيلية غير منتجة ويقف دورها عند حد السمسرة. وذلك يعود إلى أن اكتساب التكنولوجيا  اقتصر على النقل الخام، وليس نقل واستيعاب وتوطين وتوليد التكنولوجيا، فالجانب المطلوب حيازته ونقله في أسرع وقت هو الجانب المعرفي من التكنولوجيا، أي المعرفة والمهارات والخبرات وليس الجانب المادي..

وقد تحدث المؤلف في القسم التالي حول تداعيات التخلف العربي في ميدان تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، حيث نجد تحليا ونقدا لإكراهات التنمية الجديدة، وأثر التخلف السياسي في تعميق التشويه، الذي ارتبط بقلة البحث العلمي في الوقت الذي راحت فيه العقول تهاجر من وطنها العربي..

ويشكل القسم الرابع في نظري أهم قسم لا لأنه ينتقد بل لأنه يتحدث عن المستقبل العربي إزاء تكنولوجيا المعلومات.

فهو يتحدث عن ثلاثة سيناريوهات:

إما الاستمرار بالنهج الحالي باتجاه تعميق التبعية التكنولوجية والاستلاب العلمي، أو الإصلاح بالاعتماد على تخفيف وطأة التبعية والاستلاب، من خلال نقل المصنع أو وسيلة الإنتاج والتدرب على تشغيلها وتسويق منتجاتها، واضطلاع الخبراء والفنيين المحليين بعمليات الإنتاج. وسيساهم في ذلك عودة مفترضة للخبراء والعلماء العرب إلى أوطانهم. لكنه ختم حديثه عن الإصلاح المفترض بخاتمة تشاؤمية بعدم القدرة على توليد التكنولوجيا، أي تصميم وإيجاد تكنولوجيا جديدة مبتكرة ومطورة محليا.

لذلك نراه  يفصل الحديث عما رآه مشهد التغيير عبر إعادة توزيع ثلاثية للثروة والمعرفة والسلطة.

ويراهن المؤلف من خلاله على خلق وبناء مقومات بنية تحتية علمية وتكنولوجية على مستوى الوطن العربي، انسجاما مع مراهنته على مأسسة خطاب يراعي الثروة والمعرفة والسلطة.

فهو يطمح إلى تكامل رأس المال الموجود في دول الخليج الغنية مع القوة البشرية  في الدول الأخرى كمصر والمغرب العربي، على طريق دمج الإمكانات في منظومة علمية وتكنولوجيا واحدة، مسنودة بإرادة سياسية وتوفر نسق فعال للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

وحتى نبادر إلى ذلك التغيير المرتجى سنظل كعرب خارج منظومة المعرفة التي كان للحضارة العربية الإسلامية لقرون مضت دور فيها.

صوت يغرد خارج السرب!

لكن من سيستمع له؟

بل من سيقوم بالإصلاح على الأقل؟

أما من سيقوم بالتغيير الإيجابي الفاعل المدعوم من رأس مال منتم ومن بشر متعلمين ومن إرادة سياسية تمتلك مصيرها، فهو ما ينقصنا ليس في المجال الرقمي فقط بل وفي مجالات أخرى.

إنه كتاب موجع لكل من يحلم بالارتقاء العلمي والتخلص من التبعية التكنولوجية والفكرية.

وهو ليس بوحا وشكوى فقط، بل هو كلام علمي موثق بالأرقام والإحصاءات ودراسة الواقع العربي والواقع العالمي والمقارنة بينهما، ليس على سبيل الاكتفاء بالمقارنة بل على سبيل تعميق الدرس التكنولوجي العربي باتجاهات فاعلة مؤسسة بعيدا عن الارتهان للصانع هنا أو هناك، اقتداء بآخرين استطاعوا الخلاص من التبعية لسبب بسيط هو وجود قرار سياسي بذلك ناتج عن إرادة حرة.

ويبدو أن فكر الكاتب ومنطلقاته المنتمية والملتزمة كانت وراء نقده لاتجاهات التعامل مع الرقمية في هذا العصر، وقد شفع للكاتب إيراد هذا النقد أنه تحدث من منظور علمي من داخل العلم نفسه وليس من خارجه فقط!

Ytahseen2001@yahoo.com

للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.