تشرين أول 2008 العدد (7)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

October 2008 No (7)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

شخصية بيئية :

"دينمو" بيئي

ريم مصلح: الأيدي الناعمة تواجه "النفايات الصلبة"

عبد الباسط خلف:

 

تدعم الملصقات والعبارات البيئية التوعوية التي تحتل أجزاء من مكتب د. ريم مصلح، في التعاون الفني الألماني (GTZ) في مدينة البيرة، حقيقة أنها امرأة استثنائية بكل معاني الكلمة.

ففي ركن ما من المكان تتحدث عبارات عن محاذير التخلص من النفايات الصلبة بالحرق، في حين تؤكد مجسمات صغيرة لأوعية نقل النفايات التي أحضرتها من ألمانيا، وصارت "تحتل" إيجابياً جزءاً من مكتبها، أن لريم قصة مختلفة. وتعزف مجموعة أخرى من العبارات على وتر البيئة والنفايات الصلبة، ومنها:"بيئة سليمة..حياة نظيفة"، وغيرها.

قبل أن نخوض حوارنا في يوم صيفي أشتعل حره، نستمع إلى أجزاء من لقاء سريع  أجرته د. مصلح مع أحد التجار، وفيه أيضاً تفاصيل ابتياع أحذية خاصة للعاملين في مجال نقل النفايات.  تقول بعجالة:  فكرنا في ذلك حرصاً على سلامة العاملين، وحتى لا تتسبب الأحذية التقليدية لأرجلهم بالأذى.

 

تفاصيل ثرية

تحفل حياة ريم بالكثير من التفاصيل الثرية، ولا تخلو كل زواية من مساحات الحوار من إشارات نجاح، كحال سيرتها الذاتية الطويلة والغنية بالإبداع والتفوق، وبخاصة لأنها من النساء القلائل في بلدنا اللواتي انخرطن في دراسة علوم البيئة بعامة والنفايات الصلبة بخاصة.

نشاهد صورة  لـ د. مصلح خلال تدريب للعاملين في إدارة النفايات الصلبة على السلامة المهنية، إذ كانت بمثابة"الدينمو"  تشرف وتتابع وتهتم بالتفاصيل الصغيرة كلها. أما قبعتها وملابسها وتعابير وجهها  فتبدو أنها ترسم لنفسها مساراً خاصاً، وتقدم  دليلاً على ضرورة تغيير الصورة النمطية التي تطوق المرأة في بلادنا المصابة بجرعات زائدة من التمييز  السلبي ضد النساء. وهي أول امرأة في بلادنا تحمل درجة الدكتوراه في الهندسة البيئية بتخصص في النفايات الصلبة، ولا يشاركها في هذا التخصص على هذا المستوى العلمي سوى  رئيس سلطة المياه د. شدّاد العتيلي.

تروي: كنت المرة الأولى التي أتعرض فيها لهموم البيئة من منظور عملي، فخلال عملي في جامعة بيرزيت، اتجه اهتمامي نحو طرق التخفيف من أثر الصناعات المختلفة، وجعلها صديقة للبيئةوبعدئذ صار الاهتمام يتزايد.

خمس جهات

تنقلت د. ريم بين لبنان وجارتها اللصيقة سوريا التي ولدت فيها عام 1972، ومكثت فيها إلى عام 1982، ومن ثم حصلت على شهادة "البكالوريا" السورية أو الثانوية العامة. واستقرت في رام الله، وعملت في جامعة بيرزيت بعد إكمال الشهادة الجامعية في موسكو. بعدها تابعت الدراسة الجامعية في العاصمة الروسية موسكو، إذ حصلت عام 1996 على الماجيستير في الهندسة الكيمائية، (تعادل شهادات الماجستير الروسية درجة الباكالوريوس في فلسطين، على الرغم من أنها  شهادة جامعية ثانية في دول أوروبا وأميركا).

بعد سنتين من العمل في الجامعة، انتقلت إلى هولندا لتحصل على درجة الماجستير في علوم إدارة البيئة للمناطق الحضرية في آذار 2000، لتعود بعدها للعمل ثانية لما يزيد على عام  في جامعة بيرزيت.

عكفت ريم في تخصص الماجستير على موضوع صنع السياسات المتعلقة بإدارة النفايات الصلبة في فلسطين. وفي العام 2000 حصلت على منحة Fulbright لسنتين، بعدها عملت في الجامعة لدفع تكاليف الدراسة، فصارت تُدرس مادة "مقدمة في الهندسة البيئية "في كلية الهندسة. ونفذت بحثا عن مكبات  النفايات التي تعمل على شكل مفاعل بيولوجي bioreactor landfill"" ، لتنال  بجدارة، وبعد خمس سنوات، درجة الدكتوراه من جامعة "ميتشغين ستات" Michigan State university  الأمريكية في الهندسة البيئية.

ترسم مصلح خطاً يوضح قربها من قضايا البيئة، وتخصص حيزاً للحديث عن عملها الحالي والسابق، فهي التي  انضمت إلى فريق معهد الصحة العامة والمجتمعية في جامعة بيرزيت، عام 1996 وأنتجت أول دراسة لها حول أثر مناشير الحجر على الصحة والسلامة في المنطقة الصناعية في مدينة رام الله. ووالت العمل في دراسات وأبحاث أخرى حول تأثيرات الصناعة على الصحة والبيئة، بهدف الخروج بسياسات عملية موالية للبيئة.

تتابع: كنت عضوا مشاركاً في لجنة الصحة والسلامة المنبثقة عن محافظة رام الله والبيرة، وصرت ألمس الحاجة إلى التعمق في دراستي، فتخصصت في موضوع النفايات الصلبة، بسبب ضرورة الاهتمام بهذا القطاع، ولتأثيرات مخلفاته على البيئة والمياه.

تقول: اكتشفت ندرة الاهتمام بالموضوع، بالرغم من تأثيره المباشر على صحة المواطنين في حياتهم اليومية. وحتى أن  التخلص العشوائي وغير الصحي من النفايات الصلبة دفعني للتعمق في دراسته أكثر فأكثر.

فجوة

عادت د. مصلح إلى جامعة بيرزيت بعد فترة غيابها الدراسي في هولندا، وصارت تتلمس الفجوة بين الضفة الغربية وغزة في مسألة إدارة النفايات الصلبة، وبدأت تدون الكثير من الملاحظات والمفارقات.

زارت ريم قطاع غزة عام 1999، ولمست الفارق بين الحالين، وقتئذ، في غزة والضفة، إذ كانت الأولى تمتلك مكبات صحية للنفايات كحال مكب دير البلح. في وقت كانت ولا زالت الضفة تعاني غياباً في المكبات الصحية للتخلص من النفايات الصلبة. بعدئذ، لحقت مناطق أخرى  في الضفة الغربية بركب التطور في إدارة النفايات الصلبة، إذ تم افتتاح المكب الصحي للنفايات الصلبة ليخدم محافظات الشمال "مكب زهرة الفنجان" في محافظة جنين، الذي بدأ في العمل نهاية عام 2007.

استقطعت الحوار رنات الهاتف النقال، ثم تابعت: إن التغيير نراه يلوح في الأفق، فهناك مخططات ودراسات قائمة حاليا لمكبين صحيين في منطقة جنوب الضفة لخدمة محافظتي الخليل وبيت لحم، وآخر في محافظة رام الله والبيرة، أما أدنى بقعة في العالم كله ،أريحا، ففيها مكب مؤقت.

تستأنف: عملت مستشارة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP، وأجريت خطة إدارة بيئية لمشروع أنفلونزا الطيور.  وخلال رحلتي المهنية في جامعة بيرزيت أعددت تقييما بيئيا سريعاً لمدينة رام الله، وأكملت في مشروع  ثانٍ بالشراكة بين البلدية والجامعة وسلطة جودة البيئة، حول المنطقة الصناعية وما تنتجه من ملوثات.

انتقلت ريم لاحقاً للعمل مستشارة في مشروع إدارة النفايات الصلبة، في التعاون الفني الألماني، وتعمل وفق ما تقول في تخصصها مئة في المئة. حيث أعدت دارسة تقييمية استهدفت أربعين مكباً عشوائياً في محافظة رام الله والبيرة . في وقت تُقدّر  فيه عدد المكبات التي لم يشملها التقييم بحوالي خمسين.

مما خرجت به الدراسة من خلاصات أن هذه المكبات العشوائية، والتي لا تخضع لأية شروط بيئية، تتعرض فيها النفايات للحرق في العديد من المواقع، مما يؤذي صحة السكان المجاورين وسلامتهم، كما يتلوث  الهواء بشكل كبير، وتتسبب العصارة الناتجة عن النفايات في هذه المواقع بتلويث مصادر المياه الشحيحة أصلا في فلسطين.

كفاح آخر

"تغرق" اليوم  ريم من خلال عملها في التعاون الفني الألماني  بالعمل ضمن فريق فني مكون من وزارات ومؤسسات حكومية كسلطة جودة البيئة، ووزارات الحكم المحلي، التخطيط، والصحة.

ويسعى الفريق الفني والمنبثق عن اللجنة التوجيهية للإستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة  الذي يصل غالباًً الليل بالنهار، للوصول إلى إستراتيجية فلسطينية للنفايات الصلبة، ستراعي العديد من المواضيع الفنية والمؤسساتية والمالية. وتعنى بوضع أسس لإغلاق وتأهيل المكبات العشوائية، والتعامل السليم مع النفايات الصلبة. ووفق مصلح، فقد صدر قرار لمجلس الوزراء لتشكيل لجنة توجيهية للإستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، من عدة جهات لتكون صاحبة العلاقة في متابعة الموضوع في حزيران 2008. مثلما وافق المجلس في أيلول من العام نفسه على الإطار العام لإعداد الإستراتيجية، التي وضعها الفريق الفني ووافقت عليها اللجنة التوجيهية للإستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة.

تقول وعلامات التأثر واضحة عليها: إذا استمر الحال على ما هو عليه، فهناك تخوف حقيقي من تلوث الهواء ومصادر المياه، وعندئذ لا تصبح الأقوال والخطط ذات قيمة، إلا أن التطورات الراهنة تبشر بالخير وبتحّسن الحال، وأكبر دليل على ذلك اهتمام مجلس الوزراء بهذه القضية وبالإستراتيجية وتبني متابعتها.

تروي: تم التطرق إلى فصل النفايات  من المصدر (من المنازل) في الإستراتيجية، لكن كلفة الجمع في تلك الحالة ستزداد. والحال اليوم صعب أيضاً، فهناك هيئات محلية تقتطع 70 في المئة من موازنتها لجمع النفايات الصلبة ولا تتضمن هذه كلفة التخلص السليم من النفايات، كما أن المواطنين لا يلتزمون بسداد الرسوم المتصلة بهذا الفرع. تتابع: نبدأ اليوم خطوة خطوة، وفي وقت لاحق سنحصل على نتائج إيجابية. 

 

حياة حافلة

يزخر جدول د. ريم اليومي بالبرامج والمواعيد الطويلة، فهي إلى جانب عملها تتطوع في بلدية رام الله، وهي عضو في لجنة متابعة مشروع الصرف الصحي في حي الطيرة، وكذا الحال في لجنة البيئة وتجميل المدينة.

تلقت ريم تشجيعاً من أسرتها على تحقيق النجاح، فوالدها د. راجي مصلح المدير العام السابق لصحة الفم والأسنان، ووالدتها الشاعرة روز شوملي-مصلح التي تعمل بصفة مدير عام لطاقم شؤون المرأة.

تنهي بابتسامة لطيفة: صرت أعرف الشوارع في مدينتنا من حاويات النفايات. وأتمنى أن يأتي اليوم الذي لا نرى فيه أحداً يلقي النفايات في الشارع، وتعالج النفايات بطريقة سليمة بيئيا، وننعم ببيئة نظيفة.

من سيرتها نقرأ أنها نالت ثلاث منح دراسية، واحدة من برنامج "Fulbright"، والثانية عبر برنامج المنح الهولندي، والثالثة من الاتحاد العام للمرأة السوفيتية للنساء الفلسطينيات.

كما نتعرف إلى نشاطاتها وأبحاثها البيئية ذات القامة العالية، فهي عضو في الهيئة الاستشارية لـ"آفاق البيئة والتنمية"، وساهمت في مراجعة أجزاء من الدليل المرجعي في التربية البيئية، الذي أصدره مركز العمل التنموي"معاً". إلى جانب عضويتها في منظمة النفايات الصلبة في أمريكيا الشمالية. والأهم معرفة كم أن ريم عملية ودقيقة ومنظمة في حياتها المهنية وإدارة وقتها.

 

aabdkh@yahoo.com

 

ملاحظة هامة:  إذا كنت تعرف عن المزيد من التجارب والمبادرات البيئية المميزة والناجحة، الرجاء الكتابة حولها لمجلة آفاق البيئة والتنمية (george@maan-ctr.org)، بهدف تعميم تلك الممارسات والمبادرات والدروس المستفادة منها. 

للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.